ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 9 فبراير 2018 زيارة: 33

إثبات التأويل عند السلف

(غير مصنفة)
مقتبس من مقدمة العلامة السيد حسن بن علي السقاف على دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه ص7-20.

إنه قد نشرت كتب كثيرة في زماننا هذا من قبل من يميل إلى التشبيه والتجسيم ومن على شاكلتهم من ” تجار الكتب ” الذين لا هم لهم إلا تحقيق الربح المادي وإرضاء من تنفق بضاعتهم في بلادهم، فاستمرأوا طبع بعض الكتب التي تبحث في موضوع العقائد والتوحيد، والتي نص مؤلفوها وهم من الخلف على الأخذ بظواهر النصوص المتعلقة في التوحيد والصفات مما هي في الحقيقة إضافات لا يراد منها إثبات صفات كما سيمر في صلب كتابنا هذا، كما نصوا على عدم القول بالتأويل وأنه من شعار الجهمية والمعطلة بزعمهم، وقد راج هذا الأمر على كثير من طلبة العلم الذين لم يدركوا حقيقة الأمر بعد، بل تعدى ذلك إلى نسبة كبيرة من المدرسين في كليات الشريعة والمعاهد الشرعية فظنوا أن ما يقوله بعض المشبهة من أن التأويل ضلال وبدعة وتعطيل وتجهم وأنه لم يكن عند السلف حقا، وليس الأمر كذلك على الحقيقة، بل من قرأ ودرس وفتش وبحث وطالع ونقب فإنه سيجد لا محالة أن العدول من الأئمة الثقات في القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية المسماة عند بعض العلماء بقرون السلف قد أولوا كثيرا من النصوص المتعلقة بموضوع الصفات والتوحيد وبينوا أن الظاهر منها غير مراد، وحسبي في مثل هذا المقام أن أسرد بعض تأويلاتهم وأن أبين قبل ذلك أنهم تعلموا التأويل من كتاب الله تعالى وسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الصحيحة وإليك ذلك[1]:

اللهم إني قد بلغت، فلتكونوا على علم ومعرفة أيها المسلمون بهذه الطائفة، وأسال الله تعالى أن يهدي ” تجار الكتب ” وأجراءهم الذين يمتصون لهم ويقللون أجور الموظفين ليرضوهم ويسخطوا الله تعالى إلى التوبة من تلك الحوبة إنه سميع مجيب.

1) لقد علمنا الله تعالى (التأويل) في كتابه العزيز، أي عدم إرادة ظاهر النص الوارد[2] في قوله تعالى:

(نسوا الله فنسيهم) التوبة: 67 وقوله تعالى (إنا نسيناكم) السجدة: 14 فبهذه الآيات لا نثبت لله تعالى صفة النسيان وإن ورد لفظ النسيان في القرآن الكريم، ولا يجوز لنا أن نقول: إن لله نسيانا ولكنه ليس كنسياننا، وذلك لأن الله عز وجل قال: (وما كان ربك نسيا) مريم: 64.

ولا يحل لرجل عاقل بعد هذا أن يقول: ” ينسى لا كنسياننا، ويجلس لا كجلوسنا، وهو في السماء ليس كمثله شئ، كما نقول: هو سميع ليس كسمعنا، وهو بصير ليس كبصرنا …. “.

والجواب على هذا أننا نقول له: قولك لا كنسياننا، ولا كجلوسنا، وليس كمثله شئ بعد قولك هو في السماء، لن يفيدك البتة، ولن ينفي عنك التشبيه والتجسيم، لأنه ليس كل ما ورد يصح أن يوصف الله عز وجل به، وإيراد جملة: (سميع لا كسمعنا وبصير لا كبصرنا) لن يجدي المموه شيئا، وذلك لأن المراد بأنه يسمع لا كسمعنا: أن نثبت لله تعالى صفة السمع ثم ننزهه عن آلة السمع وهي الأذن، فيتصور وجود صفة السمع بلا آله ثم يفوض علم ذلك لله تعالى بعد الإيمان بصفة السمع لأن صفة الخالق لا يمكن للمخلوق أن يدركها، لكن الجلوس والحركة لا يتصور فيهما شئ يمكن نفيه ثم تفويض الحقيقة الباقية إلى الله تعالى، فالحركة مثلا التي يصف الشيخ الحراني بها المولى سبحانه وتعالى عما يقول لا يفهم منها ولا تعقل إلا بأنها انتقال من مكان إلى مكان، فإذا نفيت بعد إثباتها الانتقال لم تعد حركة فيبطل الكلام ويقع التناقض لأنه لم يبق شئ يمكن إثباته خلافا للسمع والبصر فتأمل جيدا.

ويتضح هذا أكثر في المثال الثاني:

2) ثبت في صحيح مسلم (4/ 1990 برقم 2569) عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول:

” يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده .. ” الحديث فهل يا قوم يجوز لنا أن نقول: نثبت لله صفة المرض ولكن ليس كمرضنا؟!! وهل يجوز أن نعتقد أن العبد إذا مرض مرض الله تعالى أيضا وكان عند المريض على ظاهره وحقيقته؟!!.

كلا، ثم كلا، بل نقول إن من وصف الله تعالى بأنه يمرض أو قال إن له صفة المرض كفر بلا مثنوية، مع كون تاء مرضت مضمومة وهي تدل عربية على أن المرض يتعلق بالمتكلم، لأنه مع كل هذا نقول: الظاهر غير مراد وهو مصروف ومؤول عند جميع المسلمين العقلاء، فيكون هذا دليلا واضحا كالشمس من السنة في تعليمنا التأويل.

ومعنى الحديث كما قال الإمام الحافظ النووي في ” شرح صحيح مسلم ” (16/ 126):

” قال العلماء إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى والمراد العبد، تشريفا للعبد وتقريبا له، قالوا: ومعنى: وجدتني عنده أي: وجدت ثوابي وكرامتي …… ” ا ه‍ فتأمل.

وعلى هذه القاعدة الواضحة للتأويل المبنية على نصوص الكتاب والسنة سار الصحابة والتابعون وأتباعهم وأئمة الاجتهاد والحفاظ المحدثون ولننقل لكم بعض تأويلاتهم حتى يزداد القلب طمأنينة وانشراحا فنقول:

3) ممن أول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ” اللهم علمه الكتاب “[3] فقد نقلت عنه تأويلات كثيرة فيما يتعلق بمسألة الصفات بأسانيد صحيحة نذكر بعضها:

أ – أول ابن عباس قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) القلم: 42، فقال:

” يكشف عن شدة ” فأول الساق بالشدة. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” (13/ 428) والحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره (29/ 38) حيث قال في صدر كلامه على هذه الآية:

” قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد ” ا ه‍.

قلت: ومنه يتضح أن التأويل كان عند الصحابة والتابعين وهم سلفنا الصالح.

قلت: ونقل ذلك الحافظ ابن جرير أيضا عن: مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم.

ب – وأول سيدنا ابن عباس رضي الله عنه أيضا قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) الذاريات: 47، ” قال: بقوة ” كما في تفسير الحافظ ابن جرير الطبري (7/ 27)، ولفظة (أيد) هي جمع يد وهي الكف كما في ” القاموس المحيط ” في مادة (يدي) حيث جاء فيه:

” اليد: الكف، أو من أطراف الأصابع إلى الكتف، أصلها يدي جمعها: أيد ويدي ” وانظر ” تاج العروس شرح القاموس ” (10/ 417 – 418). ومنه قوله تعالى: (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها) الأعراف: 7. وتستعمل لفظة (أيد) مجازا وتؤول في عدة معان منها: ” القوة ” كقوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) أي: بقوة، ومنها: ” الإنعام والتفضل) ” ومنه قوله تعالى: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) ص: 17. فتأمل.

وقد نقل الحافظ ابن جرير في تفسيره (27/ 7) تأويل لفظة (أيد) الواردة في قوله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) بالقوة أيضا عن جماعة من أئمة السلف منهم: مجاهد وقتادة ومنصور وابن زيد وسفيان.

ج‍ – وأول أيضا سيدنا ابن عباس النسيان الوارد في قوله تعالى: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) بالترك، كما في تفسير الحافظ الطبري (مجلد 5 / جزء 8 / ص 201) حيث قال ابن جرير: ” أي ففي هذا اليوم، وذلك يوم القيامة ننساهم، يقول نتركهم في العذاب … ” ا ه‍.

فقد أول ابن جرير النسيان بالترك، وهو صرف لهذا اللفظ عن ظاهره لمعنى جديد مجازي، ونقل الحافظ ابن جرير هذا التأويل الصارف عن الظاهر ونقل ذلك ورواه بأسانيده عن ابن عباس ومجاهد … وغيرهم.

وابن عباس صحابي ومجاهد تابعي وابن جرير من أئمة السلف المحدثين، إذن ثبت التأويل في ما يتعلق بالصفات عن السلف بلا شك ولا ريب، وعلى ذلك سار الأشاعرة فهم مصيبون، وقد أخطأ خطأ فادحا وغلط غلطا لائحا من تطاول على الأشاعرة وضللهم لأنهم يؤولون!!، والحق أنهم على هدي الكتاب والسنة سائرون، والحمد لله رب العالمين.

4) الإمام أحمد بن حنبل يؤول أيضا:

روى الحافظ البيهقي في كتابه ” مناقب الإمام أحمد ” وهو كتاب مخطوط ومنه نقل الحافظ ابن كثير في ” البداية والنهاية ” (10/ 327) فقال:

” روى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى: (وجاء ربك) أنه: جاء ثوابه .. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه “. انتهى كلام ابن كثير. وقال ابن كثير أيضا في ” البداية ” (10/ 327):

” وكلامه – أحمد – في نفي التشبيه وترك الخوض في الكلام والتمسك بما ورد في الكتاب والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ” ا ه‍.

5) تأويل آخر للإمام أحمد:

قال الحافظ ابن كثير أيضا في ” البداية والنهاية ” (10/ 327):

” ومن طريق أبي الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) قال: يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث. وعن حنبل عن أحمد أنه قال: يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن ” ا ه‍.

قلت: وهذا تأويل محض، ظاهر واضح، وهو صرف اللفظ عن ظاهره وعدم إرادته حقيقة ظاهرة.

6) تأويل آخر عن الإمام أحمد:

قال الحافظ الذهبي في ” سير أعلام النبلاء ” (10/ 578):

(قال أبو الحسن عبد الملك الميموني: قال رجل لأبي عبد الله – أحمد بن حنبل -: ذهبت إلى خلف البزار أعظه، بلغني أنه حدث بحديث عن الأحوص عن عبد الله – بن مسعود – قال: ” ما خلق الله شيئا أعظم من آية الكرسي … ” وذكر الحديث، فقال أبو عبد الله – أحمد بن حنبل -: ما كان ينبغي أن يحدث بهذا في هذه الأيام – يريد زمن المحنة – والمتن: ” ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي ” وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا عليه هذا يوم المحنة: إن الخلق واقع ههنا على السماء والأرض وهذه الأشياء، لا على القرآن). ا ه‍

7) تأويل آخر عن الإمام أحمد يتعلق بمسألة الصفات:

روى الخلال بسنده عن حنبل عن عمه الإمام أحمد بن حنبل[4] أنه سمعه يقول: (احتجوا علي يوم المناظرة، فقالوا: ” تجئ يوم القيامة سورة البقرة …. ” الحديث، قال: فقلت لهم: إنما هو الثواب) ا ه‍. فتأمل في هذا التأويل الصريح.

8) تأويل الإمام البخاري صاحب الصحيح رحمه الله تعالى:

نقل الحافظ البيهقي في ” الأسماء والصفات ” ص (470) عن البخاري أنه قال: ” معنى الضحك الرحمة ” ا ه‍. وقال الحافظ البيهقي ص (298):

” روى الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى أنه قال: معنى الضحك فيه – أي الحديث – الرحمة ” ا ه‍ فتأمل.

وقد نقل هذا التأويل أيضا الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” كما سيأتي في حديث الضحك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

9) تأويل النضر بن شميل وهو الإمام الحافظ اللغوي من رجال الستة ولد سنة (122) ه‍:

ذكر الحافظ البيهقي في ” الأسماء والصفات ” ص (352) والحافظ ابن الجوزي في هذا الكتاب ” دفع شبه التشبيه ” أن النضر بن شميل الحافظ السلفي قال: إن معنى حديث: ” حتى يضع الجبار فيها قدمه ” أي من سبق في علمه أنه من أهل النار.

وكذا قال ذلك الإمام أبو منصور الأزهري كما نقله الحافظ ابن الجوزي في ” دفع شبه التشبيه ” عنه.

وقال الحافظ ابن الجوزي أيضا:

” وقد حكى أبو عبيد الهروي – صاحب كتاب غريب القرآن والحديث – عن الحسن البصري أنه قال: القدم: هم الذين قدمهم الله تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها “.

10) تأويل الإمام هشام بن عبيد الله:

قال الحافظ الذهبي في ” سير أعلام النبلاء ” (10/ 446) في ترجمته:

” هو الرازي السني الفقيه، أحد أئمة السنة ” توفي سنة (221) ه‍.

ثم قال الذهبي:

” قال محمد بن خلف الخراز: سمعت هشاما بن عبيد الله الرازي يقول:

القرآن كلام الله غير مخلوق، فقال له رجل: أليس الله يقول: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) فقال: محدث إلينا، وليس عند الله بمحدث.

قلت: لأنه من علم الله، وعلم الله لا يوصف بالحدوث ” انتهى كلام الحافظ الذهبي.

11) تأويل سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى:

ذكر الحافظ ابن الجوزي أثناء كلامه على الحديث الحادي والثلاثين في ” دفع شبه التشبيه ” في تأويل حديث: ” آخر وطأة وطئها الرحمن بوج ” أي: آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائف. فانظره هناك.

12) تأويل من جملة تأويلات الحافظ ابن جرير الطبري السلفي ت (311) ه‍:

ذكر الحافظ ابن جرير في ” تفسيره ” (1/ 192) عند تأويل قوله تعالى:

(ثم استوى إلى السماء) ما نصه:

” والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: (ثم استوى إلى السماء) الذي هو بمعنى: العلو والارتفاع. هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهوم، كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه، فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: (استوى): أقبل، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقل: علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال ” ا ه‍.

فاتضح بهذا أن السلف كانوا يفسرون الاستواء بالملك والقهر والسلطان والجلال والرفعة والكبرياء والعظمة، لا بالعلو الحسي، كما صرح بذلك الإمام الحافظ ابن جرير عنهم، وهذا هو الموافق للشرع والعقل، وهو الذي قاله أهل الحديث من بعدهم كالحافظ ابن حبان والحافظ البيهقي وبعدهما مثل الحافظ النووي والحافظ ابن حجر الذي يقول في ” فتح الباري ” (6/ 136) موضحا هذه المسألة:

” ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله أن لا يوصف بالعلو لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس ” ا ه‍.

قلت: وهذا تأويل صريح للعلو من الحافظ بن حجر بأنه علو معنوي لا حسي كما تتوهم المجسمة والمشبهة، ولا يحصى كم للإمام الحافظ ابن حجر وللإمام الحافظ النووي من تأويل في شرحهما على الصحيحين البخاري ومسلم.

13) ابن حبان المتوفى سنة (354) ه‍ يؤول أيضا في صحيحه:

أول الحافظ ابن حبان في صحيحه (1/ 502) حديث: ” حتى يضع الرب قدمه فيها – أي جهنم – ” فقال:

” هذا الخبر من الأخبار التي أطلقت بتمثيل المجاورة، وذلك أن يوم القيامة يلقى في النار من الأمم والأمكنة التي يعصى الله عليها، فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب جل وعلا موضعا من الكفار والأمكنة في النار فتمتلئ، فتقول: قط قط، تريد: حسبي حسبي، لأن العرب تطلق في لغتها اسم القدم على الموضع. قال الله جل وعلا: (لهم قدم صدق عند ربهم) يريد: موضع صدق، لا أن الله جل وعلا يضع قدمه في النار، جل ربنا وتعالى عن مثل هذا وأشباهه ” ا ه‍.

قلت: وقد نقلت هذا الكلام في التعليق رقم (101) على ” دفع شبه التشبيه “.

14) تأويل الإمام مالك رحمه الله تعالى:

روى الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (7/ 143) وذكر الحافظ الذهبي في ” سير أعلام النبلاء ” (8/ 105) أن الإمام مالكا رحمه الله تعالى أول النزول الوارد في الحديث بنزول أمره سبحانه وهذا نص الكلام من ” السير “:

” قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب حدثنا حبيب بن أبي حبيب حدثني مالك قال:

” يتنزل ربنا تبارك وتعالى أمره، فأما هو فدائم لا يزول ” قال صالح: فذكرت ذلك ليحيى بن بكير، فقال حسن والله، ولم أسمعه من مالك “.

قلت: ورواية ابن عبد البر من طريق أخرى فتنبه. وقد ذكرنا هذا عن الإمام مالك في التعليق رقم (129).

15) تأويل الحافظ الترمذي رحمه الله تعالى:

ذكر الحافظ الترمذي في سننه (4/ 692) بعد حديث الرؤية الطويل الذي فيه لفظة ” فيعرفهم نفسه ” فقال: ” ومعنى قوله في الحديث:

فيعرفهم نفسه يعني يتجلى لهم ” ا ه‍ وله تأويل آخر في سننه (5/ 160) 16) تأويل الإمام سفيان الثوري رحمه الله تعالى:

ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (7/ 274) في ترجمة سيد الحفاظ في زمانه الإمام الثوري أن معدان سأل الإمام الثوري عن قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) فقال: بعلمه.

قلت: وهذا تأويل ظاهر وصرف للفظ عن ظاهره، لا سيما وأن لفظة هو الواردة في قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) تعود على الذات لا على الصفات أصلا، ومع ذلك لما كان ظاهرها مستحيلا صرفت إلى المجاز فأولت، والله الموفق.

17) الإمام أبو الحسن الأشعري يؤول في كتابه ” الإبانة ” وفي كتابه ” رسالة أهل الثغر ” اللذين تتظاهر المجسمة والمتمسلفة الاحتجاج بما فيهما:

قال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه ” الإبانة ” المحقق على أربع نسخ خطية (دار الأنصار تحقيق الدكتورة فوقية) ص (21) ما نصه:

” وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش وفوق كل شئ إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى وهو مع ذلك قريب من كل موجود وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كل شئ شهيد ” ا ه‍.

وتنبهوا: إلى أن هذه القطعة من ” الإبانة ” محذوفة من أكثر نسخ الإبانة التي طبعها سلفية العصر والموجودة في الأسواق وبأيدي الناس، وابحثوا عن النسخة المشار إليها وهي متوفرة ومطبوعة.

وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في ” رسالة أهل الثغر ” وهي من آخر مؤلفاته ص (73):

” وأجمعوا على أنه عز وجل يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته لنعيمهم، وأنه يحب التوابين ويسخط على الكافرين ويغضب عليهم، وأن غضبه إرادته لعذابهم ” ا ه‍ فالأشعري هنا يؤول الرضا والغضب بصراحة فأين ما يدعيه المتمسلفون؟!!

18) الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى مؤول أيضا:

كتابنا هذا ” دفع شبه التشبيه ” يثبت ذلك عنه بلا شك، والله الموفق.

فهذه ثماني عشرة نقطة فيها أكثر من عشرين تأويلا عن الصحابة وأهل القرون الثلاثة من أئمة العلماء والمحدثين كلها تثبت مع الأدلة التي سقناها في صدر الكلام أن التأويل حق وأنه من قواعد الشريعة وأنه من نهج السلف الصالح والله الموفق.

____________________________

[1]. وإنني أنصح كل من لم يتفكر في مآله وآخرته وانقلابه إلى ربه ودخوله في قبره من تجار الكتب وأرقائهم الذين يحققون!! الكتب لهم أن يبتغوا طاعة الله ورضاه قبل أن يفكروا في الربح المادي وطرق ترويج الكتب، وخصوصا الكتب التي تحوي عقائد تالفة، وأمورا مفروغا من بطلانها، وليعلم جميع المسلمين أن هناك من يقوم على ترويج كتب فيها مخالفة عقيدة الإسلام الصحيحة باسم الإسلام وإلى ترجمتها إلى لغات عديدة لقاء دراهم معدودة، وإنني أعرف أشخاصا طعنت أسنانهم، ودنا وقت حصادهم للقاء رب العالمين، وهم أبعد الناس عن الرجوع والتفكر في إصلاح قلوبهم وتعميرها بذكر الله تعالى، وتربية نفوسهم وسياستها بل إنهم منهمكون في جمع حطام الدنيا، راغبون في هذه الدنيا، يقولون للناس: كفوا ألسنتكم وقد أجازوا لأنفسهم الولوغ في أعراض الناس وشتمهم بأحقر الكلمات، وأسقط العبارات، والرجل منهم ذو وجهين، يكونون أمام كل إنسان بوجه يلائمه حتى يحصلوا الرضى من الجميع كما يتوهمون، والله أحق أن يخشوه ويرضوه، وقد بلغ الأمر ببعضهم أنهم يدونون في تلك الكتب التي ينشرونها ما لا يعتقدون، ويقولون ما لا يفعلون وأخص منهم من يضعف حديث الذبابة ويدين بذلك ثم يكتب في تعليقاته المنقولة من كتب غيره أنه صحيح (تجاريا)!! وهو يعرف نفسه تماما.

[2]. ولا نطالب من اعتقد أن التأويل ضلال مبين أن يسمي ما سنذكره له من الأدلة الواردة في الكتاب والسنة والأقوال المنقولة عن السلف تأويلا، إذ لا مشاحة في التسمية، وإنما نريد بيان روح المعنى المراد من ذلك وهو عدم إرادة ظاهر تلك النصوص وإنما المراد من ذلك معنى آخر بلاغي في لغة العرب التي نزل بها القرآن وهو ما يسمى بالمجاز أو بأي شئ آخر فتأمل.

[3]. رواه البخاري (الفتح 1/ 169).

[4]. أي أن حنبل سمع الإمام أحمد يقول، وقد نقل هذا لنا عن الخلال المحدث الإمام محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى في تعليقه على ” دفع شبه التشبيه ” ص (28).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد