ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 14 يناير 2018 زيارة: 84

استحباب زيارة القبور ورشد الرحيل إليها سيما زيارة قبره الشريف (صلى الله عليه وسلم)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: النقول الشرعية في الرد على الوهابية 50-59
تأليف: حسن الشطي

أما زيارة قبر نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) فهي من أفضل الطاعات وأجل القربات، وردت بها الآثار وحث عليها النبي المختار وتنافس بها الأئمة الأخيار لقوله (صلى الله عليه وسلم): «من زار قبري وجبت له شفاعتي»[1]، وقوله (عليه السلام): «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي»[2] وفي رواية «من جاءني زائراً لا تعمله حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» وقال في الإقناع والمنتهى اللذين هما عمدة المذهب الأحمد:

«وإذا فرغ يعني الحاج من الحج استحب له زيارة قبره (عليه السلام) وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر (رضي الله عنهما) انتهى.

قال في شرح الإقناع:

(قال ابن نصر الله: من لازم استحباب زيارة قبره (عليه السلام) وصاحبيه استحباب شد الرحل إليها لأن زيارته (عليه السلام) للحاج لا تمكن دون شد الرحل) انتهى.

فهو تصريح باستحباب شد الرحل للزيارة، ثم لا مخصص لذلك، فنقول بجواز شدها لزيارة المشاهد كلها والقبور.

وقال في الاقناع:

(قال الامام أحمد: إذا حج الذي لم يحج قط يعني عن غير طريق الشام فلا يأخذ على طريق المدينة لأنه إن حدث به الموت كان في سبيل الحج، أي ينبغي له أن يقصد مكة من أقصر الطرق ولا يتشاغل بغير الحج، ثم قال الامام: وإن كان الحج تطوعاً بدأ بالزيارة) انتهى.

قال ابن نصر الله في هذا أي نص الامام المذكور دليل أن الزيارة مقدمة في الفضيلة علي نفل الحج وعلى استحباب شد الرحل إليها قبله، ومقتضي عمومه للنساء أيضاً.

وأما التمسح بقبره الشريف فلم يثبت عن أحد من الحنابلة إلا ما نقله في شرح الاقناع في الجنائز عن الإمام إبراهيم الحربي صاحب الإمام أحمد أنه يستحب تقبيل حجرة النبي (عليه السلام)، والإمام قد أحاط بالسنة، فلا بد هناك من دليل له، وحاشاه من أن يحكم بشيء بلا دليل، والله أعلم.

وأما زيارة بقية القبور فقد صحت بها الأخبار أيضاً، واتفق على اعتيادها للرجال والفقهاء من الصحابة وغيرهم، فإنه ثبت أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يكثر زيارة قبور البقيع في كل جمعة، فتسن زيارتها للاعتبار والتذكر[3] ولانتفاع الميت بالقراءة عنده والذكر ولم يختلف اثنان بذلك، وأما للنساء فيجوز بطريق الصدفة لا القصد، ولكن على وجه البذلة وأمن الفتنة، ولو قيل بمنعها في هذا الزمان الكثير الشر والفساد القليل الخير لا يبعد كما نقله المتأخرون، سيما وقد ورد عن عائشة الصديقة (رضي الله عنها) وعن أبيها أنها قالت: «لو أدرك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما أحدث النساء اليوم لمنعهن المساجد»[4]، فالقبور من باب أولى، وهذا في زمنها ففي زماننا من باب أولى، ولذا أطلق بعضهم المنع بالنسبة إليهن، وهو حسن لا يشك به عارف بأحوال الزمان اليوم، وربما يحمل عليهن حديث «لعن الله زوارات القبور»[5]، وقد قدمنا نقل شرح الإقناع عن صاحب الإمام أحمد إبراهيم الحربي أنه قال: (الدعاء عند قبر معروف الترياق المجرب)، أقول: يوخذ من هذا تقصد المواضع الفاضلة عند الدعاء رجاء الإجابة، وشواهد هذا كثيرة لا تعارض.

وقال القسطلاني في المواهب اللدنية: قد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور كما حكاه الامام النووي، وأوجبها الظاهرية، ومحل الاجماع للرجال فقط، فعلم من هذا استحباب زيارة مشاهد الصالحين والأولياء وغيرهم.

وأما شد الرحل لزيارة القبور والمشاهد فهو مباح لا كراهة فيه في متعمد مذهب الامام أحمد، وقال في المنتهى والاقناع وشرحيهما في صلاة القصر: إن السفر يكون واجبا كالسفر لحج وجهاد متعين، ومسنونا كالسفر لزيارة الاخوان وعيادة المريض وزيارة الوالدين، ومباحاً كالسفر لنزهة وفرجة وتجارة أو قصد مشهد أو قبر نبي أو مسجد غير الثلاثة، فمنه يعلم أن شد الرحل لغير الثلاثة مباح لا كراهية فيه، وفي الاقناع وشرحه: ويترخص أي المسافر إن قصد بسفره مشهداً أو قصد مسجداً ولو غير الثلاثة أو قصد قبر نبي أو غيره كولي، وحديث: «لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصي»[6] أي لا يطلب ذلك فليس نهياً عن شدها لغيرها خلافاً لبعضهم، لأنه (عليه السلام) كان يأتي قباء راكباً وماشياً ويزور القبور ويقول: «زوروها فإنها تذكر الآخرة»[7]، وقوله خلافاً لبعضهم، أي لبعض أئمة الحنابلة الذين كرهوا شد الرحل لزيارة المشاهد ومنعوه من الترخص في سفره كأبي الوفاء بن عقيل البغدادي والشيخ تقي الدين ابن تيمية الحراني وتلميذه ابن القيم، والمذهب الصحيح ما قدمناه عن الإقناع والمنتهى.

وأجاب بعضهم عن الحديث المذكور أن معناه لا تشد الرحال إلى مسجد لأجل تعظيمه والصلاة فيه إلا إلى المساجد المذكورة، فإنها تشد الرحال إليها لتعظيمها والصلاة فيها، ولا بد من تقدير في الحديث المذكور، وإلا لاقتضى منع شد الرحل للحج والجهاد والهجرة من دار الكفر لدار السلام ولطلب العلم وللتجارة وغير ذلك، ولا يقول بهذا أحد، ويدل على التقدير المذكور آنفاً التصريح به في حديث سنده حسن وهو قوله (صلى الله عليه وسلم): «لا ينبغي للمطي أن تشد رحالها الى مسجد يبتغي الصلاة فيه غير المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» [8] وذكر العلامة القسطلاني في شرح البخاري عند قوله (صلى الله عليه وسلم): «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»: اختلف العلماء في شدها لغيرها أي المساجد الثلاثة، كالذهاب إلى زيارة مشاهد الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، فقال أبو محمد الجويني: يحرم عملا بظاهر هذا الحديث، واختاره القاضي حسين، وقال به القاضي عياض وطائفة، والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية الجواز، وخصوا النهي بنذر الصلاة في غير الثلاثة، وأما قصد غيرها لغير ذلك كالزيارة فلا يدخل، وما ذهب إليه الشيخ تقي الدين من منعه شد الرحال لزيارة المشاهد مطلقا فليس بمذهب للإمام أحمد، ولم يصح رواية عنه فيه.

والمذهب ما قدمناه عن الإقناع والمنتهى والشيخ مع علة كعبه في العلوم وتقدمه في المنطوق والمفهوم لا يتابع في مسألتي الزيارة والطلاق الثلاث على أن المحققين من أصحابه أجابوا عنه بأنه كره اللفظ أدباً لا أصل الزيارة، فإنها من أفضل الأعمال وأجل القرب الموصلة إلي ذي الجلال، وهو قريب، وإلا فيبعد مع مقام الشيخ وتفضيله السفر للتجارة والنزهة على السفر للزيارة ونحوها، ولأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع، وأيضاً حديث: «لا تشد الرحال» وارد في النهي عن نذر الصلاة في غير المساجد الثلاثة لاستواء فضيلتها، فمن نذر الصلاة في أحد المساجد الثلاثة لزمه ذلك، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في البويطي واختاره أبو إسحاق المروزي، وقال أبو حنيفة لا يجب مطلقا، وقال الشافعي في الأم يجب في المسجد الحرام لتعليق النسك به بخلاف الآخرين، ومن نذر إتيان غير هذه الثلاثة لصلاة أو غيرها فلا يلزمه لاستواء فضيلتها، فتكفي صلاته في أي مسجد شاء، قال النووي: لا اختلاف فيه إلا ما روي عن الليث من وجوب الوفاء، وعن الحنابلة رواية أنه لا يجب، ويلزمه كفارة يمين.

وغالب هذه العبارة من القسطلاني، في شرح البخاري والله أعلم وأحكم.

______________________________

[1]. رواه أبو الشيخ وابن أبي الدنيا وغيرهما عن ابن عمر وهو في صحيح ابن خزيمة وأشار إلى تضعيفه، وعند أبي الشيخ والطبراني وابن عدي والدار قطني والبيهقي ولفظهم كان كمن زارني في حياتي، وضعفه البيهقي.

وقال الذهبي طرقه كلها لينة لكن يتقوي بعضها ببعض لأن ما في رواتها متهم بالكذب. قال ومن أجودها إسناد حديث حاطب الذي أخرجه ابن عساكر وغيره من زارني بعد فكأنما زارني في حياتي. وللطيالسي عن عمر مرفوعا: من زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً. وللسبكي شفاء السقام في زيارة خير الأنام، وذكر فيه أحاديث كثيرة في هذا المعنى.

و كذا ذكر ابن حجر المكي في كتابه الجواهر المنظم أحاديث من هذا النمط: منها قوله (عليه السلام) من زارني أو من زار قبري الي المدينة كنت له شفيعا وشهيدا، وروى البيهقي عن أنسي (رضي الله تعالي عنه) من زارني في المدينة محتسبا كنت له شهيداً وشفيعا يوم القيامة.

[2]. رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في السنن الكبرى.

[3]. روى الترمذي في كتاب الجنائز (باب: ما جاء في الرخصة في زيارة القبور) رقم [1054] عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة». قال أبو عيسى حديث بريدة حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بزيارة القبور بأسا وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق.

ورواه مسلم في الجنائز (باب: استئذان النبي ربه عزوجل في زيارة قبر أمه) رقم [977] عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها».

[4]. رواه البخاري في كتاب الأذان (باب: انتظار الناس قيام الامام العالم) رقم [869]، ومسلم في كتاب الصلاة (باب: خروج النساء الى المساجد اذا لم يترتب عليه فتنة) رقم [445].

[5]. رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز (باب: ما جاء في النهي عن زيارة النساء القبور) رقم [1576]، ورواه الترمذي في كتاب الجنائز (باب: ما جاء في الرخصه في زيارة القبور) رقم [1056] «عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعن زوارات القبور» قال أبو عيسي هذا حديث حسن صحيح، وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي (صلى الله عليه وسلم) في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء وقال بعضهم إنما كره زيارة القبور للنساء لقله صبرهن وكثرة جزعهن.

[6]. رواه البخاري في كتاب الجمعة (باب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينه) رقم [1189]، ومسلم في كتاب الحج (باب: لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد) رقم [1367].

[7]. تقدم تخريجه.

[8]. رواه أحمد في باقي مسند المكثرين مسند أبي سعيد الخدري رقم [11215].

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد