ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 2 ديسمبر 2018 زيارة: 28

إبطال تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: التنديد بمن عدد التوحيد (ص30-42)
تأليف: السيد حسن بن علي السقاف الشافعي

إعلم أن العبادة شرعا هي غاية الخضوع والتذلل لمن يعتقد الخاضع فيه أوصاف الربوبية، وأما في اللغة فالعبادة هي الطاعة، والعبودية هي الخضوع والذل، فالعبادة شرعا غير العبادة لغة، فلا يقال لمن خضع وذل لانسان إنه عبده شرعا وهذا شئ لا يختلف فيه إثنان، فمن تذلل عند قبر نبي أو ولي وتوسل به لا يقال إنه عبده من دون الله تعالى، لان مجرد النداء والاستغاثة والخوف والرجاء لا يسمى عبادة شرعا ولو سمي عبادة لغة ودليل ذلك أمور منها: الصلاة، فالصلاة في اللغة هي التضرع والدعاء، وأما شرعا واصطلاحا فهي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فليس كل دعاء صلاة، ولا يقال لمن دعا فلانا بمعنى أنه طلب من فلان شيئا أنه صلى له فكذلك العبادة.

وأما الدعاء فليس جميعه عبادة إلا إذا دعونا من نعتقد فيه صفات الربوبية أو صفة واحدة منها، فقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (الدعاء هو العبادة) كما رواه الحاكم وغيره بأسانيد صحيحة (15)[1] ليس معناه أن كل دعاء عبادة، كما سيتضح بعد قليل إن شاء الله تعالى، وإنما يكون الدعاء عبادة إذا كان لله أو لمن يعتقد الداعي ان للمدعو صفة من صفات الربوبية، وقال بعض العلماء كما نقل المناوي في الفيض (3/ 540): (إن معنى حديث (الدعاء هو العبادة) أي أن الدعاء هو من أعظم العبادة، فهو كخبر (الحج عرفة) أي ركنه الاكبر، فالدعاء له عدة معان منها النداء، والنداء ليس عبادة وهذا المعنى موجود بكثرة في كلام العرب وفي القرآن الكريم فمن شواهده في كلام العرب قول الشاعر وهو: دثار بن شيبان النمري:

فقلت ادعي وأدعو ان أندى … لصوت أن ينادي داعيان

وهذا البيت من شواهد النحاة على نصب المضارع بعد الواو بعد الامر، كما صرح به الاشموني وغيره عند قول صاحب الالفية:

والواو كالفا إن تفد مفهوم مع … كلا تكن جلدا وتظهر الجزع

ومعنى قوله ادعي نادي فهو خطاب لانثى وهي حليلة لدثار ومعنى أدعو أنادي أنا، ومعنى إن أندى أي أن أبعد وأرفع للصوت أن ينادي داعيان أي مناديان فظهر من هذا البيت أن الدعاء عند العرب يأتي بمعنى النداء.

وأما في القرآن فمنه قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) النور: 63، أي لا تجعلوا نداءه بينكم كما ينادي بعضكم بعضا، باسمه الذي سماه به أبوه، فلا تقولوا يا محمد ولكن قولوا يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض لقوله تعالى: (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) الحجرات: 2.

ويأتي الدعاء بمعنى العبادة وهو موجود في كلام العرب وفي القرآن الذي نزل بلغتهم الفصيحة، ومنه قوله تعالى: (والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) فاطر: 13، أي والذين تعبدون من دونه، وكقوله تعالى أيضا: (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك) يونس: 106، أي ولا تعبد من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك.

وللدعاء معنى آخر أيضا وهو الاستعانة نحو قوله تعالى: (وادعوا شهداءكم) البقرة: 23، ومن معانيه أيضا السؤال كقوله تعالى: (أدعوني أستجب لكم) غافر: 60، ومن معانيه أيضا الثناء كقوله تعالى: (ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) الاسراء: 110، ومن معانيه أيضا التسمية كقوله تعالى: (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها) الاعراف: 180، أي سموه بها، إلى غير ذلك من المعاني.

فاتضح أن مجرد النداء أو الاستغاثة أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء أو التوسل أو التذلل لا يسمى عبادة، فقد يتذلل الولد لابيه والجندي لقائده ويخافه ويرجو منه أشياء فلا يسمى ذلك عبادة له باتفاق العقلاء، وليس مجرد النداء عبادة، ولو كان هذا النداء لاموات، ففي الصحيحين: (أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لاهل البئر واسمها القليب، التي ألقي فيها جماعة من الكفار في بدر: (هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فإني قد وجدت ما وعدني الله حقا)، خاطب النبي كفار قليب بدر، قال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها، قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا على شيئا) رواه البخاري (7/ 301 فتح) ومسلم (4/ 2203).

وليس التوسل عبادة للمتوسل به إلى الله، فقد علم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الاعمى أن يقول: (اللهم إني أتوجه اليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى. .) الحديث وهو صحيح مشهور بين أهل العلم، رواه الترمذي (5/ 569) والبيهقي في (دلائل النبوة) (6/ 166 – 168) والحاكم (1/ 313) وصححه على شرطهما وأقره الذهبي وغيرهم بأسانيد صحيحة.

كما أن الاستغاثة أيضا بمخلوق ليست عبادة له كما ثبت في الصحيحين (أن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ص فيشفع ليقضى بين الخلق) انظر فتح الباري (3/ 338)، فما زعمه الجهلة أن كل نداء للميت عبادة له فهو من التخبط في الجهل القبيح.

وملخص ما مر أن العبادة في اللغة هي مطلق الطاعة والخضوع لاي أحد كان بخلاف العبادة في اصطلاح الشرع فهي غاية التذلل والخضوع لمن يعتقد الخاضع له بعض صفات الربوبية، فإذا فهمت ذلك علمت يقينا أن من أطاع أحدا وخضع له لا لاعتقاده أن له بعض صفات الربوبية لا يسمى عابدا له شرعا وإن كان الخضوع والتذلل لغير الله تعالى قد يحرم في بعض صوره كما إذا كان لغني لاجل غناه، لكنه لا يسمى عبادة شرعا، ولا يكون صاحبه مشركا، كما أفاد ذلك العلامة محمد حبيب الله الشنقيطي في زاد المسلم.

ويوضح ذلك أيضا أن نقول: إن العبادة شرعا معناها الاتيان بأقصى الخضوع قلبا وقالبا، فهي إذن نوعان قلبية وقالبية، (فالقلبية): هي اعتقاد الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ المشيئة لمن اعتقد فيه ذلك، (والقالبية): هي الاتيان بأنواع الخضوع الظاهرية من قيام وركوع وسجود وغيرها مع ذلك الاعتقاد القلبي، فإن أتى بواحد منها بدون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع عبادة شرعا ولو كان سجودا، وإنما قال العلماء بكفر من سجد للصنم لانه أمارة وعلامة على ذلك الاعتقاد، لا لانه كفر من حيث ذاته، إذ لو كان كفرا لذاته – السجود – لما حل في شريعة قط، وقد حل كما هو معلوم في آيات كثيرة، فكيف حل وهو كفر، والله لا يأمر بالفحشاء، قال تعالى: (إن الله لا يأمر بالفحشاء) الاعراف: 27.

فقد كان كما هو معلوم السجود لغير الله عزوجل على وجه التحية والتكريم مشروعا في الشرائع السابقة وإنما حرم في هذه الشريعة، فمن فعله لاحد تحية وإعظاما من غير أن يعتقد فيه ربوبية كان آثما بذلك السجود، ولا يكون به كافرا إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له، ويرشدك الى ذلك قوله عز وجل في سيدنا يعقوب نبي الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وامرأته وبنيه حين دخلوا على سيدنا يوسف (وخروا له سجدا) يوسف: 100، قال ابن كثير في تفسيرها: (أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، لم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام، فحرم هذا في هذه الملة) ا ه‍ المقصود منه.

ويوضح ذلك أيضا أمره عزوجل الملائكة بالسجود لادم، فكان سجودهم له عليه الصلاة والسلام عبادة للامر عزوجل، وإكراما لآدم عليه الصلاة والسلام.

ومن هنا نعلم أن تعظيم الكعبة بالطواف حولها وتعظيم الحجر الاسود باستلامه وتقبيله والسجود عليه ليس عبادة شرعا للبيت ولا للحجر، وإنما هو عبادة للامر بذلك سبحانه وتعالى، الذي اعتقد الطائف بالبيت ربوبيته سبحانه، فليس كل تعظيم لشئ عبادة له شرعا، حتى يكون شركا، بل منه ما يكون واجبا أو مندوبا إذا كان مأمورا به أو مرغبا فيه، ومنه ما يكون مكروها أو محرما، ومنه ما يكون مباحا، ولا يكون التعظيم لشئ شركا حتى يقترن معه اعتقاد ربوبية ذلك الشئ، أو خصيصة من خصائصها، فكل من عظم شيئا فلا يعتبر في الشرع عابدا له إلا إذا اعتقد فيه ذلك الاعتقاد، وقد استقر في عقول بني آدم ما داموا على سلامة الفطرة أن من ثبتت له الربوبية فهو للعبادة مستحق، ومن انتفت عنه الربوبية فهو غير مستحق للعبادة، فثبوت الربوبية واستحقاق العبادة متلازمان فيما شرع الله في شرائعه وفيما وضع في عقول الناس، وعلى أساس اعتقاد الشركة في الربوبية بنى المشركون استحقاق العبادة لمن اعتقدوهم أربابا من دون الله تعالى، ومتى انهدم هذا الاساس من نفوسهم تبعه ما بني عليه من استحقاق غير الله للعبادة، ولا يسلم المشرك بانفراد الله تعالى باستحقاق العبادة حتى يسلم بانفراده عزوجل بالربوبية، وما دام في نفسه اعتقاد الربوبية لغيره عزوجل استتبع ذلك الاعتقاد في هذا الغير الاستحقاق للعبادة ولذلك كان من الواضح عند أولي الالباب أن توحيد الربوبية وتوحيد الالوهية شئ واحد ولا فرق بينهما وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الاخر في الوجود وفي الاعتقاد، وتقسيم التوحيد الى توحيد ألوهية وربوبية باطل، كما سيتبين الان إن شاء الله تعالى، فمن اعترف أنه لا رب إلا الله كان معترفا بأنه لا يستحق العبادة غيره، ومن أقر بأنه لا يستحق العبادة غيره كان مذعنا بأنه لا رب سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله في قلوب جميع المسلمين، ولذلك نرى القرآن في كثير من المواضع يكتفي بأحدهما عن الاخر، ويرتب اللوازم المستحيلة على انتفاء أي واحد منهما ليستدل بانتفائها على ثبوته فانظر إلى قوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) الانبياء: 22، وقوله تعالى: (وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) المؤمنون: 91، حيث عبر بالاله ولم يعبر بالرب.

وكذلك في الميثاق الاول، قال سبحانه: (ألست بربكم) الاعراف: 172، ولم يقل بالهكم، واستفاض عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أن الملكين يقولان للميت في قبره: (من ريك؟) ويكتفيان بالسؤال عن توحيد الربوبية، ويكون جوابه بقوله: (الله ربي)، كافيا، ولا يقولان له إنما عرفت توحيد الربوبية واعترفت به فقط، ولم تعترف بتوحيد الالوهية، ولا يقولان له ليس توحيد الربوبية كافيا في الايمان.

وهذا خليل الله سيدنا إبراهيم (عليه الصلاة والسلام) يقول لذلك الجبار: (ربى الذي يحيى ويميت) البقرة: 258، فيجادله بأنه كذلك يحيي ويميت، الى أن حاجه خليل الله بما يكذب دعوى ربوبيته فتندحض دعوى استحقاقه للعبادة.

ويثبت أنه لا فرق بين توحيد الالوهية والربوبية أيضا أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال مرة: (ما علمت لكم من إله غيري) القصص: 38، ومرة أخرى: (أنا ربكم الاعلى) النازعات: 24، فاتضح أن الاله هو الرب، والرب هو الاله ولا فرق.

وبالجملة فقد أومأ القرآن الكريم والسنة المستفيضة الى تلازم توحيد الربوبية والالوهية وأن ذلك مما قرره رب العالمين، واكتفى سبحانه من عبده بأحدهما عن صاحبه، لوجود هذا التلازم، وكذلك اكتفى به الملائكة المقربون عند السؤال، وفهم الناس هذا التلازم حتى الفراعنة الكافرون بداهة، ولم يقل أحد من السلف ولا من الصحابة ولا من التابعين بالفرق، وأن هناك توحيد ألوهية يغاير توحيد الربوبية، ولم ينقل ذلك التفريق عن واحد منهم فضلا عن نقله من الكتاب أو السنة، حتى ابتدع وتكلم بذلك بعض أهل القرن الثامن الهجري، ولا عبرة بذلك قطعا، فما هذا الهذيان بهذا التقسيم الذى يفتريه أولئك المبتدعة الخراصون، فيرمون المسلمين بأنهم قائلون بتوحيد الربوبية دون توحيد العبادة – أي الالوهية – وأنه لا يكفي المسلمين توحيد الربوبية في إخراجهم من الكفر وإدخالهم في الاسلام.

وينبغي لفت النظر أيضا الى قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا. .) فصلت: 30، وهى في موضعين من كتاب الله تعالى، ولم يقل إلهنا بل قال – ربنا الله -، وقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لمن سأله عن وصية جامعة: (قل ربى الله ثم استقم)، ولم يقل له: قل إلهي الله ثم استقم، فاكتفى بتوحيد الربوبية في النجاة والفوز لاستلزامه وعدم تغايره لتوحيد الالوهية، وهذا بشهادة الله ورسوله كما ترى، فمن رافقه التوفيق وفارقه الخذلان ونظر في المسألة نظر الباحث المنصف علم يقينا علما لا تخالطه ريبة أن مسمى العبادة شرعا لا يدخل فيه شئ مما عداه، كالتوسل والاستغاثة وغيرهما، بل لا يشتبه بالعبادة أصلا، فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم أو صفة من صفاتها الخاصة بها.

ألا ترى الجندي يقوم بين يدي رئيسه ساعة وساعات إحتراما له وتأدبا معه، فلا يكون هذا القيام عبادة لرئيسه لا شرعا ولا لغة، ويقوم المصلى بين يدي ربه في صلاته بضع دقائق قدر قراءة الفاتحة ونحوها، فيكون هذا القيام عبادة شرعا، وسر ذلك أن هذا القيام وإن قلت مسافته مقترنا باعتقاد القائم ربوبية من قام له. ولم يأت عن واحد من الائمة الاربعة أو غيرهم من أئمة السلف، ولا عن أتباع التابعين، ولا عن التابعين ولا عن الصحابة، ولا عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سنته الواسعة في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم وغيرها أن التوحيد ينقسم الى توحيد ربوبية والى توحيد الوهية، وأن من لم يعرف توحيد الالوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية.

وأما قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله) الزمر: 38 وقوله تعالى: (قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله). . المؤفون: 86 – 87، معناه أنهم يقولون ذلك إذا سألتهم عند ظهور الحجج القاطعات عليهم والايات البينات، وذلك مجرد قول بألسنتهم وليس ذلك في قلوبهم، لانهم ما كانوا يقرون بوجود الخالق خلافا لمن زعم أنهم كانوا موحدين توحيد ربوبية، وخلافا لمن زعم أن الرسل لم يبعثوا إلا لتوحيد الالوهية، وهو إفراد الله بالعبادة وأن توحيد الربوبية يعرفه المشركون والمسلمون مستدلا بقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله) لقمان: 25، فهذا الزعم لا شك أنه باطل لان هذا الزاعم لبس على البسطاء معنى الاية أو لم يفهمها هو!! وقد بينا معناها،: أنهم أقروا بألسنتهم فقط، لذلك قال الله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون) العنكبوت: 61، معناه كما قال القرطبي في التفسير (13/ 161): (أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي، معناه: أنهم يقولون ذلك بألسنتهم فقط عند إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك). وأيضا قال الله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الارض بعد موتها) العنكبوت: 63، قال الامام القرطبي: أي جدبها وقحط أهلها (ليقولن الله) أي فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الاعادة (قل الحمد لله) أي على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته (بل أكثرهم لا يعقلون) انتهى من القرطبي.

فإذا تنبهت لمعنى هذه الايات وأمثالها عرفت بأنها ليست دليلا على أنهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية كما يتوهم بعض الناس، لان القرآن وواقع هؤلاء الكفار يبين أنهم كانوا ينكرون الخالق وينكرون السجود له، كما سيأتي الان إن شاء الله تعالى في ذكر الايات الموضحة لذلك، وكانوا ينكرون البعث ويعتقدون التأثير والتدبير لغير الله فيقولون: (أمطرنا بنوء كذا ونوء كذا) ولو كانوا يقرون بتوحيد الربوبية كما زعم الخراصون لما قال لهم المولى سبحانه: (يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم) البقرة: 21، بل كان اللازم أن يقول لهم: – أعبدوا الهكم -، وقال تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه). . الاية البقرة: 258، وكان اللازم على زعم من قال: إن النمرود كان يعرف توحيد الربوبية ويجهل توحيد الالوهية، أن يقول الله تعالى – ألم تر الى الذي حاج إبراهيم في إلهه – وكان اللازم على زعمهم أن يقول الله تعالى بدل قوله: (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) الانعام: 1، أن يقول: – بالههم يعدلون – ولكن ذلك فاسد لانهم لم يكونوا مقرين، ودليل ذلك قوله تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهى رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) يس 78 – 79، وقوله تعالى: (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السموات والارض) النمل: 25، وقوله تعالى: (وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى) الرعد: 30، فأما هم فلم يجعلوه ربا، وقال تعالى: (ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) يوسف: 39، وقال تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون) – أي يعبدون – (من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) الانعام: 108، وقد اشتهر إنكارهم للبعث أشد الانكار، وأنهم ما يهلكهم إلا الدهر، وقد اشتهر ذلك في أقوالهم وأشعارهم، حتى قال أحدهم:

أشاب الصغير وأفنى الكبير … كر الغداة ومر العشي

واشتهر عنهم أنهم كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، فهل يقول عاقل في هؤلاء مع هذا الكفر الصريح أنهم موحدون توحيد الربوبية؟!

ولو كانوا يقرون بتوحيد الربوبية عند إقامة الحجة عليهم، فإن مجرد الاقرار به لا يسمى توحيدا عند علماء المسلمين، ولو كان الاقرار بالربوبية توحيدا كما زعم الخراصون لكان تصديق عتاة قريش النبي (صلى الله عليه وسلم) وتكذيبهم بآيات الله تعالى توحيدا، ولا يقول بهذا عاقل، قال تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) الانعام: 33، ولو كان الاقرار بالربوبية توحيدا كما زعموا لكان علم عاد بالخالق مع تكذيبهم آياته ورسوله هودا عليه السلام لما هددهم بالعذاب توحيدا زاجرا لهم عن قولهم، كما أخبر الله عنهم: (من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون) فصلت: 15، ولا يقول بهذا عاقل، أيقول عاقل في فرعون الذي قال (أنا ربكم الاعلى) النازعات: 24، وقال (يا أيها الملا ما علمت لكم من اله غيري) القصص: 38، وقوله (لئن اتخذت إله غيري لاجعلنك من المسجونين) الشعراء: 29، مع قوله: (إن رسولكم الذي أرسل اليكم لمجنون) الشعراء: 27، لما أجابه سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام عن سؤاله عن حقيقة رب العالمين قائلا له: (قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين) الشعراء: 24، وقوله له أيضا: (ربكم ورب آبائكم الاولين) الشعراء: 26، فهل يقال بعد هذا: إن فرعون كان يعرف توحيد الربوبية ويجهل توحيد الالوهية؟! فهذا التقسيم للتوحيد باطل غير صحيح، وكل من قال به مخطئ.

وأما معنى قوله تعالى: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) يوسف: 106، فمعناه وما يؤمن أكثرهم بالله في إقرارهم بوجود الخالق عند إقامة الحجة والبراهين عليهم تكذبه قلوبهم ويكذبه واقعهم، فإيمانهم أمامكم عند إقامة الحجة والبرهان على وجود الله تعالى بألسنتهم غير معتبر ولا مقبول عند الله تعالى (يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم) التوبة: 8، فهم كاذبون باتخاذهم آلهة يعبدونها غير الله، أو باتخاذهم الاحبار والرهبان أربابا، أو اعتقادهم الولد له سبحانه والتعبير في هذه الآية في جانب شركهم بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام الواقعة حالا لازمة، والتعبير في جانب إيمانهم أي إقرارهم بالجملة الفعلية الدالة على التجدد دليل لغوي على أن شركهم دائم مستمر، وأن إقرارهم بوجود الخالق الرازق المحي المميت مع ارتكابهم ما ينافي ذلك الاقرار من أقوالهم وأفعالهم وعبادتهم لغير الله تعالى كما قال تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة) يس: 74، لا يكون توحيدا ولا إيمانا لغة ولا شرعا، لان الايمان في اللغة هو التصديق بالقلب مطلقا، وفي الشرع تصديق النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما علم مجيئه به بالضرورة، فقولهم عند إقامة الحجة عليهم: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) الزمر: 3، كذب منهم ليبرئوا أنفسهم، والله تعالى بين أنهم كاذبون إذ قال كما في آخر هذه الآية: (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) الزمر: 3.

__________________________

[1]. رواه الامام أحمد (4/ 271) وابن أبي شيبة (7/ 23 الفكر) وأبو داود (2/ 77 برقم 1479) والترمذي (5/ 375 برقم 3247) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (6/ 450) وابن ماجه (2/ 1258) وأبو نعيم في الحلية (8/ 120) والطبراني في (معجمه الصغير (2/ 208 الروض الداني) والطبري في تفسيره (مجلد 12 / جزء 24 / ص 78) وابن حبان في صحيحه (2/ 124 دار الفكر) والحاكم في (المستدرك) (1/ 491) وصححه وأقره الذهبي وهو كما قالا.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد