ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 13 يناير 2019 زيارة: 1087

أقانيم التوحيد عند ابن تيمية

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: ابن تيمية ذلك الوهم الكبير (ص42-54)
تأليف: أبو هاشم الشريف

هل صحيح ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد الأسماء والصفات

لقد انتشر هذا التقسيم في القرن الخامس عشر الهجري (العشرين ميلاديا) وقامت الجهات والفرق بتحريره في الكتب ثم الخطب بل أخذه البعض ومنهم العلماء الأجلاء على أنه من المسلمات دون أن يفكر في فحواه وتلقفته العامة من أقلام وأفواه المتصدين للدعوة وذاع وانتشر …

فهل هذا التقسيم صحيح أم أنه بدعة منكرة في العقيدة الإسلامية الثابتة الصحيحة ؟!!

هذا ما سنراه من خلال هذه الورقة بمشيئة الله تعالى …

أولا – تاريخ هذا التقسيم:

لا بد لنا قبل أن نحكم على هذا التقسيم رفضا أو قبولا أن نعرف متى بدأ؟ وما هي مصادره التي استند إليها؟

ولذا فإننا سوف نستعرض في عجالة الدعوة الإسلامية منذ بدأت لنتعرف على تاريخ هذا التقسيم ومن الذي قال به …

1- القرآن والسنة:

حين نبحث في القرآن الكريم أو في سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا نجد هذا التقسيم: لا توحيد ألوهية ولا توحيد ربوبية ولا توحيد أسماء وصفات بل نجد أن التوحيد هو التوحيد الصافي الخالص الذي أرسل به الرسل وجاء به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله).

2- صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

وحين نرجع إلى أقوال الصحابة الكرام – ابتداء من الصديق الأعظم والفاروق العادل وباب مدينة العلم وأعلمهم بالأحكام حتى الحبر البحر ومرورا بالمائة سنة الأولى لا نجد فيهم من قسم التوحيد إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

3- التابعون وتابعوهم:

وإذا رجعنا إلى التابعين وتابعيهم أصحاب القرون الفضلى الخيرية والذين يمثلون السلف الصالح لا نجد أيا منهم قسم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة سالفة الذكر.

4- فقهاء المذاهب

ونعود مرة أخرى إلى فقهاء المذاهب الأربعة التي ظلت الأمة تقلدهم على مدى قرون طويلة منذ زمنهم وحتى يوم الناس هذا … فهل نجد منهم أحدا قسم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة المذكورة ؟!

أبدا.

سبحان الله !!

إذا كان هذا الأمر متعلقا بالعقيدة ولم يرد في القرآن الكريم ولا على لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا قال به صحابي ولا تابعي ولا فقيه ولا عالم من علماء السلف ألا يكون هذا ابتداعا في الدين ؟!!

5- من الذي قال بهذا التقسيم ؟

إن الواقع والحقائق تقول: إن هذا التقسيم أحدث في القرن الثامن الهجري بعد زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) بسبعمائة عام …

والذي اخترع هذا التقسيم أولا ابن أبي العز وهو يشرح العقيدة الطحاوية الصحيحة للإمام أبي جعفر الطحاوي حيث زيف كلام الإمام الطحاوي حتى يظهر بمظهر السلف[1].

وقد قال عنه العلامة علي القاري الحنفي: إنه صاحب مذهب باطل تابع لطائفة من البتدعة.

وقد تلقف هذا التقسيم الشيخ ابن تيمية الحراني ثم ابن القيم وسط معارضه جميع علماء المسلمين في هذا القرن والقرون التي تليه.

ثم جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوته الوهابية والتي انتشرت بحد السيف بالتحالف مع آل سعود على مدى القرنين السابقين وزاد من انتشارها الثروات البترولية في القرن العشرين عن طريق المطبوعات والإعارات والبعثات ليتبنى نشر آراء ابن تيمية وترك المذاهب الإسلامية الصحيحة.

ثانيا- مفهوم هذا التقسيم:

تقول مدرسة ابن عبد الوهاب:

إن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1- توحيد ربوبية:

فقد كان المشركون على مدى التاريخ – حسب المفهوم الوهابي – يوحدون الله توحيد ربوبية أي كانوا يقرون بتوحيد الله تعالى في ربوبيته فيقرون أن الله هو الخالق الرازق …

حيث يقول القرآن العظيم (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)[2].

(ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله)[3].

(من رب السموات السبع ورب العرش العظيم * سيقولن لله)[4].

ويستنتجون من هذه الآيات أن المشركين في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) كانوا موحدين لله توحيد ربوبية فكانو يقرون بأنه الرب العظيم الخالق الرازق منزل المطر من السماء رب السماوات السبع ورب العرش العظيم وما كانوا يعبدون الآلهة الأخرى إلا لتقربهم إلى الله زلفى.

2- توحيد ألوهية:

وهو إفراد الله بالعبادة وهو توحيد الذي كان المشركون محرومين منه ويرفضونه فكانوا يقصدون بعبادتهم الأصنام أو الكواكب أو غيرها ..

وهذا التوحيد – توحيد الألوهية – هو الذي جاء به الأنبياء فالأنبياء لم يأتوا بتوحيد الربوبية وإنما أتوا لهداية الناس إلى توحيد الألوهية الذي هو إفراده تعالى بالعبادة.

3- توحيد الأسماء والصفات:

ويقصد به عدم تأويل الصفات الواردة لله تعالى في القرآن أو السنة مثل: الاستواء على العرش أو الوجه والعين واليد والجنب والنزول والغضب والقرب والبعد وغيرها من الصفات التي توهم الجسمية وعدم صرفها عن معانيها الظاهرة.

ثالثا – الغرض من تقسيم التوحيد:

وللمنادين بهذا التقسيم غرض معين نبينه في الآتي:

1- إخراج كافة المسلمين الذين لا يسرون على نهج ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب من دائرة التوحيد وسترى ذلك واضحا فيما سيأتي.

2- إثبات الجهة والحد والجسمية لله تعالى وإثبات قدم العالم بالنوع وإثبات الحرف والصوت لكلام الله وإثبات قيام الحوادث بذات الله … تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

3- إطلاق اسم الجهمية والمعطلة على جماهير أهل السنة والجماعة والمقتدين بمذهب الأشعرية بما جماهير أهل السنة والجماعة والمقتدين بمذهب الأشعرية بما في ذلك الأزهر الشريف وعلماؤه وخريجوه المنتشرون في أقطار المسلمين …

وإنني أعتذر للقارئ العزيز عن سوق هذا الكلام الذي يسبب صدمات شديدة له، ولكن ماذا أفعل وهذه هي الحقيقة ؟!

ولعل القارئ يحتاج إلى معرفة مدى صحة هذا التقسيم وصحة الأدلة والمفاهيم التي استند إليها …

وسوف نوجز ذلك فيما يأتي:

أولا: إطلاق لفظ موحدين على مشركي قريش لا يجوز لأنهم مشركون وكفار بنص القرآن حيث يقول (ما نعبدهم إلا يقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كذاب كفار)[5] فوصفهم بصيغة المبالغة من الكفر.

فهل يحق لابن تيمية أو ابن عبد الوهاب أن يقول أنهم موحدون توحيد ربوبية بعد أن وصفهم الله بالكفر الصريح ؟!!

ثانيا: هؤلاء الكفار الذين قال الله فيهم: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)[6] والذين كانوا يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى لالله زلفى)[7] هؤلاء الكفار ما كانوا يقرون بتوحيد الله أبدا وإنما كانوا يقولون ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) من باب الجدل …

وإليك الأدلة على ذلك:

1- أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان دائما يثبت لهم وجود الله تعالى ووحدانيته ويدعوهم إلى ترك عبادة الأصنام ولما لم يكن لديهم حجة يدفعون بها قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقد كانوا يتحججون بأنهم إنما يعبدهم الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، وهم في هذا كاذبون لأنهم في الحقيقة لا يؤمنون بوجود الله من الأصل …

ولذلك جاءت عشرات الآيات في القرآن الكريم لإثبات وجود الله تعالى: كقوله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت …) الآيات[8]، وقوله تعالى (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها …) الآيات[9]

ولكن الكفار كانوا يردون على ذلك (أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب) [10].

وقول الكفار (ما نعبدهم إلا ليقروبا زلفى) [11].

كذب صريح، حتى إن الله تعالى قال لهم في نهاية الآية (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)[12].

فاستنباط توحيد المشركين من الآيتين (ما نعبدهم …) و (ولئن سألتهم …) استنباط سطحي يعارض نص القرآن الذي وصفهم بالكفر في عشرات الآيات.

2- أن الكفار كانوا يعبدون الأصنام ويحجون إليها ويتقربون لها، وكانوا يقولون: ما هي أرحام تدفع وأرض تبلغ وما يهلكنا إلا الدهر …

وجاء القرآن الكريم بعشرات الآيات التي تصف حالهم هذا كقوله تعالى (واتخذوا من دون الله ءالهة لعلهم ينصرون)[13] وقوله (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)[14] وقوله (قال من يحي العظام وهي رميم)[15] وقوله (أجعل الآلهة إلها واحدا)[16] وقوله (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا) [17].

وقوله: (وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) [18]..

فهل بعد هذه الآيات وغيرها العشرات في القرآن يمكن لمتدبر أن يقول أن كفار قريش كانوا موحدين توحيد ربوبية ؟!!

3- لنفترض جدلا أن هناك فريقا من الكافرين اعترف بأن الله هو الخالق المحيي المميت ولكنه لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولم يؤمن باليوم الآخر ولا الجنة ولا النار … فإن مثل هذا لا يمكن أن يكون مؤمنا أو موحدا لا شرعا ولا لغة ولا عرفا …

فقد صرح القرآن بكذبهم وكفرهم عقب قوله (ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [19] ولم يقل لهم: أنتم موحدون توحيد ربوبية وكذلك لم يقل لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك.

بل الثابت أن الإيمان والتوحيد والعقيدة: ما وقر في القلب وصدقه العمل وهذا واضح من حديث سيدنا جبريل الذي رواه مسلم والذي يفيد أن الإيمان والدخول في التوحيد هو الإتيان بالشهادتين لسانا مع الإقرار القلبي بكل ما جاء عن الله تعالى ورسوله.

ثالثا: توحيد الأسماء والصفات …

وهذا من أخطر ما قاله ابن تيمية ومن بعده مدرسة محمد ابن عبد الوهاب.

فإذا كان توحيد الأسماء والصفات يحول استواء الرحمن على العرش إلى الاستقرار على العرش فأين التنزيه هنا وأين (ليس كمثله شيء) [20] ؟!!

1- يقول ابن تيمية: ولو قد شاء الله لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم[21].

هل يقبل مسلم هذا الكلام أنه يجوز استقرار رب العالمين على ظهر بعوضة ؟!!!

2- توحيد الأسماء والصفات هذا لا يمنع الجسمية عن الله تعالى …

يقول ابن تيمية: وليس في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن صفاته ليست أجساما ولا أعراضا[22].

هل يقبل مسلم نتيجة هذا الكلام سيما وأن كتاب الله تعالى ينص صراحة على نفي الجسمية عنه جل وعلا: يقول تعالى (ليس كمثله شيء) [23] ويقول (ولم يكن له كفوا أحد) [24] فهذا صريح في نفي الجسمية والتركيب عن الله تعالى، لأن الجسم له مكافئ ومماثل.

3- ومن هذه الآراء أيضا: ما يذكره ابن القيم: أن الله يجلس على العرش ويجلس بجنبه سيدنا محمدا (صلى الله عليه وسلم) وهذا هو المقام المحمود[25].

ويثبت ابن القيم أن لله ساقين فيقول: هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة: فمن أين في ظاهر القرآن أنه ليس له سبحانه إلا تلك الصفة الواحدة[26].

ويقول: هب أن القرآن دل على إثبات جنب هو صفة فمن أين يدل ظاهره أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد ؟![27].

هل يقبل مسلم هذا الكلام في ذات الله تعالى ؟!

سبحان ربك رب العزة عما يصفون.

________________________________

[1] . راجع التنديد بمن عدد التوحيد للشيخ حسن بن علي السقاف.

[2] . سورة لقمان: 25، سورة الزمر: 38.

[3] . سورة العنكبوت: 63.

[4] . سورة المؤمنون: 86، 87.

[5] . سورة الزمر: 3.

[6] . سورة لقمان: 25، سورة الزمر: 38.

[7] . سورة الزمر: 3.

[8] . سورة الغاشية: 17.

[9] . سورة ق: 6.

[10] . سورة ص: 5.

[11] . سورة الزمر: 3.

[12] . سورة الزمر: 3.

[13] . سورة يس: 74.

[14] . سورة الجاثية: 24.

[15] . سورة يس: 78.

[16] . سورة ص: 5.

[17] . سورة الفرقان: 60.

[18] . سورة المؤمنون: 91.

[19] . سورة الزمر: 3.

[20] . سورة الشورى: 11.

[21] . انظر التأسيس في رد أساس التقديس 1/ 568.

[22] . انظر التأسيس في رد أساس التقديس 1/ 101.

[23] . سورة الشورى: 11.

[24] . سورة الإخلاص: 4.

[25] . انظر بدائع الفوائد 4/ 841.

[26] . انظر الصواعق المرسلة 1/ 245.

[27] . نفس المصدر 1/ 250.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد