ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 12 فبراير 2019 زيارة: 29

أفغانستان ولقاء السلفيين

(غير مصنفة)

الأمر استغرق حتى أوائل الثمانينيات كي تتحقَّق عملية الربط الثانية والأكثر خطورة التي تمَّت على الأرض التي شهدت حرب أفغانستان ضد السوفيات “الشيوعيين الكفار”, ما أطلق موجات “جهادية” إسلامية تمَّت برعاية أميركية ومباركة بل مشاركة وتمويل من دول إسلامية عديدة كانت السعودية محوراً مركزياً فيها. الربط الأكثر خطورة، إذاً، تمَّ في إطار الجهاد الأفغاني وفي الجو نفسه الذي نشر فيه أبو الأعلى المودودي عقيدته عبر المدارس الدينية التي ترعرعت فيها حركة طالبان داخل بلاده باكستان. من هذا الربط المزدوج نشأ حكم طالبان في أفغانستان، وجاء إعلان الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين وتنظيم القاعدة, ترجمة واضحة لعقيدة “الولاء والبراء” الممزوجة بالتنظير القطبي-التكفيري. وقد تمثل هذا التيار الجديد بالسلفي الوهابي السعودي أسامة بن لادن، والأصولي القطبي المصري أيمن الظواهري، وقبله بعبد الله عزام الإخواني الفلسطيني الذي تأثَّر به أسامة بن لادن كثيراً وكان له تأثير مميَّز على كل “الأفغان العرب”, في تحالف يمثل بشكل لافت امتزاج تيارين على “أرض الجهاد” العام 1998, وهي جبهة أعلنت ان الخطر الداهم على الإسلام ليس في الأنظمة القريبة، وإنما في التحالف الصهيوني – الأميركي, وأن الفريضة الراهنة هي المواجهة مع أميركا واليهود وحلفائهما، وليست المواجهة مع الحكام.

وقد أطلق وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبد العزيز تصريحات مثيرة في هذا الصدد، أثارت تداعيات ونقاشاً واسعاً في الأوساط السعودية، إذ أعلن مسؤولية الإخوان المسلمين عن معظم ما يعانيه العالم الإسلامي من عنف وتطرُّف، قائلاً إن الإخوان هم أصل البلاء ومصدر كل المشكلات، وأنهم تآمروا على المملكة وكانوا ناكري جميل بعدما وفَّرت لهم المأوى والملاذ(5). كذلك، وبعد تصاعد أعمال العنف داخل المملكة، صرَّح المستشار القضائي بوزارة العدل وعضو مجلس الشورى الشيخ عبد المحسن العبيكان بأن فكر الأخوان المسلمين هو السبب في نشوء عدد من الجماعات المسلحة والإرهابية في عدد من الدول العربية ومنها السعودية، معتبراً ان تركيز الجماعة على الفكر السياسي وإهماله الدعوة وتوعية المنتسبين إليه دينياً هو أصل البلاء. كذلك يقول العبيكان إن الحكم بالقوانين والأنظمة الوضعية غير مخرج من الملة ولا يكفِّر من يعمل به، شريطة أن لا يعتقد بأنه أحسن أو أفضل من حكم الله، معتبراً أن فكرة الحاكمية تعود بجذورها إلى فكر الخوارج(6). ويعبر الأمير نايف والشيخ العبيكان عن التيار السلفي المدرسي ويتلمَّسان خطورة المزاوجة بين هذا التيار وأفكار المدرسة الإخوانية بصيغتها القطبية. وقد وصلت السلفية الجهادية في صياغتها الجديدة إثر التفاعل بين التيارين الوهابي والسلفي والقطبي والإخواني إلى معادلة تمثل “مثلث الصراع” النظري المعرفي والعملي الجهادي وهي: كفرانية النظم، وجاهلية المجتمع، والجهاد سبيلاً للتغيير. ولتأصيل هذا المثلث عمد منظِّروها إلى توجيه المباحث الكلامية القديمة كافة توجيهاً عملياً من خلال توظيف المرجعيات العقائدية والفقهية كافة لإقامة برهانهم النقلي والعقلي على ذلك وفق آليات التأصيل الإسلامي المعروفة.

أ- كفرانية النُظـــم

أصدر أيمن الظواهري كتابه: الولاء والبراء، عقيدة منقولة وواقع مفقودالذي يعتبر فيه أن معاداة الكافرين، التي هي ركن الإيمان بالله، لا تتم إلا بالكفر بالطاغوت، وأن التفريط في هذا الركن هو الثغرة التي ينفذ منها أعداء الإسلام، رافضاً الدعوات الرامية إلى إخلاء الميدان أمام أعداء الأمة المسلمة، مؤكداً أن “أي مسلم حريص على انتصار الإسلام لا يمكن أن يقبل أي نداء لإيقاف الجهاد أو تعطيله… ومن أعظم صور الجهاد العيني في هذا الزمان جهاد الحكام المرتدين الحاكمين بغير شريعة الإسلام الموالين لليهود والنصارى”(7). وكان سبق هذا الكتاب ما نشره أيضا تحت عنوان:”بيان كفر الحكام الحاكمين بغير شريعة الإسلام ووجوب جهادهم”، وكتاب آخر بعنوان “الحوار مع الطواغيت مقبرة الدعوة والدعاةويقول فيه ما نصه: “أما كونهم كفارًا أو مرتدين فلقوله تعالى:ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون“، وذلك لأن ما يفعله هؤلاء الحكام هو نفسه صورة الآية وسبب نزولها، وهو تعطيل حكم الشريعة الإلهية واختراع حكم جديد وجعله تشريعاً ملزماً الناس”. ويستشهد لتدعيم وجهة نظره بتفسير ابن كثير لآية: “أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنونالذي يعتبر أهل الجاهلية هم الذين يحكمون بالضلالات” بما يضعونه بآرائهم وأهوائهم, وكما كان يحكم به التتار من السياسات المحلية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق …. فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله”(8), وهي خلاصة الفتوى التي خرج بها ابن تيمية وتبناها كل الأصوليين والسلفيين في ما بعد.

ب- جاهلية المجتمعات

هو مفهوم تأسيسي يستخدم للحكم على نموذج الدول الإسلامية القائمة في عالم اليوم. ومفهوم جاهلية المجتمعات عند السلفية الجهادية دخل في المنظومة العقدية والفقهية كحكم شرعي يرمى به الأفراد والجماعات فضلاً عن المجتمعات والدول، بل العصر والحياة. وإذا كان المودودي أول من استخدم هذا المصطلح، وسيد قطب أول من وظَّفه في منظومة فكرية متكاملة، فإن التيار السلفي الجهادي قد قام بتأصيل هذا المفهوم عملانياً، وإن كان بعض رموزه يتردد في إطلاق وصف الجاهلية على عموم المجتمع، لكنه عملياً يخلص إلى نتيجة أخطر من حيث تحميل الناس واجب “البراءة من الحكام الكافرين وأعوانهم، والبراءة من قوانينهم الوضعية بما فيها الاشتراكية والديموقراطية وسائر كفرهم، وإظهار العداوة لهم، وهذا يكون بكشف كفرهم للناس وتسفيه رأيهم ودينهم الكفري، وحضّ الناس على عداوتهم وكراهيتهم وقتالهم حتى يكون الدين كله لله”. وكل ما تقدَّم لا يصح به القلب أو الخفاء، بل يجب أن يكون ظاهراً معلنًا، وإلا فقد ناقض التوحيد، وهو ما تذهب إليه جماعة الجهاد المصرية وزعيمها أيمن الظواهري الذي أصدر كتاباً يرد على الشيخ ناصر الألباني أحد أبرز علماء السلفية المدرسية الوهابية وأسماه “الرد على شبهة خطيرة للشيخ الألباني بشأن السكوت عن الحكام المرتدين”.

الجهاد المسلح سبيل التغيير

إعلان جاهلية المجتمعات المعاصرة كان المقدمة في مسألة التكفير الذي طال الحكام، وكفرانية النظم كانت نقطة الانطلاق في التنظير الشرعي عند هؤلاء لخلع هؤلاء الحكام وتغيير أنظمتهم، وهذا الخلع والتغيير وفق فقه السلفية الجهادية لا يكونان إلا قتالاً. أسس لهذا الاجتهاد سيد قطب في “معالم في الطريق”، مدشّناً نهج الخروج على الحكام “أولي الأمر” مخالفاً بذلك ما عليه السلفية التاريخية والوهابية في موقفها التقليدي الداعي إلى وحدة الجماعة الإسلامية وإنكارها الخروج على الجماعة وأولي الأمر. مع السلفية الجهادية تضخم مبحث موجبات التكفير على المباحث الأخرى التي قد تطال، ضمن التنظير الفقهي، مسائل السلطة، ومنها مباحث الغصب والظلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة، لأنها مباحث لا تفضي في أحكامها إلى التكفير الموجب للخروج المسلح على الحاكم، بل تبقى أحكامها في دائرة “التعزير باعتبارها معاصي وآثام”.

ومن أبرز المنظِّرين للتيار السلفي الجهادي أيضاً أبو محمد المقدسي (عصام البرقاوي) الذي كان من أبرز تلاميذه في الأردن أحمد فضل نزال الخلايلة المتحدر من قبيلة بني حسن إحدى أكبر القبائل الأردنية، وهو الذي سيعرفه العالم لاحقاً باسم “أبو مصعب الزرقاوي” . اعتقل المقدسي في الأردن أكثر من مرة، لكنه استطاع من داخل السجن أن ينشر أفكاره. وخرج الزرقاوي إلى ساحات “الجهاد” من دون إذن معلمه المقدسي الذي كان يحبذ الانتظار حتى تقوى شوكة التيار، لكن الزرقاوي مع مطلع العام 2000 نجح في استقطاب غالبية المجموعات، وما يزال المقدسي يتحفظ في الحديث عن تلميذه الزرقاوي، وإن كان على سبيل المناصحة لم يوافقه على فتوى قتل الشيعة باعتبارهم من العوام، فضلاً عن المغالاة في التكفير بعد تأسيسه “قاعدة الرافدين” وتكليفه بذلك من أسامة بن لادن. تميَّز المقدسي بغزارة إنتاجه الفكري ما جعله أحد البارزين والمنظِّرين في التيار الجهادي, ففي كتابيه “ملّة إبراهيم” و”هذه عقيدتنا” تناول أساس فلسفة التوحيد التي تقضي بالإيمان بالله وحده، ورفض أي قانون وضعي أو نظام سياسي لا يحكم بالشريعة ومحاربتهما. وهو ما يبرز في كتابه “الديموقراطية دين” الذي يحمل فيه على النظام الديموقراطي، ويرفض قبول المبدأ الإصلاحي الذي يتبنَّاه الإخوان المسلمون الذين يلقِّبهم بـ “الإخوان الملتحين”، معتبراً قولهم بالانتخابات ترشيحاً واقتراعاً بمنزلة “الكفر الصراح” ويرفض منطقهم في الإصلاح من داخل النظام بل ويعتبرهم مرجئة العصر، ونقدهم نقداً عنيفاً في أكثر من رسالة له ومنها “إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر”. كما يتبنَّى أبو محمد المقدسي فكرة “المفاصلة” التي نظر لها سيد قطب في “معالم في الطريق” ويقصد بها القطيعة الكاملة مع “أنظمة الكفر”، لكنه يمزجها بالمضمون السلفي من خلال عقيدة الولاء والبراء، ويكتب في هذا المجال كيف توالي وكيف تتبرأ. وعن قتال الطاغوت، أي الحاكم بغير شرع الله، يقول إنه يشمل أيضاً أنصار الطاغوت من عناصر الجيش والأجهزة الأمنية وحتى موظفي الحكومة الذين يعملون في وزارات الدول الكافرة التي لا تحكم بشريعة الإسلام باعتبارهم “جميعاً على كفر” ولو كانوا بالهوية مسلمين(9).

إضطلع عمر محمود عثمان أبو عمر المعروف باسم “أبو قتادة الفلسطيني” بدور هام في الدعوة لهذا التيار. وهو انتسب في بداية حياته إلى جماعة التبليغ والدعوة، ثم نشط في الاتجاه الفكري السلفي في الأردن, وتقرَّب من الشيخ السلفي الشهير ناصر الدين الألباني، ثم ما لبث أن اختلف معه لتمسكه بالسلفية المدرسية. أسس بعد ذلك حركة “أهل السنة والجماعة”، سافر بعدها إلى أفغانستان، ثم استقر في بريطانيا لاجئاً العام 1995، وهناك لمع نجمه كمنظِّر سلفي جهادي وداعية حركي لعدد من الجماعات الإسلامية المقاتلة، وتحوَّل مفتياً ومفكراً لها، ولا سيما منها تلك التي في شمال أفريقيا, كالجماعة الإسلامية في كلٍ من الجزائر وليبيا. وأشرف على عدة مجلات منها “الفجر” و”المنهاج”، وهو متهم بأنه الملهم الروحي لهجمات 11 أيلول /سبتمبر 2001. فقد عثر على 18 تسجيلاً لخطبه في شقة في هامبورغ كان يقطنها ثلاثة من منفذي تلك الهجمات. وأثارت فتاواه جدلاً واسعاً في الجزائر، وقد أبيح بسببها الكثير من سفك الدماء, واستغلتها الجماعات السلفية المقاتلة لتصفية المخالفين لها. اعتقل في بريطانيا بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر ثم أطلق ووضع في الإقامة الجبرية، وهو مطلوب لدى السلطات الأردنية في أكثر من قضية، أبرزها الانتماء إلى تنظيم “الإصلاح والتحدي” في قضية اتهم فيها عصام البرقاوي “أبو محمد المقدسي”(10).

إن ما يميِّز السلفية الجهادية عن غيرها من السلفيات, ليس إعلانها جاهلية المجتمعات المعاصرة كلها، وليس ادعاءها كفرانية النظم التي لا تحكم بما أنزل الله، بل إعلانها الصريح أن الجهاد المسلح سبيل أوحد للتغيير. لذلك هي ترفض أي طريق آخر لإقامة نظام الخلافة الإسلامية، كالدخول في البرلمانات أو التربية والتثقيف والثورة الجماهيرية السلمية أو إشاعة الوعي الإسلامي. هذا المنهج القتالي المسلَّح كما تقرِّره غالبية رموز هذا التيار “لا حيدة عنه إلى الوسائل السلمية الأخرى لأنه حكم شرعي وقع بالنص والإجماع” كما يعبر عبد القادر بن عبد العزيز أحد أبرز منظري هذا التيار في كتابه “العمدة في إعداد العدة”، ويعتبر “أن من اجتهد مع وجود النص والإجماع في هذا المورد فقد ضل ضلالاً مبيناً، كمن يسعى لتطبيق حكم الإسلام عن طريق البرلمانات الشركيه ونحو ذلك. من قال إن العجز يمنعه عن الخروج عليهم، فنقول له إن الواجب عند العجز هو الإعداد لا مشاركتهم في برلماناتهم الشركية، فإن تحقَّق العجز وجبت الهجرة. والديموقراطية تجعل  السيادة للشعب بمعنى أن رأي أغلبية نواب الشعب هو الشرع الملزم للأمة. وهذا هو الكفر المذكور في قوله تعالى: “ولا يتخذ بعضكم بعضاً أرباباً من دون الله”. فأعضاء هذه البرلمانات هم الأرباب في الآية السابقة وهذا هو عين الكفر، فمن جلس معهم وشهد كفرهم فهو مثلهم في الكفر.

السلفية الملتبسة : “فتح الإسلام” نموذجاً  

يتميَّز التيار السلفي الجهادي بذلك الكم الهائل من الإنتاج النظري والمنتشر بكثافة ملحوظة على مواقع الإنترنت والتي يسهل الوصول اليها من قبل الشبان المسلمين، وبالتالي أصبح هذا الفكر في متناول قطاعات واسعة من الناس وهو يركز على:

  •  شمولية الإسلام بكونه عقيدة وشريعة ونظام حياة لا تقبل التأويل، بغض النظر عن الزمان والمكان والبيئة والظروف.
  • الولاء للعقيدة وللإسلام وليس للمسلمين أو للوطن أو لأية أفكار بشرية كالاشتراكية والليبرالية والفردية والعلمانية وغيرها .
  • البراءة من الآخر المتمثل بما يسمّى أنظمة الكفر السائدة في العالم الإسلامي وفي الغرب؟
  • إعلان الجهاد ضد الطواغيت والكفار، واعتبار هذا الجهاد “فريضة عين” على كل مسلم ومسلمة يؤثم تركه، وهو لا يحتاج إلى موافقة ولي أمر قريب أو بعيد.
  • إباحة استخدام كل وسائل العنف، بما فيها العمليات الاستشهادية لقتل العدو والتنكيل به، وعدم التمييز بين المدنيين والراضين والموافقين أو الساكتين عن حكامهم الكفرة.

والواقع أن هذه الطروحات تتغذى من روح التديّن التي تسود المجتمعات الإسلامية وتستفيد من خبرة كوادر إخوانية منشقة في التنظيم والإدارة والعمل السري، كما تستند إلى جاذبية الطرح وبساطته وقوة حجته السلفية, باعتماده على الدليل النقلي أكثر من الدليل العقلي, في القضايا الفقهية والعقدية والسياسية من خلال المزج المبسط بين الحقل الديني ومفاهيمه ودلالاته والحقل السياسي بكل تعقيداته وتغيراته.

إلا أن تحول هذا التيار السلفي الجهادي إلى قوة تجاوزت الإمكانات التنظيمية والمادية لتنظيم القاعدة نفسه، ما كان له أن يتم، لولا السياسات الأميركية الجديدة الهادفة إلى الانفراد والهيمنة في عالم القطب الواحد والانحياز الفاضح لإسرائيل، وتبني الولايات المتحدة وإدارتها الجديدة مع جورج بوش الإبن لخطاب يقسم العالم بين محور الشر ومحور الخير، وهو خطاب يتبنى منطق أسامة بن لادن بشكل مقلوب، والذي كان أول من تحدث عن انقسام العالم إلى فسطاطين (الكفر والإيمان – الحق والباطل). وما عزَّز هذا التيار السلفي الجهادي التكفيري هو غزو العراق، حيث تحوَّلت أرضه إلى قبلة لكل الجهاديين.

في لبنان يعمل السلفيون في مجال الدعوة منذ الخمسينيات، وهم في غالبيتهم يحصرون اهتماماتهم في شؤون محاربة البدع وتصحيح العقائد، ولا علاقة لهم بما يسمى اليوم السلفية الجهادية. والواقع أن الكثير من الالتباس وقع لعدم التمييز بين هذين الاتجاهين منذ أحداث الضنية صيف العام 2000، ثم مؤخراً مع تسرب مفاهيم السلفية الجهادية إلى بعض المواقع في لبنان، ولعل أخطرها تمثل في ما حدث في مخيم نهر البارد الفلسطيني شمال لبنان، من معارك طاحنة بين الجيش اللبناني وتنظيم “فتح الإسلام”، ولا يمكن قراءة ما حدث بعيداً عن هذه الصورة. مع ذلك يصعب تصنيف هذا التنظيم كجزء عضوي من تنظيم القاعدة التي اعتادت تبني عملياتها عبر مواقع متعددة قريبة منها على شبكة الإنترنت, شأن كل العمليات التي تقوم بها في العراق أو السعودية أو المغرب أو الجزائر, حتى ولو كانت عمليات صغيرة. لذلك كان ملفتاً تجاهل تنظيم القاعدة لـ “فتح الإسلام”. فهل يعني ذلك أن هذا التنظيم الحديث الولادة ليس له علاقة بالسلفية الجهادية ؟

في محاولة أولية للإجابة عن هذا السؤال، يمكن القول تكراراً إن الفكر السلفي الجهادي قد تجاوز قدرات تنظيم القاعدة على الاستيعاب والتأطير، وبالتالي يمكن القول إن الكثير من عناصر “فتح الإسلام” هم عناصر جهاديون حقيقيون تم استقطابهم وتأطيرهم واستدراجهم تحت عدة عناوين, أهمها الاستعداد للذهاب إلى أرض الجهاد في العراق, إلا أن النواة المؤسسة لهذا التنظيم، والظروف المحيطة بنشأته وانقلابه على منظمة “فتح الإنتفاضة” والإستيلاء السهل على قواعدها ومستودعاتها في مخيم نهر البارد, وتاريخ شاكر العبسي وخروجه المبكر من السجون السورية, والتحاقه السريع بـ “فتح الإنتفاضة” التي لا تخفى ارتباطاتها الإقليمية، يطرح تساؤلات عديدة عن حقيقة هذا التنظيم ودوره والمهمات التي كان مكلفاً بها, بل وأصالة انتمائه إلى الحالة السلفية الجهادية .

لقد انتهت معركة نهر البارد ولكن آثارها لم تنته بعد, فقد تقلص خطر “فتح الإسلام” وانتهى هذا التنظيم التكفيري كبنية وتركيبة عسكرية، ولم يعد يشكل خطراً استراتيجياً على الأمن اللبناني من وجهة نظرنا، لكنه مع ذلك يشكل خطراً أمنياً وإن كان محدوداً، حيث أن بعض خلاياه ما يزال طليقاً. ولكن الأهم أن الجهات التي “فبركت” هذه التركيبة وموّلتها وسلّحتها، والتي يمكنها أن “تفبرك” تركيبات مشابهة في ظل انقسام سياسي لبناني يشكل بيئة مناسبة لتشكيلات كثيرة.

إن تحديَّات المرحلة القادمة، تفرض تطوير أساليب مكافحة الإرهاب في لبنان, ووضع استراتيجية صلبة للأمن الوطني، وتعزيز إمكانات الأجهزة الأمنية. فما حدث أثبت، وللأسف، أن المجتمع اللبناني، على الرغم من تنوّعه وانفتاحه، ليس محصناً بما فيه الكفاية ضد التيارات التكفيرية، على الرغم من قلة عدد اللبنانيين المنضوين تحت لواء “فتح الإسلام”، وأن بعض التيارات الإسلامية ما يزال يتردد في اعتماد خطاب مناهض للسلفية الجهادية التكفيرية، ويلجأ إلى الخطاب الإنتهازي والمزدوج, وتحت شعار المقاومة والجهاد يبرر البعض لهذه التيارات، وتحت هذا الشعار نفسه يتغذى ويتربى الإرهاب والتكفير أيضًا.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد