ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 5 يوليو 2019 زيارة: 145

الآيات البينات في سماع الأموات عند الحنفية السادات

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: البصائر لمنكري التوسل بأهل المقابر (ص21-32)
تأليف: الشيخ مولانا حمد الله جان الداجوي

أدلة سماع الموتى کثيرة ولنذكر قدرا ضروريا من ذلك.

منها حديث (قليب بدر) كما ذكره (الصحاح) أنه عليه الصلوة والسلام ناداهم بأسمائهم [يا أبا جهل! يا فلان! (… قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا * الآية. الأعراف:44)] فقال عمر (رضي الله عنه) يا رسول الله! أتكلم أجساد بلا أرواح؟ فقال عليه الصلوة والسلام (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع من هؤلاء ولكن لا يجيبون) فهذا الحديث دليل واضح على أن الموتى يسمعون ولكن لا يجيبون بل سماعهم أشد من سماع الأحياء ولا يلزم من نفي الإجابة والجواب نفي السماع لأنه ليس بينهما عينية ولا ملازمة فإن الأخرس يسمع ولا يقدر على الجواب وإن قلت إنه في الابتداء، قلنا وإن كان في الابتداء إلا أنه سماع الموتى والمقصود في هذا المقام إثبات نفس سماع الأموات ولا ندعى أن للأموات سماعا في كل وقت. وأما إنکار عائشة رضي الله عنها فإنما هو لأجل تمسكها بظاهر قوله تعالى (إنك لا تسمع الموتى * الآية. النمل: 80) و( … وما أنت بمسمع من في القبور * فاطر: 22) وقد أجاب العلماء أن في الآية نفي الإسماع ولا يلزم منه نفي السماع لا بنفسه ولا على قاعدة المطاوعة على ما سيجيئ في المقاصد الآتية.

ومنها قوله عليه الصلوة والسلام: (ان الميت ليسمع خفق نعالهم) فهذا ايضا دليل على أن الميت يسمع صوتا خفيا وهو صوت خفق النعال وإن قلت إنه في أول الوضع، قلنا المقصود في هذا المقام إثبات أن لا منافاة بين الموت والسماع ولا شك أنه في أوّل الوضع ميت وإلا لما دفن ولما صلى عليه.

ومنها قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا * الآية. آل عمران: 169) و ( … بل أحياء ولكن لا تشعرون * البقرة: 154) قال في التفسير المظهري (ج: 2، ص: 121) يعني أن الله يعطى لأرواحهم قوة الأجساد فيذهبون من الأرض والسماء والجنة حيث يشاؤون وينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم، إن شاء الله تعالى ومن أجل ذلك الحياة لا تأكل الأرض أجسادهم.

قال البغوي[1] قيل: إن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة قال عليه الصلوة والسلام: (إن الشهداء إذا استشهدوا أنزل الله جسدا کأحسن جسد ثم يفال لروحه ادخلي فيه فتنظر إلى جسده الأول … ). ثم قال فذهب جماعة من العلماء إن هذه الحياة مختصة بالشهداء والحق عندي عدم اختصاصها بهم بل حياة الأنبياء أقوى منهم وأشد ظهور إثارا في الخارج حتى لا يجوز النکاح بأزواج النبي عليه الصلوة والسلام بعد وفاته بخلاف الشهيد. والصديقون ايضا أعلى درجة من الشهداء والصالحون يعني أن الأولياء ملحقون بهم كما يدل عليه الترتيب في قوله تعالى ( … فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين * الآية. النساء: 69) ولذا قالت الصوفية العلية: (أرواحنا أجسادنا وأجسادنا أرواحنا) وقد تواتر عن كثير من الأولياء أنهم ينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم ويهدون إلى الله تعالى من يشاء الله تعالى.

وقد ذكر المجدد رحمه الله تعالى[2] أن أرباب کمالات النبوة بالوراثة قلت وهم الصديقون والمقربون في لسان الشرع يعطي لهم من الله تعالى وجودا موهوبا. ويدل على أن أجساد الأنبياء والشهداء وبعض الصلحاء لا يأكلها الأرض ما أخرجه الحاكم[3] وابن داود عن اوس بن اوس. قال قال رسول الله صلى عليه وسلم: (إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) وأخرج ابن ماجة عن أبي الدرداء نحوه.

وأخرج مالك عن عبد الرحمن بن صعصعة أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن جبير الانصاري كان قد حفر السيل قبرهما وكان قبرهما مما يلي السيل وكانا فيقبر واحد ممن استشهد يوم أخد فحفر ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كانهما ماتا بالأمس وكان بين حفرهما وغزوة أي ست وأربعون سنة.

وأخرج البيهقي أن معاوية رضي الله عنه أراد أن يجرى كظامة (نهرا)، نادي من له قتيل بأحد فليشهد فخرج الناس إلى قتليهم فوجدوهم رطابا ينبتون فأصابت المسيحات رِجل رجُل منهم فانبعث دما ولقد كانوا يحفرون التراب فحفروا نثرة من تراب فاح عليها ريح المسك، هكذا أخرجه الواقدي[4] عن شيوخه وأخرج ابن ابي شيبة[5] نحوه.

وأخرج البيهقي عن جابر رضي الله عنه وفيه فأصابت المسيحات قدم حمزة رضي الله عنه فانبعث دما إلى غير ذلك من الروايات التي تدل على سلامة أجسادهم.

وقد صرح علي القاري بأن روح المؤمن لها تعلق کلي بجسده فثبت من هذا سماع الموتى بأن يقال أرواح الأنبياء والشهداء والأولياء لها تعلق بأجسادهم مع سلام أجسادهم وكل من شأنه هكذا فهو يسمع فالموتى المذكورون يسمعون وليس مرادنا سماع الموتى على وجه الاستغراق والعموم لكل الأموات في كل الأزمان.

وأيضا النصر والتدمير يدلان على أن حياتهم له تعلق بهذا العالم فإن نصر الأوليا وتدمير الأعداء يكون في الدنيا ومن لوازم الحياة السماع عند عدم المانع.

ومنها ما قال في (التفسير المظهري ج2، ص489)، والشهيد لا يبلى في القبر ولا يأكله الأرض وهذا أيضا أثر من آثار حياته.

وأيضا ذكر أنهم وجدوا والد جابر ويده على جرحه فاميطت يده عن جرحه فانبعث الدم فردت إلى مكانها فسكن الدم قال جابر فرأيت أبي كأنه نائم والتمرة التي کفن فيها كما هي والحزمة على رجليه كما هي وبين ذلك ست وأربعون سنة.

قال البغوي، قال عبيد بن عمر مر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين انصرف من أحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرأ (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه * الآية. الأحزاب: 23) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة إلا فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم فو الذي نفسي بيده لايسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه) فعلم من رد السلام أنهم يسمعون كلام المسلم عليهم وهذا هو سماع الموتى. و(المظهري) حنفي فعلم أن هذا مذهب الأحناف.

ثم قال (مسئله): هل يبلغ غير الشهيد درجة الشهيد؟ قلت: نعم، وما ورد في فضل الشهداء لا يقتضي نفي الحكم عمن عداهم وذکر بعده بسطور قال الشيخ الشهيد شيخي وإمامي رضي الله عنه ورضي عني بسره السامي، أنه يرى بنظر الكشف تجليات ذاتية على الشهداء كما بذلوا ذواتهم في سبيل الله.

ومنها ما أخرجه أحمد والحاكم حديث عائشة رضي الله عنها (والذي نفسي بيده … ) وعن عكرمة قال: يعطى الموتي مصحفا في القبر يقرأ.

وعن الحسن قال بلغني أن المؤمن إذا مات ولم يحفظ القرآن أمر حفظنه أن يعلموه القرآن حتي يبعثه الله يوم القيامة مع أهله كذا في (شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور) للسيوطي (حاشية المظهري ج4، ص489)

ومنها ما قال السيوطي: الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء إلى المزور علم به المزور وسمع كلامه وآنس به وردّ عليه وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع لأمته أن يسلموا على أهل القبور سلام من يخاطبون ومن يسمع ويعقل.

ومنها ما ذكر الشيخ الدهلوي[6] رحمه الله في ذيل حديث (قليب بدر في كتاب الجهاد ص373): اعلم أن هذا الحديث متفق عليه، صريح في ثبوت سماع الموتى وحصول علمهم على ما يخاطبون به وكذا في حديث مسلم من سمع قرع النعال وكذا ورد زيارته عليه الصلوة والسلام لأهل بقيع الغرقد أنه عليه الصلوة والسلام سلّم عليهم وخاطبهم لأن الخطاب مع من لا يفهم قبيح كما قال ومن القبيح خطاب من لا يفهم يعد من العبث.

وكذا خطاب عائشة رضي الله عنها مع أخيها عبد الرحمن كما ذكر في زيارة القبور.

وذكر الشيخ ابن الهمام[7] في (شرح الهداية) أن أكثر الحنفية على أن الميت يسمع وصرحوا في كتاب الإيمان أنه إن حلف لا أكلم فلانا فكلمه بعد ما مات لا يحنث لان الفهم ليس للميت وأجابوا عن حديث مسلم بأنه مخصوص بوقت الوضع في القبر مقدمة للسؤال وقال الشيخ هذا التخصيص خلاف الظاهر ولا دليل على هذا التخصيص وظاهر الحديث أن هذا حاصل للميت في القبر ويجابون عن الحديث المذكور الذي نص في هذا الباب مخالفا لمذهبهم بأن هذا كان مخصوصا به عليه الصلوة والسلام معجزته وزيادة الحسرة عليهم ولا يخفى أن الحمل على هذا مجرد احتمال وتأويل لابد من دليل يدل على استحالة سماع الموتى والله تعالى قادر على هذا وسببه الحواس، عاد مجرد خلق الله كما تقرر في كتب المذهب.

وأجابوا تارة بأن هذا من قبيل ضرب المثل وحقيقة الكلام غير مراد وهذا أبعد من الجواب الأول وأضعف ومبنى الأيمان على العرف. وأقوى وجوه تأويلهم أن عائشة رضي الله عنها لما سمعت هذا الحديث عن عمر رضي الله عنه قالت كيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا مخالفا عن الكتاب كما قال (إنك لا تسمع الموتى * الآية النمل: 80) و ( … وما أنت بمسمع من في القبور * فاطر: 22) كذا قال ابن الهمام.

وقال في (المواهب اللدنية) أن عائشة رضي الله عنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر العلم فوهم عمر رضي الله عنه فقال مکان علم سمع[8].

و بالجملة أن عائشة رضي الله عنها أنکرت سماع الموتى متمسكة بهاتين الآيتين لكن العلماء أجابوا عن قولها رضي الله عنها ولم يقبلوا استدلالها بالنص القرآني ولابد لرد رواية الثقة من نص مثلها وفي الآية نفي الإسماع ولا يلزم منه نفي السماع وهو المتنازع فيه.

او المراد بـ (من في القبور) الكفار والمراد بعدم سماعهم عدم إجابتهم للحق بدليل أن هذه الآية نزلت في دعوة الكفار إلى الإيمان وعدم إجابتهم الحق.

او المراد بـ (الموتى) موتى القلوب والمراد بـ (القبور) أجسادهم.

وذكرنا في (المواهب اللدنية) أنه ذكر في مغازي محمد بن إسحق[9] بإسناد جيد وذكر الإمام أحمد أيضا بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها مثل حديث عمر رضي الله عنه فعلم من هذا رجوع عائشة رضي الله عنها إلى كلامهم لأن الرواية ثبتت عن الصحابة الكبار وعائشة رضي الله عنها ما حضرت في تلك القضية.

وقد ذكر في شروح (البخاري) مثل هذا وتمسك جماعة بقول قتادة[10] في آخر الحديث لاثبات سماع الموتي ولاتخصيص في قول قتادة رضي الله تعالى عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم بأنه على طريق المعجزة ولا تخصيص بهذه الأموات فإن الله تعالى قادر مطلق على أن يوجد في الأموات كلها.

وأيضا قال الشيخ الدهلوي رحمة الله عليه إن سلم أن السمع يكون بالسامعة وقد خربت السامعة بخراب البدن فنقول لايلزم من نفي السماع نفي العلم لان العلم بالروح وهو باق فيحصل العلم بالمبصرات والمسموعات لا على وجه الأبصار والإسماع وقد وردت أخبار كثيرة في علم الأموات بأحوال زائرهم حتى ورد أن زيارة يوم الجمعة أفضل لأنه يعطي العلم للميت في هذا اليوم أكثر من سائر الأيام وأحوال الزائرين لهم اكشف.

وأيضا لاشك في حصول العلم للموتى بالآخرة والبرزخ وبحقيقة دين الإسلام كما نالت عائشة رضي الله عنها وهو متفق عليه في المراد بالحديث فيمكن العلم بأحوال الدنيا وأهلها ولا دليل على زوال علمها ونسيانها مع بقاء الروح.

وبالجملة الكتاب والسنة مملوءان بأخبار وآثار تدل على وجود علم الأموات بالدنيا وأهلها فلا ينكره إلا الجاهل بالأخبار والمنكر عن الدين المختار. ثم ذكر بعد ذلك مسئلة الاستمداد بأهل القبور وسنذكرها في مقصد التوسل، إن شاء الله تعالى.

ومنها ما ذكر في (شرح الصدور ص83) أخرج ابن عساکر[11] في تاريخه بسنده من طريق الأعمش عن المنهال بن عمرو قال أنا والله رأيت رأس الحسين رضي الله عنه حين حمل وأنا بدمشق وبين يدي الرأس رجل يقرأ (سورة الكهف) حتى بلغ قوله تعالى (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من أياتنا عجبا * الكهف: 9) قال فانطق الله الرأس بلسان ذرب أي فصيح فقال أعجب من أصحاب الكهف قتلى وحملى انتهى. فعلم من هذا أن رأس الحسين كان يسمع تلاوة (الكهف) ولذا قال كذا مع أنه رأس فقط بلا جسد. قلت إنه من الخوارق قلنا لا يضرنا فإن فيه إثبات الكرامة بعد الممات.

ومنها ما أخرجه أبو نعيم[12] في (الحلية) من طريق عمر بن واقد عن يونس بن جليس أنه كان يمر على المقابر بدمشق بنحر يوم الجمعة فسمع قائلا يقول هذا يونس بن جليس، قد هاجر يحجون ويعتمرون كل شهر ويصلون كل يوم خمس صلوات أنتم تعملون ولا تعلمون ونحن نعلم ولا نعمل. قال فالتفت يونس فسلم فلم يردوا عليه فقال سبحان الله! اسمع كلامكم واسلم عليكم ولا تردون علي؟ قالوا قد سمعنا كلامك ولكنها حسنة وقد حيل بيننا وبين الحسنات والسيئات. (شرح الصدور، ص84).

ومنها ما أخرجه أبونعيم عن عمرو بن دينار[13] قال ما من ميت إلا وروحه في يد ملك ينظر الى جسده، كيف يغسل وكيف يكفن وكيف يمشي به ويقال وهو على سريره اسمع ثناء الناس عليك. (شرح الصدور ص37).

ومنها ما أخرج أبو الشيخ من مرسل عبيد بن مرزوق. قال: كانت امرأة تقم المسجد فماتت فلم يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم فمر على قبرها فقال (ما هذا القبر؟) قالوا أم محجن قال (التي تقم المسجد؟) قالوا نعم فصف الناس فصلى عليها ثم قال (أي العمل وجدت أفضل؟) قالوا يا رسول الله! أتسمع قال (ما أنتم بأسمع منها) فذكر أنها اجابته (قم المسجد) (شرح الصدور، ص38).

ومنها ما ذكر في (شرح الصدور، ص94). قيل: الأرواح على أفنية القبور قال ابن عبد البر[14] وهذا أصح ما قيل قال وأحاديث السؤال وعرض المقعد وعذاب القبر ونعيمه وزيارة القبور والسلام عليها وخطابهم مخاطبة الحاضر العاقل دالة على ذلك.

قال ابن القيم: هذا القول إن أريد به الملازمة مع القبور لا تفارقها فهو خطأ يرده الكتاب والسنة وعرض المقعد لا دليل على أن الروح في القبر ولا على فنائه بل على أن لها اتصالا بجسده به، يصح أن يعرض عليه مقعده فإن للروح شأنا آخر فتكون في الرفيق الأعلى وهي متصلة بالبدن بحيث إذا سلم المسلم على صاحبها، يرد عليه السلام وهي في مكانها هناك وهذا جبرئيل عليه السلام رآه النبي صلى الله عليه وسلم وله ستمائة جناح منها جناحان سد الأفق فكان يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم حتى يضع ركبتيه على ركبتيه ويديه على فخذيه وقلوب المخلصين تتسع للإيمان بأن من الممكن أنه كان يدنو هذا الدنو وهو في مستقر من السموات. وفي الحديث في رؤية جبرئيل عليه السلام: (فرفعت راسي فإذا جبرئيل عليه السلام، صاف قدميه بين السماء والأرض يقول: يا محمد! أنت رسول الله وأنا جبرئيل فجعلت لا أصرف بصري إلى ناحية إلا رأيته كذلك) وعلى هذا يحمل تنزله تعالى إلى سماء الدنيا ودنوه عشية عرفة ونحوه فهو منزه عن الحركة والانتقال وإنما يأتي الغلط ههنا من قياس الغائب على الشاهد فيعتقد أن الروح من جنس ما يعهد من الأجسام التي اذا اشتغلت مكانا لم يمكن أن تكون في غيره وهذا غلط محض.

وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم موسى على نبينا وعليه الصلوة والسلام ليلة الإسراء في قبره ورآه في السماء السادسة فالروح هناك كانت في مثل البدن ولها اتصال بالبدن بحيث تصلى في قبره وترد على من يسلم عليه وهو في الرفيق الأعلى ولا تنافي بين الأمرين فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان وقد مثل ذلك بعضهم بالشمس في السماء وشعاعها في الأرض وإن كان غير تام للمطابقة من حيث أن الشعاع إنما هو عرض الشمس وأما الروح فهي بنفسها تنزل. وكذلك رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في ليلة الإسراء في السموات. الصحيح: أنه رأى الأرواح في مثال الأجسام مع ورود أنهم أحياء في قبورهم يصلون.

وقد قال عليه الصلوة والسلام: (من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا أبلغته) أخرجه البيهقي في (الشعب) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال: (إن الله تعالى وكل بقبري ملكا أعطاه أسماع الخلائق فلا يصلى علي أحد إلى يوم القيامة إلا بلغني باسمه واسم أبيه) أخرجه البزار[15] والطبراني[16] من حديث عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه مع القطع بأن روحه في أعلى عليين مع أرواح الأنبياء وهو في الرفيق الأعلى. فثبت بهذا أنه لا منافاة بين كون الروح في عليين أو في الجنة أو في السماء وأن لها تعلقة بالبدن واتصالا بحيث تدرك وتسمع وتصلى وتقرأ وإنما يستغرب هذا الكون الشاهد الدنيوي ليس فيه ما يشابه هذا وأمور البرزخ والآخرة على نمط غير هذا المألوف في الدنيا هذا كله كلام ابن القيم.

وقال في موضع آخر: للروح بالبدن خمسة أنواع من التعلق مغايرة الأول: في بطن الأم الثاني بعد الولادة الثالث: حال النوم فلها به تعلق من وجه ومفارقة من وجه الرابع: في البرزخ فإنها وإن كانت فارقته بالموت فإنها لم تفارقه فراقا كليا بحيث لم يبق لها إليه التفات. الخامس: تعلقها به يوم البعث وهو أكمل انواع التعلقات ولا نسبة لما قبله إليه إذ لا يقبل البدن معه موتا ولا نوما ولا فسادا.

وقال في موضع آخر: للروح من سرعة الحركة والانتقال الذي كلمح البصر مايقتضي عروجها من القبر إلى السماء في أدنى لحظة وشاهد ذلك في روح النائم فقد ثبت إن روح النائم تصعد حتى تخترق السبع الطباق وتسجد لله بين يدي العرش ثم ترد إلى جسده في أيسر ساعة.

ثم حكى ابن القيم بعد ذلك بقية الأقوال وأنها بالجابية أو بئر زمزم وأن أرواح الكفار ببئر برهوت. وأورد ما أخرجه ابن مندة[17] بسنده من طريق سفيان عن أبان بن ثعلب. قال: قال رجل: بت ليلة بوادي برهوت. فكأنما حشرت فيه أصوات الناس وهم يقولون با دومة! يا دومة! وحدثنا رجل من أهل الكتاب: إن دومة هو الملك الموكل بأرواح الكفار.

ثم قال ابن القيم بعد ذلك بسطور ولا يحكم على شئ من هذه الأقوال بعينه بالصحة ولا غيره بالبطلان بل الصحيح أن الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوتا ولا تعارض بين الأدلة فإن كلا منها وارد على فريق من الناس بحسب درجاتهم في السعادة والشقاوة.

فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى وهم الأنبياء وهم متفاوتون في منازلهم كما أراهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء.

ومنها أرواح في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواح بعض الشهداء لا جميعهم فإن منهم من يحبس عن دخول الجنة لدين أو لغيره كما في (المسند) عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله! مالي أن قتلت في سبيل الله؟ قال (الجنة) فلما ولى قال (إلا الدين سارني به جبرئيل آنفا)

ومنهم من يكون على باب الجنة كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

ومنهم من يكون محبوسا في قبره کحديث صاحب الشملة أنه تشتعل عليه نار في قبره.

ومنهم من يكون محبوسا في قبره في الأرض لم تصل روحه إلى الملأ الأعلى فإنها كانت روحة سفلية أرضية فإن الأنفس الأرضية لا تجتمع الأنفس السماوية كما أنها لاتجامع معهن في الدنيا فالروح بعد مفارقتها تلحق بأشكالها وأصحاب عملها. فـ (المرء ما من أحب).

ومنها أرواح تكون في تنور الزيات وأرواح في نهر الدم إلى غير ذلك فليس اللأرواح سعيدها وشقيها مستقر واحد وكلها على اختلاف محالها وتباين مقامها بها اتصال بأجسادها في قبورها ليحصل له من النعيم والعذاب كما كتب له. انتهى كلام ابن القيم كذا في (شرح الصدور، ص96-95).

ولعمري هذا تحقيق انيق وتفصيل عجيب وسيف قاطع على أعناق المنكرين فماذا بعد الحق إلا الضلال وابن القيم[18] ممن يتمسكون بأقواله فلذا ذكرت أقواله.

ومنها ما قال ابن القيم في موضع آخر: الأحاديث والآثار تدل على أن الزائر متى جاء علم به المزور وسمع كلامه وآنس به ورد سلامه عليه وهذا عام في حق الشهداء وغيرهم وأنه لا توقيت في ذلك قال وهو الأصح من أثر الضحاك الدال على التوقيت.

ومنها ما ذكر علي القاري: أن ما نسب إلى الأمام الأعظم من إنکار سماع الموتى بناء على مسئلة الأيمان بأن حلف أحد لا أكلم فلانا أو لا أضرب فلانا فكلمه بعد موته وضربه كذلك لايحنث ليس بصحيح لان مبنى الأيمان على العرف ولا شك أن أهل العرف لايعدونه كلاما لأن الكلام في العرف ما يكون مشافهة وعلم المتكلم أن المخاطب يسمع كلامه وكذا المتكلم يسمع جواب المخاطب ولا شك أن هذا مفقود في الميت لأنه لا يسمع مطلقا.

ومنها ما ذكر في (الكبيري) أن الميت لايزال يسمع الأذان مالم يطين ولا شك ان لفظ (لايزال) يدل على الدوام لأن نفي النفي إثبات والأصل في الثابت ثباته مالم يعلم ومنها ما ذكره العلامة محمد أنور الشاه الكشميري[19] في (فيض الباري شرح صحيح البخاري) إثبات السماع للموتى بتفصيل شاف كاف واف فيه إثبات قول المحق وإبطال قول المبطل (ج: 2، ص:47) و (ج: 2، ص: 467) و (ج: 2، ص:488).

وكذا العلامة ابن حجر والمفسر البغدادي الآلوسي (ج: 2، ص: 57) و (المظهري ج: 2، ص: 153) فعلم من هذه النقول أن سماع الموتى مسلك الأحناف والشوافع من المحدثين والمفسرين والأكابر الديوبنديين وغيرهم الذين يعتقدهم المنكرون فكيف تنكر هذه الفرقة المحدثة.

و الادلة لسماع الموتى کثيرة ما ذكرت عشرا عشيرا منها. فان القليل أنموذج الكثير والغرفة تنبئ عن البحر الكبير وما لايدرك كله لا يترك كله، بل يذكر بعضه ولعل المنصف يكفيه هذا والمتعصب لا يفيده الدفاتر والأسفار ولنعم ما قال العارف.

بيت:

آنکه او را نبود از توفيق داد…  کي کند تصديق او ناله جماد

فالعجب من هؤلاء النيام الغافلين الذين أحاطت غشاوة التعصب على أبصارهم بل على بصائرهم ( … فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور* الحج:46) اللهم اهدهم وارفع غشاوة التعصب عن ضمائرهم لينطبع دلائل الحق في طبائعهم ويرفع هذا الفساد والاختلاف عن الأمة المحمدية المرحومة ومنشأ كل ذلك الإفراط والتفريط فإن الاقتصاد في هذا الزمان فقيد کالكبريت الأحمر فإن الطبائع عموما مائلة إلى اللدد والعناد إلا من شاء الله هدايته وسداده ( … والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم * البقرة: 213).

_________________________________

[1] . حسين بن مسعود الشهير بمحي السنة البغوي الشافعي المتوفى 516 هـ. [1122م.]

[2] . يعني الإمام الرباني أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي المتوفى بسرهند سنة 1034 هـ. [1624م.]

[3] . محمد بن عبد الله الشهير بحاكم النيسابوري وهو صاحب کتاب المستدرك المتوفي سنة 405. [1014م.]

[4] . أبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي المتوفى ببغداد سنة 207 هـ. [822م.]

[5] . أبو بكر عبد الله بن محمد الشهر بابن ابي شيبة المتوفى سنة 235 هـ. [850م]

[6] . الشيخ عبد الحق الدهلوي توفي سنة 1052 هـ [1642م.] في دلهي

[7] . کمال الدين محمد بن عبد الواحد المتوفي سنة 861 هـ. [1456 م.]

[8] . مؤلف المواهب اللدنية أحمد القسطلاني الشافعي توفي سنة 923 هـ. [1517 م.]

[9] . المتوفى سنة 151 هـ. [767م.]

[10] . قتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 118 هـ. [735م.].

[11] . علي بن حسن الشهير بابن عساكر المتوفي 571 هـ. [1176 م.]

[12] . أبو نعيم أحمد بن عبد الله الشافعي الأصبهاني المتوفى سنة 430 هـ. [1039 م.]

[13] . أبو محمد عمرو بن دينار المكي المتوفى سنة 126 هـ. [743 م.]

[14] . جمال الدين أبو عمر يوسف بن عبد الله المالكي المتوفى سنة 463 هـ. [1071 م.]

[15] . أحمد بن عمرو البزار العطقي المتوفى سنة 292 هـ. [905 م.]

[16] . سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى سنة 360 هـ. [971 م.]

[17] . أبو عبد الله محمد بن إسحاق الشهير بابن مندة المتوفى سنة 395 هـ. [1005 م.]

[18] . أبو عبد الله حافظ محمد بن أبي بكر الشهير بابن القيم الجوزية المتوفي سنة 751 هـ. [1350 م]. وهو من أشهر تلاميذ ابن تيمية.

[19] . المتوفى سنة 1352 هـ. [1933 م.]

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد