ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 28 ديسمبر 2017 زيارة: 36

استحباب زيارة قبور الأنبياء وآل البيت والصحابة والشهداء (عليهم السلام)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: صحيح شرح العقيدة الطحاوية أو المنهج الصحيح في فهم عقيدة أهل السنة والجماعة ص717-723
تأليف: حسن بن علي السقاف الشافعي

أما زيارة القبور: فسنة بالاتفاق، وخاصة قبور الأنبياء وآل البيت (عليهم سلام الله تعالى) والصحابة الأبرار الكرام وأئمة السلف الصالحين والصالحين والشهداء، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وليس لها معارض.

ومنها حديث أبي سعيد الخدري قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها[1].

وقد نهى الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن زيارة قبور المنافقين والكافرين، فقال سبحانه (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون)[2] فأفاد ذلك جواز زيارة قبور المؤمنين والمسلمين.

وقد سألت السيدة عائشة (رضي الله عنها) وعن أبيها سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقالت: ماذا أقول إذا أتيت البقيع؟ قال: قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون” رواه مسلم (2 / 671) ومنه يؤخذ جواز زيارة المرأة للقبور أيضا إذا أمنت الفتنة.

أما حديث الصحيحين[3]:  “لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد” فهو حديث شاذ مردود كما قال سيدي عبد الله بن الصديق في كتابه «الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة»[4] ص (105) لأن في الحديث إشكال كبير وهو: كيف يلعَن النصارى بسبب اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد مع أنه ليس لهم إلا نبي واحد وهو سيدنا عيسى (عليه السلام) ولم يدفن وإنما عرج به إلى السماء؟!

ثم كيف يحترم اليهود الأنبياء يجعلون على قبورهم مساجد وقد اشتهر عنهم معاداة النبي ين والمرسلين حتى قال الله تعالى عنهم (ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) البقرة: 87.

ثم لو سلمنا بصحة الحديث فليس مرادا به البناء على القبر البتة، وإنما المراد به اتخاذ القبر مسجدا ومعنى ذلك الصلاة على القبر، كما قاله ابن حجر المكي في الزواجر (1 / 148). ثم نقول أيضا على فرض صحة الحديث: إن هذا الذم واقع على اليهود والنصارى لا على هذه الأمة بالإجماع، لأن الصحابة دفنوا سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بناء وهو بيت السيدة عائشة وهذا بإجماع الأمة زمن الصحابة حتى هذا اليوم.

فإن قال قائل: هذا خاص بالانبياء فقط.

قلنا: ليس كذلك! بل إن هذا القول ظاهر البطلان لإجماع الأمة على دفن سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر (رضي الله عليهما) بجنبه (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك البناء، وذلك البناء ملصقا بمسجده النبوي الشريف ثم أدخل في عهد السلف بإشراف الخليفة الراشد الراشد الإمام المجتهد القدوة السلفي عمر بن عبد العزيز في المسجد عندما وسع (أنظر البخاري والفتح 3 / 255 و257) وقد انعقد على ذلك إجماع الأمة بلا نكير، ومخالف الإجماع ضال مضل، وهذا كله مع قوله تعالى في معرض الثناء على أناس من المؤمنين في كتابه العزيز: (وقال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا) والمقرر أن الكفر والشرك لا يكون حلالا ممدوحا في شريعة دون شريعة، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.

وقد نقل الذهبي في «سير أعلام النبلاء» عن السلف أشياء كثيرة في الدعاء عند قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وقبور آل البيت النبوي الشريف والعلماء والصالحين، منها:

1 – ما ذكره عن محمد بن المنكدر أنه كان يجلس مع أصحابه، فكان يصيبه صمات، فكان يقوم كما هو حتى يضع خده على قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يرجع، فعوتب في ذلك، فقال: «إنه يصيبني خطر، فإذا وجدت ذلك، استعنت بقبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) . [انظر السير 5 / 359].

2 – وقال في ترجمة منصور بن زاذان (5 / 441) وهو من رجال السنة: «وقبره بواسط ظاهر يزار».

3 – وقال في ترجمة السيدة نفيسة وهي من آل البيت (10 / 107): «والدعاء مستجاب عند قبرها بل وعند قبور الانبياء والصالحين».

4 – وقال في ترجمة يزيد بن هارون وهو من رجال الستة (9 / 368): «أما من سار إلى زيارة قبر فاضل من غير شد رحل فقربة الإجماع بلا تردد!».

5 – وقال في ترجمة معروف الكرخي (9 / 343): قال إبراهيم الحربي: «قبر معروف الترياق المجرب. يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء».

والأمثلة في ذلك كثيرة لا تكاد تحصى.

فتبين من هذا أن زيارة القبور ليست من الشرك ولا من مظاهر الشرك بوجه من الوجوه، وبعض الناس يقولون ليست زيارة القبور شركا إنما الشرك هو ما يقترن بزيارة القبور من أفعال شركيات كدعاء الأموات والتوسل والاستغاثة بهم!!

ونقول: اعلموا أن الجواب على هذا من وجهين:

(الأول): نقول لهم لماذا إذا تعممون القول وتنفرون الناس عن زيارة القبور والنبي (صلى الله عليه وسلم) رغب فيها، ونرى واقعكم أيضا يخالف ما تدعونه من أن المنهي عنه هو ما يقترن بزيارة القبور حيث نجدكم لا تذهبون لزيارتها ولا تحافظون على السنن المأثورة عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

(والثاني): أن دعاء الأموات الذي معناه خطابهم وندائهم، والتوسل بمن نقل لنا صلاحه منهم وإمامته في الدين، والاستغاثة بهم ليس كفرا ولا شركا كما سنبين بكل وضوح واختصار بعد قليل في الكلام على القضية الثانية والثالثة بالنصوص والبراهين والحجج والأدلة التي لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها، لكننا ننبه هنا ونستثني فنقول:

إن من عظم أولئك الأولياء واعتقد أنهم يتصرفون في الكون وأن بيدهم الخير والنفع أشرك وكفر وارتد، لأن حال الميت كحال الحي تماما إلا في وصف الموت والحياة، فهم يدركون ويسمعون كما مر معنا وتقدم في آخر «فصل الإيمان بنعيم القبر» من هذا الكتاب، ومن اعتقد في إنسان حي أيضا أنه يتصرف في الخلق وبيده الخير والشر لا على سبيل المجاز كفر وارتد.

وأما المتصوفة (الذين يدعون التصوف وهم ليسوا صوفية في الحقيقة) الذين أساءوا في هذه القضية وفي غيرها من القضايا فإليك ما قاله الجهابذة العارفون بحالهم وحقائقهم عنهم وهو القول الفصل:

قال السيد العلامة الجهبذ محمد بن عقيل الباعلوي عليه (رضوان الله تعالى): «والصوفية قد خدم الإسلام صالحوهم (رضي الله عنهم)، ولكن المنتسبين إليهم من المتصوفة والزنادقة قد أفسدوا الإسلام وأهله وعمموا عقيدة الجبر الصرف وأخروا الإسلام بأضعاف ما قدمه ونفعه به المخلصون…».

وقال السيد العلامة الجهبذ أبو بكر بن شهاب في «الترياق النافع شرح جمع الجوامع» (2 / 174): [وقال أبو بكر الدقاق: «كل حقيقة لا تتبع شريعة فهي كفر». أقول: ومن هذا الباب دخل كثير من المتصوفة الكذابين إلى التخريق في أمور الشريعة وادعوا أن ذلك إلهاما من الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله].

وقد ذمهم أيضا العلامة تقي الدين الحصني في «كفاية الأخيار» في غير ما موضع منها. ومن السيء للأسف ما نراه اليوم من إعراض كثير ممن ينسبون أنفسهم إلى التصوف ويتخيلون أنهم من الأولياء والأصفياء عن العلم والعلماء، حتى قال بعضهم: العلم حجاب بين العبد وربه، وقال آخرون منهم: من اشتغل بالعلم والحديث خاصة ولم يسر على طريقتهم العرجاء النكراء محروم من رؤية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)!! حيث يدعي هؤلاء الفسقة الفجرة أنهم يرون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو يجتمعون به كذبا وزورا!! ولذلك نراهم لا يلتفتون إلى تحريم الله تعالى الكذب في كتابه العزيز، ولا إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أفرى الفرى أن يري عينيه ما لم تر» رواه البخاري (12 / 427).

وما أجمل قول الإمام عبد الرحمن الأخضري المالكي الصوفي رحمه الله تعالى وهو تلميذ الشيخ أحمد زروق حيث يقول:

قد ادعوا من الكمال منتهى * تكل عن تحصيله أولو النهى

فزعموا أن لهم أحوالا * وأنهم قد بلغوا الكمالا

والقوم لا يدرون ما الأحوال * فكونها لمثلهم محال

حاشا بساط القدس والكمال * تطؤه حوافر الجهال

واتخذوا مشايخا جهالا * لم يعرفوا الحرام والحلالا

فنفروهم من دعاة الدين * أولي الهدى والعلم والتمكين

فظهرت في جملة البلاد * طائفة البلع والازدراد

آه على طريقة الرجال * أفسدها طوائف الجهال

وقال آخر:

يا سائلا عن سنن الفقير * سألت ما عز عن التحرير

إن الذي سألت عنه ماتا * وصار بعد أعظما رفاتا

فطمست أعلامه تحقيقا * فلم تجد بعد لها طريقا

عاش بها القوم بخير عيشه * فصيرت من بعدهم معيشه

يدعى الذي يسير فيها سالك * وسالكوها اليوم حزب هالك

ومن عادة هؤلاء المتصوفة (أدعياء التصوف) المنحرفين أن يحاربوا كل من أراد نصيحتهم وإرشادهم وتصحيح ما هم عليه من الجهل والخرافات وهذا فعلهم في الماضي والحاضر، أما الحاضر فقد شاهدنا ذلك منهم كثيرا لمن حاول تقويم طريقتهم من السادة العلماء وأما في الماضي فعلى ذلك أمثلة كثيرة منها أن الإمام القدوة أبا الحسن ابن ميلة المولود سنة نيف وعشرين وثلاث مائة «كان ينكر على المتشبهين بالصوفية وغيرهم من الجهال فساد مقالاتهم في الحلول والإباحة والتشبيه، وغير ذلك من ذميم أخلاقهم فعدلوا عنه لما دعاهم إلى الحق جهلا وعنادا» . [أنظر سير أعلام النبلاء (17 / 298) و أخبار أصبهان (2 / 24) للحافظ أبو نعيم].

وفي هذا كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.

هذا ونحن نسعى ليلا نهارا لإثبات وخدمة التصوف المحرر الذي كان عليه سلفنا الصالح المبني على الكتاب والسنة، كسعينا وحرصنا على بث الفقه الإسلامي والعقيدة الإسلامية الصافية المحررة المبنية على نصوص الكتاب والسنة، ولا يعني هذا أيضا أن لا نخالف من قبلنا في بعض آرائهم أو اجتهاداتهم لأن الإنسان سواء كان من السابقين أو اللاحقين أو كان من السلف أو من الخلف ليس معصوما من الخطأ ولا من الزلل!! وإنما المنزه عن الخطأ والزلل هو القرآن الكريم وقول الرسول الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فافهم ذلك ولا تغفل عنه.

وكما أنه يجب أن يكون في كل عصر ومصر مجددون في الفقه والحديث والعقائد ومغربلون لها مما قد يدخل عليها مما لا أصل له في الكتاب والسنة، فكذلك ينبغي أن يكون في كل عصر ومصر مجددون ومغربلون للتصوف لأنه أكثر هذه الأمور تعرضا لمن يدخل فيه ما ليس منه مما لا يمت إلى الكتاب والسنة بصلة من الصلات، وإنما كان هو الأكثر تعرضا لدخول الخطل والزلل فيه لأن أكثر المنتمين له في الأعصار المتأخرة قد أقفلوا عقولهم وجعلوا المشايخ في مقام العصمة وابتعدوا عن العلم الذي بواسطته يملكون الموازين التي يميزون بها بين الغث والسمين، ولأن نفوس أكثر المترسمين بهذا الأمر نفوس فرعونية وإن كانت صورهم في الظاهرصور محمدية صديقية!! لكن نفوسهم تأبى النصح والنصيحة وتأنف من الاعتراف بالحق والانصياع للشرع، لا سيما إذا كان المترسم بهذا الأمر يتمتع بجهالة وسفسطائية، ويتخيل أنه غوث البرية، وقطب رحى الدوائر الإلهية، وغير ذلك من الترهات المحكية، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك جمع الأموال والتلبيس على العامة والبسطاء والغوغاء الذين تغرهم الصور والرسوم، ولا يدركون حقائق الأمور، نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ويرزقنا التواضع والخشية، ويجعلنا ممن يجاهد في سبيله، ويقول الحق ولا يخشى في الله تعالى لومة لائم، ولا تقريع حاسد أو عاذل هائم، إنه سميع مجيب، وبصير رقيب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]. رواه مالك في الموطأ، ص(485) ومسلم (2 / 672) والنسائي (8 / 311) وغيرهم وهوصحيح.

[2]. التوبة، 84.

[3]. رواه البخاري (3 / 255) ومسلم (1 / 366).

[4]. وقد حققت هذا الكتاب بفضل الله تعالى ووقع هذا الحديث ص (38) من النسخة المحققة طبع دار الإمام النووي 1426 هـ.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد