ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 13 ديسمبر 2018 زيارة: 253

أدلة جواز نداء الأموات والجمادات والحي الغائب

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية (2/ 19-32).
تأليف: الشيخ إبراهيم بن عثمان السمنودي

والأحاديث والآثار التي ورد فيها النداء للأموات والجمادات والحي الغائب من غير اعتقاد ما ذكر أو فعله كثيرة جدا.

فمنها حديث الأعمى الذي تقدمت روايته عن عثمان بن حنيف (رضي الله تعالى عنه) فإن فيه يا محمد إني أتوجه لك إلى ربك وتقدم لك أن الصحابة (رضي الله تعالى عنهم) استعملوا ذلك الدعاء بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم).

وأنه (عليه الصلاة والسلام) أمر الأعمى أن يدعو به وهو حديث متفق على صحته فهل يقال أن النبي (صلى الله عليه وسلم) علمه الشرك معاذ الله تعالى من ذلك.

ومنها حديث بلال بن الحارث السالف أيضا فإن فيه أنه جاء إلى قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال يا رسول الله استسق لأمتك ففي ذلك النداء له (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته (عليه الصلاة والسلام).

وفيه أيضا الخطاب له بالطلب منه أن يستسقي لأمته وكان هذا في زمان الصحابة والخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد منهم مع أنه لو كان شركا لأنكروه إذ لا يقرون على باطل ولا سيما الكفر.

ومنها الأحاديث الواردة في زيارة القبور فإن في كثير منها النداء والخطاب للأموات كقوله (صلى الله عليه وسلم): “عليكم يا أهل القبور وقوله السلام عليكم أهل الديار من المسلمين وإن شاء الله بكم لاحقون” ففي ذلك النداء وخطاب وهي أحاديث كثيرة مر بعضها فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها.

وروى أبو نعيم في الحلية وحماد بن زيدان ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما) لما كان يأتي الحجرة للسلام على النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى أبي بكر وعلى أبيه عمر (رضي الله تعالى عنهما) يقول بعد ذلك عند الانصراف يا أبتاه كما في شرح الإحياء للسيد مرتضى وذكر ابن الأثير وغيره أن السيدة زينب بنت البتول (رضي الله تعالى عنهما) لما مرت بمصرع الحسين (رضي الله تعالى عنه) صاحت يا محمداه صلى الله عليك ملائكة السماء هذا الحسين بالعراء مرمل بالدماء والقصة شهيرة متواترة.

وقد قدمنا: أن السلف والخلف من أهل المذاهب الأربعة استحبوا لزائره (صلى الله عليه وسلم) أن يقول تجاه القبر الشريف يا رسول الله إني جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي وقد جاءت صورة النداء والخطاب أيضا في التشهد الذي يقرأه الإنسان في كل صلاة.

حيث يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وصحح عن بلال بن الحارث الصحابي المتقدم ذكره (رضي الله تعالى عنه) أنه ذبح شاة عام القحط المسمى عام الرمادة فوجدها هزيلة فصار يقول وا محمداه وامحمداه وصح أيضا أن أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) لما قاتلوا مسيلمة الكذاب كان شعارهم: وا محمداه وا محمداه.

وفي الشفا للقاضي عياض أن عبد الله بن عمر (رضي الله تعالى عنهما) خدرت رجله مرة فقيل له أذكر أحب الناس إليك فقال وامحمداه فانطلقت رجله ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة عن أبي سعيد الخدري (رضي الله تعالى عنه) بلفظ كنت أمشي مع ابن عمر فخدرت رجله فجلس فقال له رجل أذكر أحب الناس إليك فقال: يا محمداه فقام فمشى.

وأخرجه أيضا الهيثم فمنه وأمثاله يعلم جواز نداء غير الله تعالى بل وجواز نداء الميت قريبا كان منه أو بعيدا عنه ومن أدلة جواز نداء الغائب نداء سيدنا عمر (رضي الله تعالى عنه) وهو يخطب على منبر المدينة لسارية (رضي الله تعالى عنه) وهو غائب في بلاد العجم كما مر وقد جاء الخطاب والنداء للجمادات في أحاديث كثيرة أيضا.

منها ما رواه أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمر (رضي الله تعالى عنهما) قال كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا سافر فأقبل اليل قال يا أرض ربي وربك الله أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما يدب عليك أعوذ بالله من أسد وأسود ومن الحلية والعقرب ومن شر ساكن البلد ووالد وما ولد.

وذكر الفقهاء أنه يسن للمسافر الإتيان بهذا الدعاء عند إقبال اليل فهذا فيه كما ترى النداء والخطاب لجماد ولا كفر ولا شراك فيه معاذ الله إذ ليس فيه اعتقاد ألوهية أو استحقاق عبادة أو اعتقاد تأثير لغير الله تعالى وقد ذكر الفقهاء أيضا في آداب السفرات المسافر إذا انفلتت دابته بأرض ليس بها أنيس فيقل يا عباد الله احبسوا وإذا ضل شيئا أو أراد عونا فليقل يا عباد الله أعينوني أو أغيثوني فإن لله عبادا لا تراهم.

واستدل الفقهاء على ذلك بما رواه ابن السني والحاكم في صحيحه وأبو عوانة والبزار بسند صحيح عن عبد الله ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد يا عباد الله احبسوا فإن لله عبادا يجيبونه.

وفي رواية فإن لله حاضرا يحبسه وقد ذكر هذا الحديث ابن القيم في الكلم الطيب والنووي في الأذكار وابن الجزري في الحصن وغيرهم ممن لا يحصي من المحدثين.

ففيه نداء وطلب نفع أي التسبب في ذلك من عباد الله الذين لم يشاهدهم فلو كان النداء والطلب من غير الله تعالى عبادة كما زعمه الجهلا للزم من هذا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر أمته بالشرك وذلك لا يعقل.

وفي حديث آخر رواه الطبراني أنه (صلى الله عليه وسلم) قال إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد عونا وهو بأريض ليس فيها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني وفي رواية أغيثوني فإن لله عبادا لا ترونهم قال العلامة المحقق في حاشية المناسك بعد ذكره وهو مجرب كما قاله الراوي للحديث المذكور انتهى.

وقال الشيخ علي القاري وذلك مجرب محقق قال بعض العلماء الثقات حديث حسن يحتاج إليه المسافرون وروى المشايخ أنه مجرب قرن به النجح ذكره ميرك الحنفي انتهى.

وقال بعض المحققين ذكر هذا أئمة الحديث في كتبهم إشاعة للعلم وحفظا للأمة ولم ينكره منهم الحافظ الجزري في الحصن والعدة والنووي في الأذكار وابن القيم في الكلم الطيب وابن مفلح في الآداب الشرعية.

ثم قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول حججت خمس حجج فضللت الطريق وكنت ماشيا فجعلت أقول: يا عباد الله دلونا على الطريق فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق.

وقال الإمام النووي في الأذكار وقد جرب ذلك بعض أهل العلم فصح ونحن جربناه فصح فكيف جاز للعلماء الأكبار خصوصا مثل الإمام أحمد أن يطلب من غير الله وهو غائب الدلالة على الطريق من غير أن يراهم ويدلونه وكذلك طلب الإعانة مع أن الدلالة أمر قلبي إذا لم يظهر الدال كيف يهتدي للدلالة.

وكذلك الإعانة بل كيف يعلم النبي أمته أن يطلبوا العون والدلالة من غير الله تعالى وهو سبحانه أقرب من عباده وأن ينادوا للعباد ويتركوا القادر الذي بيده كل شيء ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) أعرف بالله من جميع خلقه يعلم أن الله تعالى يجري الأشياء بحسب العوائد ولهذا ترى العبد يطلب من الله تعالى الشيء سنين فلا يعطيه إياه حتى يسببه على يد مخلوقه.

وهذا كثير جدا لأنه تعالى ربط الأسباب بالمسباب لحكمة هو يعلمها.

فإن قيل: إن هذا الحديث وأمثاله فيه الطلب من الملائكة والجن أو رجال الغيب وهم أحياء قادرون.

قلنا: أولا المانع لا يجوز نداء الغائب مطلقا وثانيا إن قال هؤلاء أحباء قادرون فيطلب منهم أجبنا بأن هذا تحكم من الأموات من الأنبياء والأولياء بل وكل مؤمن أيضا لهم قدرة من الله تعالى بدعاء أوكرامة أو شفاعة أو نحو ذلك.

ثم ما يدريك أن هذا الغائب شيطان أو جني أو ولي فكيف ثبت لمجهول لا يرى ولا يعرف وينفي عن معروف محقق فافهم إفادة الشيخ داود.

وروى الترمذي عن عبد الله بن عمر (رضي الله تعالى عنهما) والدارمي عن طلحة بن عبيد الله (رضي الله تعالى عنه) أنه (صلى الله عليه وسلم) كان إذا رأى الهلال قال ربي وربك الله ففيه خطاب للجماد وصح أنه لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أقبل أبو بكر (رضي الله تعالى عنه) حين بلغه الخبر فدخل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكشف عن وجهه.

ثم أكب عليه فقلبه ثم بكى وقال بأبي وأمي طبت حيا وميتا اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن من بالك وفي رواية للإمام أحمد فقبل جبهته ثم قال وانبياه ثم قبلها ثانيا وقال واصغياه ثم قبله ثالثا وقال واخليلاه ففي ذلك نداء وخطاب له (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته.

ولما تحقق عمر (رضي الله تعالى عنه) وفاته (صلى الله عليه وسلم) بقول أبي بكر (رضي الله تعالى عنه) وهو يبكي بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه فلما كثروا اتخذت منيرا لتسمعهم حن الجذع لفراقك حتى جعلت يدك على فسكن فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسی بأبي أنت وأمي یا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد اتبعك في قصر عمرك ما لم يتبع نوحا في كبر سنه و طول عمره فانظر إلى هذه الألفاظ التي تطق بها عمر (رضي الله تعالى عنه) فقد تعدد فيها النداء له (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته وقد رواها كثير من أئمة الحديث وذكرها القاضي عياض في الشفا والقسطلاني في المواهب والغزالي في الإحياء وابن الحاج في المدخل فيبطل بها وبغيرها من الأدلة قول المانعين للنداء مطلقا المدعين أن كل نداء وكل دعاء عبادة.

وروى البخاري عن أنس (رضي الله تعالى عنه) أن فاطمة (رضي الله تعالى عنهما) بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالت: لما توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يا أبتاه أجاب رب دعاه يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.

وفي رواية إلى جبریل نعاه والنعي هو الإخبار بالموت أو التغزية وهو الأنسب هنا كما قاله ملا علي قاري ففي هذا الحديث أيضا نداؤه (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته ورثته عمته صفية (رضي الله تعالى عنها) بمرات كثيرة قالت في مطلع

قصيدة منها: ألا يا رسول الله كنت رجاءنا وكنا بنا برا ولم تك جافيا ففي هذا البيت أيضا نداؤه (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته.

ولم ينكر عليها ذلك أحد من الصحابة مع حضورهم وسماعهم له كما قدمناه ومما جاء من النداء للميت التلقين له بعد الدفن.

وقد ذكره كثير من الفقهاء واستندوا في ذلك إلى حديث الطبراني عن أبي إمامه (رضي الله تعالى عنه) واعتضد بشواهد كثيرة وصورته أن يقول للميت عند قبره بعد دفنه يا عبد الله ابن أمة الله أذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله.

وأن الجنة حق وأن النار حق أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور قل رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد (صلى الله عليه وسلم) نبيا وبالكعبة قبلة وبالمسلمين إخوانا ربي الله لا إله إلا الله هو رب العرش العظيم، ففي هذا التلقين الخطاب والنداء للميت فكيف يمنعون النداء للمخلوق مطلقا ومن النداء للميت أيضا ما جاء في الحديث المشهور حيث نادى النبي (صلى الله عليه وسلم) كفار قريش المقتولين يوم بدر بعد القائهم في القليب رواه البخاري ومسلم في صحيحهما وأصحاب السنن.

وذكروا فيه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ويقول أيسر كم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا كما مر وقد قدما أيضا ما صح عن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) من ندائه وهو يخطب لسارية (رضي الله تعالى عنه) فهذا نداء لغائب عد من كراماته الباهرة للعقول.

وأما ما جاء من الآثار عن الأئمة الأخيار والعلماء الأخيار والأولياء الكبار مما يدل على جواز ذلك النداء والخطاب لغير الله تعالى فشئ كثير جدا تنقضي دون نقله الأعمار ومضى على ذلك القرون والأعصار ولا وقع منهم إنكار فكيف يجوز الإقدام على تكفير المسلمين بشئ قام ثبوته بالبراهين.

وأما الدعاء هو مخ العبادة كما في الحديث الشريف فهو دعاء الله تعالى لأن الداعي عارف أن الله سبحانه وتعالى هو الرب المالك لجميع الأشياء فالدعاء له بالتضرع والخضوع والاعتراف بذل العبودية وله تعالى بغير الربوبية كيف لا يكون عبادة.

وأما لو نادى المسلم غيره تعالى وطلب منه شيئا فهو يعتقد أنه عبد مثله عاجز عن مصالح نفسه أصلا عن مصالح غيره ولكنه تعالى سبب الأسباب وأجرى سنته بأن بعض الأمور يكون سببا في بعضها الآخر وهو المسبب والمعطي والمانع فالناس يسألون بعضهم بعضا ويطلبون منهم ويرجوهم ويخافوهم على طريق السبب لا على أنهم أرباب أو يفعلون بالاستقلال.

ويدل على أن الدعاء الذي هو مخ العبادة إنما هو دعاء الله تعالى فقط ما ورد في الحديث الآخر دعاء الله من العبادة انتهى.

فأين الدليل من كلام الله أو كلام رسوله على من نادى أحدا وطلب منه الشفاعة يكون كافرا ولابد من دليل خاص بهذه الصورة ولا يمكن أن يوجد له حكاية ضعيفة فضلا عن حديث أو آية شريفة مع أن أولئك الخوارج قد يذكرون الكفار ويمدحونهم ويجادلون عنهم بالباطل ويقولون أنهم كانوا على عبادة ولكن بسبب أنهم اعتقدوا في الأنبياء والصالحين كفروا كأنهم ما جرى منهم غير ذلك مع أن القرآن مملوء بالأشياء التي كفروا بها كإنكارهم البعث وتكذيبهم الأنبياء وادعائهم أن الله تعالى ولدا وصاحبه وعبادتهم الأصنام إلى غير ذلك.

فيظهر من حال هولاء الخوارج أن المشركين الأولين لو لم يعتقدوا الأنبياء والصالحين ويشركوا بهم ويرجونهم الشفاعة بل كانوا عادوهم وسبوهم ولم يؤمنوا بهم وأنكروا البعث وكذبوا القرآن والأنبياء ما كان يضرهم شئ بل يكونون مؤمنين وإن اعتقادهم في الأنبياء والصالحين وطلب الشفاعة منهم هما وحدهما اللذان کفروا بهما فقاتل الله الخوارج ما أجهلهم.

وما أسوأ ظنوهم بالمسلمين لكن قد صح في الحديث الشريف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في حقهم أنهم يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان فهذه من علاماتهم فأهل الأوثان إخوانهم وأحبابهم والمرء من أحب وأما جعلهم التوحيد نوعين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية فباطل أيضا لأن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية ألا ترى إلى قوله: (ألست بربكم قالوا)[1].

ولم يقل: ألست بالإلهكم فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية فقد أقر له بالألوهية إذ ليس الرب غير الإله بل هو الإله بعينه.

وفي الحديث أن الملكان يسألان العبد في قبره فيقولان له من ربك ولم يقولا له من إلهك فدل على أن توحيد الربوبية هو توحيد الألوهية ومن العجب أن هؤلاء القوم يأتيهم المسلم فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله فيقولون له أنت لم تعرف التوحيد وتوحيدك هذا توحید الربوبية.

وما عرفت توحيد الألوهية فيستحلون دمه وماله بالتلبيسات الباطلة وهو للكافر توحید صحيح فإنه لو كان للكافر توحید صحيح لأخرجه من النار إذ لا يبقى فيها موحد كما ثبت في الصحيحين وغيرهما فهل سمعتم أيها المسلمون في الأحاديث والسير أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان إذا قدمت عليه أجلاف العرب يسلموا على يده يفصل لهم توحيد الربوبية والألوهية ويخبرهم أن توحيد الألوهية هو الذي يدخلهم في دين الإسلام أن يكتفي منهم مجرد الشهادتين وظاهر اللفظ ويحكم بإسلامهم.

فما هذا إلا افتراء وزور على الله ورسوله فإن من وحد الرب فقد وحد الإله ومن أشرك بالرب فقد أشرك بالإله فليس للمسلمين إله غير الرب سبحانه وتعالى فإذا قالوا لا إله إلا الله فإنما يعتقدون أنه هو ربهم فينفون الألوهية عن غيره كما ينفون الربوبية عن غيره أيضا ويثبتون له الوحدانية في ذاته وصفاته وأفعاله والذي أوقع المشركين في الشرك والكفر ليس مجرد قولهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى كما زعم ذلك القائل.

بل هو اعتقادهم أن غير الله تعالى قد يكون إلها أو يستحق العبادة بدليل قوله تعالى: (وكانوا بعبادتهم كافرين)[2] وقوله: (واتخذوا من دون الله ءالهة لعلهم ينصرون) [3] وإن كانوا يعتقدون أن الخالق والموثر هو الله تعالى فلما اعتقدوا ألوهية غير الله تعالى أو استحقاقه العبادة وعظموه بما يعظم به الله تعالى وأقيمت عليهم الحجة بأنه لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا ولا يخلقون شيئا وهم يخلقون قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).

فاعتقاد الألوهية واستحقاق العبادة لغيره تعالى هو الذي أوقعهم في الشرك ولم ينفعهم اعتقادهم أن الخالق والمؤثر هو الله تعالى مع وجود اعتقادهم ألوهية غير الله تعالى واستحقاقه العبادة وتقدم عن العلامة الخفاجي أن مشركي العرب يخصون الخالقية بالله تعالى بدليل قوله تعالى: (ولئن سألأتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) [4].

وأنهم إنما أشركوا الأصنام معه في العبادة فلذا أمروا بالعبادة للواحد لا غير أي فجاءهم الكفر من جهة اعتقادهم استحقاق العبادة لغير الله تعالى واتخاذه ربا من دون الله وأما المسلمون فإنهم بحمد الله تعالى بريئون من ذلك إذ لا يعتقدون شيئا يستحق الألوهية والعبادة غير الله تعالى فهذا هو الفرق بين الحالين.

وأما هؤلاء الجاهلون المكفرون للمسلمين فإنهم لا يعرفوا الفرق بين الحالين تخبطوا وقالوا إن التوحيد نوعان: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. وتوصلوا بذلك إلى تكفير المسلمين عاملهم الله بما يستحقون فتأمل فيما تقدم من النصوص يتضح لك الحال إن شاء الله تعالى وتعلم علم اليقين أن ما عليه السواد الأعظم من المسلمين هو الحق الذي لا محيص عنه أبدا.

والله سبحانه وتعالى الموفق فضلا منه وكرما وقال الشيخ داود في الجواب عن قولهم: أن التوحيد نوعان إلى آخر ما مر أن هذه الشبهة هي التي غر بها إبليس هؤلاء وأشباههم فإذا رأيت جوابها سقطت وتبين المؤمن من الكافر والموحد من المشرك.

فاعلم أن الكفار كانوا مشركين بالله تعالى أصنامهم في الربوبية والعبادة كما دل على ذلك الآيات والأحاديث والآثار وأقوال أئمة التفسير ومع شركهم وكفرهم وجحودهم لله تعالى اتخذوا له صاحبه أي زوجة وولد تعالى الله عن ذلك.

ومع كل هذا فقد کفروا بالأنبياء والقرآن وبالخوارق الدالة علی صدقهم فمن قال أن الكفار كانوا يوحدون الله توحيد الربوبية أخذا من ظاهر بعض الآيات فقد أخطأ وما أصاب ولا تدبر السنة ولا الكتاب فإن الربوبية والألوهية متلازمان الرب والإله معناهما ومفادهما واحد لأن الذي يستحق أن يعبد لابد وأن يكون ربا والكفار لجهلهم بالله أشركوا معه غيره في الربوبية فأعطوه العبادة بناء على أنه رب وسأتلو عليك من الآيات والذكر الحكيم ما يتضح لك به الأمر.

ويتبين منه أصل هذا التلبيس الذي لبسته المبتدعة والخوارج حتى نزلوا الآيات النازلة في خصوص الكفار المشركين في الربوبية مع العبودية على المؤمنين الموحدين في الربوبية والعبودية فأما قول الخوارج المارقين من الدين أن الكفار كانوا يعبدون الله تعالى فكذب ترده الأدلة.

قال الله تعالى: (أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) [5].

فلو كانوا عاملين لله لم يخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك.

وقال تعالى: (قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون) [6] إلى آخر الآيات.

وقال سبحانه: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا) [7].

وقال تعالى: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) [8].

وقال تعالى: (وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي) [9].

وقال تعالى: (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [10].

وقال تعالى: (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض) [11].

نعم كان الكفار إذا وقعوا في الشدائد دعوا الله متضرعين إليه مخلصين له  العبودية ومقرين له بالربوبية ثم إذا خرجوا من الشدة عادوا إلى شركهم في الربوبية والعبادة.

ولا يصح تمسك الخوارج بظاهر نحو قوله تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) [12] لأنهم ما عرفوه ولا وحدوه وحقيقة بل أشركوا معه تعالى غيره كالأصنام فجعلوها أربابا.

بدليل قوله تعالى : (وهم يجادلون في الله) [13].

وقوله سبحانه: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) [14].

فلم ستقسم إقرارهم له تعالى بالربوبية قال تعالى: (وإذا رءا الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك) [15].

أي ندعوهم أربابا وقال تعالى: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون) [16] إلى قوله: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون، ولد الله وإنهم لكاذبون) [17] الآية.

والدليل على أن الإله والرب واحد القرآن والسنة قال الله تعالى: (ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) [18].

وقال تعالى مخبرا عن فرعون: (فقال أنا ربكم الأعلى) [19].

 في الآية الأخرى: (لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين) [20].

وقال تعالى: (لكنا هو الله ربي) [21].

وفي البخاري ومسند أحمد وغيرهما حديث الدجال وفيه فيقول لهم ألست بربكم ألست أحيي وأميت وفي البخاري أن العبد إذا قال اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني إلى آخره يقول الله تعالى: (علم عبدي أن ليس له رب غيري).

إلى غير ذلك من الأحاديث وأدل دليل على أن شرك الكفار إنما هو في الربوبية أن الميت يسأل في قبره عن الربوبية فيقول له الملكان من ربك الحديث والحاصل أن القرآن والسنة الشريفين مملوآن من تسمية الرب إلها والإله ربا فهما بمعنى واحد.

ويدل على هذا أن كلمة لا إله إلا الله هي توحيد الربوبية والألوهية ولو كانت توحيد الألوهية فقط كما يدعون لاقتضى أن توحيد الربوبية كلمة أخرى ير هذه ولا قائل بذلك وقد ذكر الإمام السنوسي أن هذه الكلمة الشريفة للتوحيدين وأن الإله رب وهو المعبود لتلازمهما كما قدمنا انتهى باختصار.

___________________________________________

[1] . سورة الأعراف آية رقم 172.

[2] . سورة الأحقاف آية رقم 6.

[3] . سورة يس آية رقم 74.

[4] . سورة العنكبوت أية رقم 61.

[5] . سورة يونس آية رقم 41.

[6] . سورة الكافرون آية رقم 1.

[7] . سورة الفرقان آية رقم 60.

[8] . سورة الصافات آية رقم 35.

[9] . سورة الرعد آية رقم 30.

[10] . سورة فصلت آية رقم 37.

[11] . سورة النمل آية رقم 25.

[12] . سورة العنكبوت آية رقم 61.

[13] . سورة الرعد آية رقم 13.

[14] . سورة الأنعام آية رقم 108.

[15] . سورة النحل آية رقم 86.

[16] . سورة الصافات آية رقم 149.

[17] . سورة الصافات آية رقم 151، 152.

[18] . سورة يوسف آية رقم 39.

[19] . سورة النازعات آية رقم 24.

[20] . سورة الشعراء آية رقم 28.

[21] . سورة الكهف آية رقم 38.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد