ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 6 ديسمبر 2017 زيارة: 14

إثبات سماع الأموات للأحياء

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: صحيح شرح العقيدة الطحاوية أو المنهج الصحيح في فهم عقيدة أهل السنة والجماعة ص497-501
تأليف: حسن بن علي السقاف الشافعي

اعلموا يرحمكم الله تعالى أن بعض من توهم أن الأموات لا يسمعون ظنوا أن قول الله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور) [فاطر: 22]، دليلا على ذلك، وليس كذلك، بل هذه الآية دليل على أن الكفار المصرين على الباطل لن ينتفعوا بالتذكير والموعظة كما أن الأموات الذين صاروا إلى قبورهم لن ينتفعوا بما يسمعونه من التذكير والموعظة بعد أن خرجوا من الدنيا على كفرهم، فشبه الله تعالى هؤلاء الكفار المصرين بالأموات من هذا الوجه، ونص على ذلك أهل التفسير فراجعه، وإني أنقل لك قول واحد منهم:

جاء في تفسير ابن كثير (3 / 560) في تفسير آية (وما أنت بمسمع من في القبور) أن المعنى:

أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم (إن أنت إلا نذير) [فاطر: 22] ا ه‍.

واعلم أن الله تعالى قال (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين)[1] [النمل: 80]، وأنت تعلم أن الأموات لا يولون مدبرين بعد العظة والتذكير، وإنما المراد بذلك الكفار، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كما في البخاري (11 / 208): مثل الذي يذكر الله تعالى والذي لا يذكره مثل الحي والميت.

إذا فهمت ذلك فتدبر الآن في أدلة سماع الأموات:

1- روى الإمام البخاري (7 / 301) ومسلم (2 / 643) في صحيحيهما من حديث ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما) قال: “وقف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على قليب بدر فقال: “هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟” ثم قال: “إنهم الآن يسمعون ما أقول…”.

وفي رواية في الصحيح (البخاري 7 / 301): أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم” ا ه‍.

ومن رد هذا الكلام الصريح بكلام السيدة عائشة قلنا له: قال ابن حجر في فتح الباري (7 / 304) ما نصه:

ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة – يعني أنها أثبتت أن الأموات يسمعون – وفيه ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة ا ه‍.

2- عن سيدنا ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إن لله تعالى ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام” رواه الحاكم في المستدرك (2 / 421) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي فيض القدير (2 / 479): رواه أحمد في المسند والنسائي وابن حبان والحاكم، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال الحافظ العراقي: الحديث متفق عليه دون قوله سياحين ا ه‍.

3- قال الحافظ السيوطي في “اللمعة في أجوبة الأسئلة السبعة” (الحاوي 2 / 170): [روى الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار والتمهيد من حديث ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام صححه الحافظ أبو محمد بن عبد الحق].

قلت: رواه الخطيب في تاريخه (6 / 137) وهو صحيح كما بينته في كتابي “الإغاثة بأدلة الاستغاثة” .

4- عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام” رواه أبو داود وغيره، وصححه النووي في رياض الصالحين وفي الأذكار، وقال الحافظ ابن حجر: رجاله ثقات، كما في فيض القدير (5 / 460).

قال الإمام الحافظ السيوطي في رسالته “إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء” المطبوع ضمن الحاوي (2 / 147): [قوله (رد الله) جملة حالية، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلا ماضيا قدرت (قد)، كقوله تعالى: (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) [النساء: 90] أي قد حصرت، كذا تقدر هنا، والجملة ماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد و (حتى) ليست للتعليل بل مجرد حرف عطف بمعنى الواو، فصار تقدير الحديث: (ما من أحد يسلم علي إلا قد رد الله عليّ روحي قبل ذلك فأرد عليه).

وإنما جاء الإشكال على من ظن أن جملة (رد الله علي) بمعنى الحال، أو الاستقبال، وظن أن (حتى) تعليلية، وليس كذلك، وبهذا الذي قررناه ارتفع الإشكال من أصله وأيده من حيث المعنى: أن الرد لو أخذ بمعنى الحال والاستقبال لزم تكرره عند تكرار سلام المسلمين، وتكرر الرد يستلزم تكرار المفارقة، وتكرر المفارقة يلزم عليه محذوران:

أحدهما: تأليم الجسد الشريف بتكرار خروج الروح منه، أو نوع ما من مخالفة التكريم إن لم يكن تأليم. والآخر: مخالفة سائر الشهداء وغيرهم، فإنه لم يثبت لأحد منهم أن يتكرر له مفارقة الروح وعودها في البرزخ، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بالاستمرار الذي هو أعلى رتبة]. انتهى كلام الحافظ السيوطي.

5 – وعن أبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “والذي نفس أبي القاسم بيده لينزلن عيسى ابن مريم إماما مقسطا وحكما عدلا، فليكسرن الصليب ويقتلن الخنزير وليصلحن ذات البين وليذهبن الشحناء وليعرضن المال فلا يقبله أحد، ثم لئن قام على قبري فقال يا محمد لأجبته” رواه أبو يعلى (11 / 462 برقم 6584) والحاكم (2 / 595).

قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8 / 211): قلت هو في الصحيح باختصار رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح[2] انتهى.

قلت: وفي قوله (لأجبته) دلالة ظاهرة في سماعه إياه.

6- وجاء في الصحيحين البخاري (الفتح 3 / 205) ومسلم وكذا عند أحمد والسدي والبزار وابن حبان مرفرعا: “إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم”

وهو محمول عندنا على سماعه إياهم في البرزخ إن قلنا بصحته.

7- جاء في حديث أبي هريرة والسيدة عائشة وبريدة واللفظ له عند مسلم وغيره كما في “تلخيص الحبير” (2 / 137): “أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول إذا ذهب إلى المقابر: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أسال الله لنا ولكم العافية”. [رواه مسلم 249]

قلت: وهذا نداء ودعاء للأموات صريح من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخطاب من لا يسمع ولا يعقل غير جائز وغير معقول. وبذلك ثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الأموات يسمعون، وقد كتب بعض الناس في هذه الأيام ما يفيد عدم سماعهم مستدلين بظاهر الآية التي ذكرناها لكن استدلالهم بها خطأ لما بيناه، والله الموفق.

_________________________

[1]. الضمير في قوله سبحانه (إذا ولوا مدبرين) عائد على الموتى وعلى الصم، لأن المراد بكل منهما الكفار وهذا ظاهر بداهة، فالموتى والصم هم الكفار لا الأجساد، ونص على ذلك أئمة محققي المفسرين قال الطبري في تفسيره (مجلد 11 جزء 20 صحيفة 12):

[وقوله (إنك لا تسمع الموتى) يقول: إنك يا محمد لا تقدر أن تفهم الحق من طبع الله على قلبه فأماته لأن الله قد ختم عليه أن لا يفهمه (ولا يسمع الصم الدعاء) يقول: ولا تقدر أن تسمع ذلك من أصم الله عن سماعه سمعه (إذا ولوا مدبرين) يقول: إذا هم أدبروا معرضين عنه لا يسمعون له، لغلبة دين الكفر على قلوبهم ولا يصغون للحق ولا يتدبرون ولا ينصتون لقائله، ولكنهم يعرضون عنه وينكرون القول به والاستماع له] انتهى من الطبري.

وهذا يثبت بلا شك أن الضمير في قوله (ولوا) يعود على الأموات وعلى الصم.

وكذا قال الإمام الحافظ أبو حيان في تفسيره النهر الماد (2 / 634) فليراجع.

[2]. مع أننا لا نقول بصحة هذا الحديث لأمور أخرى تتعلق بمتنه وإنما أوردناه من باب الإلزام للخصم.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد