ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 14 سبتمبر 2017 زيارة: 248

الإرهاب استشراقاً

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الحرب العالمية الثالثة داعش والعراق وإدارة التوحش، ص12-15
المؤلف: ياسر عبدالحسين

الاستشراق معرفة وإنشاء وسلطة تعبير ادوارد سعيد. وهو بالتالي بنية أيديولوجيا عملت على إعادة تشكيل الشرق فمن القيم الأموية ثمنها فى العلاقة غير المتوازنة مع الغرب. وهذه الصورة النمطية هي الأخرى كان لها علاقة بكل الظواهر التي أنتجها أو أنتجت داخل الشرق. فالشرق الساحر او غير العقلاني أو الانفعالي أو الإرهابي كلها صور ترسخت في بنية الاستشراق وشكلت فيما بعد مصدر الصورة النمطية عن «غير» وجب الحذر منه ووضعه في القفص. الاستشراق كعلم وظيفي ارتباط كثيرا بمؤسسة الاستعمار. ومع وجود الاستثناء دائما هناك رغبة جامعة في تحويل المعرفة هنا إلى سلطة للهيمنة على الشرق.

في تاريخ الاستشراق كانت هناك عيّنات حاولت التغريد خارج التيار الاستشراقي العام. لكن جبروت المؤسسة جعلها معرفة من دون سلطة. وكان الاستشراق البريطاني قد استطاع أن يربط بين خلاصات الاستشراق وجيوستراتيجيا الهيمنة على الشرق. فالسيطرة على المجال تقتضي السيطرة على الذهنيات. كان من الخطأ أن يُقال إن الاستعمار البريطاني أهون من الاستعمار الفرنسي، لأن الأول لم يُعنّ بتغيير ثقافة المحلي في حين عمل الثاني على سياسة الضم الثقافي. وهذه مقاربة غير صحيحة، لأن الاستعمار البريطاني كان أكثر خبرة وذكاء فى استغلال الذهنيات وتوجيه ثقافة المحلي بنوع من الاقتصاد في تدليل عملية السيطرة، بل فعل ذلك بناء على نظرية الألعاب. لم يكن البريطاني يسعى إلى تغيير ثقافة المحلي لكي يصبح وهو يفكر مثله ويقبل بواقع الاحتلال، بل كان يوظف ثقافة المحلي نفسها ويخلق من داخل المجال المحلي تناقضات ثقافية تقتضي القبول بالاحتلال.

 وهنا لا بدّ من بحث العلاقة بين الصورة النمطية للشرق وبين الإرهاب. وهي المقاربة التي يعزّزها وجود المستشرق في صلب اللعبة الجيوستراتيجية داخل الشرق. يبدو أن مفهوم الإرهاب الإسلاموي هو منتج غربي يعيدنا إلى بنية الاستشراق في إعادة إنتاج ذلك الشرق غير العقلاني دائما والمتوحش والإرهابي. وحتى نهاية الحرب الباردة كان هذا التصوّرطي الأعمال الكلاسيكية لمستشرقين كبار لم يبق من جيل القدامى منهم غير برنار لويس الذي لعب دورًا كبيرًا في إعادة بعث المفاهيم التقليدية للاستشراق النمطي وإعادة تشكيل السياسة الأميركية نفسها على أساس حتمية الصراع مع الشرق.

لا يتمثل تأثير برنار لويس فقط في تعزيز نظرية الصراع الحضاري التي ألهمها هنتنغتون في الصدام بين الحضارات التي شكلت أيديولوجيا السياسة الاميركية لما بعد الحرب الباردة. فهذا لا يمثل إلا جانبا من النظرة النمطية الغارقة في أحكام القيمة تجاه الشرق حيث يحتفظ بصندوق «باندورا» الحافل بالشرور تجاه الغرب الذي وصفه هنتنغتون بالفريد. وكنا في تلك الأيام قد لفتنا إلى أن فكرة هنتنغتون عن الصراع بولغ فيها أكثر من اللازم لأنها كانت مجرد تبرير باراديغمي لرؤية كان لا بد أن تحل محل رؤية قديمة ارتبطت بالحرب الباردة وهيمنت على تفسير الأحداث الدولية. ولكن هنتنغتون لم يجعلها فكرته النهائية بل احتمل تغيرها لأنها ليست سوى محاولة للكشف عن باراديغم جديد لتفسير الوقائع السياسية الدولية. ولا نزعم أن الإدارة الأميركية تبنت وجهة نظر هنتنغتون تلك لأن ثمة أمرين قامت بهما إدارة بوش لا علاقة لهما بجوهر فكرة هنتنغتون: الأول يتعلق باستحالة الهيمنة على العالم وضرورة اهتمام أميركا بشؤونها الداخلية و تأمين حدودها الطبيعية. وهذا ما لم يسجل على إدارة بوش التي سلكت سياسة التدخل بشكل سافر حتى في غياب القرار الأممي كما فعلت في العراق. والثاني أن هنتنغتون يعتبر الديمقراطية شأنا غربيًا يستحيل تطبيقه خارج الجغرافيا السياسية الغربية هذا في وقت رفعت فيه إدارة بوشي شعار فرض الديمقراطية بالحرب.

 كانت هناك أطروحة أخرى لعلها استطاعت أن تتقاسم التأثير في السياسة الخارجية الأميركية خلال هذه المرحلة من ولاية جورج بوش الابن التي شهدت ميلاد أعنف الحركات الإرهابية في العالم العربي والإسلامي، أعني بها أطروحة نهاية التاريخ لفرنسيس فوكوياما. هذه الفكرة هي الاخرى وإن صيغت في قالب : مفهومي هيغلي الا آنها عرفت كيف تدغدغ مزاج ادارة هيمن عليها اليمين المسيحي المتطرّف والذي يحمل فهما خاضا لعقيدة الـ « ميسي» المخلص كما . يستشعر دور أميركا التاريخي في تحقيق هذا الخلاص بمفهومه الديني.

 استشعر فوكوياما نفسه المآل الذي آلت إليه نظريته حينما أفسدها السياسيون واليمبين المتطرف. لا أحد منهما، «هنتنغتون» آو «فوكوياما»، رضي بالطريقة التي أوّلت بها فكرتاهما. و هذا ما لمسته في لقاء خاص مع فوكوياما حيث عبر بما يوحي تجاه كل أسئلتنا بأن ما يقصده هو خلاف ما نفهمه. وفي نهاية المطاف كان قد انتقد السياسة الأميركية في إدارتها للصراع كما فعل هنتنغتون نفسه حين . اعتبر نفسه، ليس كاهنا للعنف، وإنما مجرد خبير قدّم نظرية لفهم الصراع الجاري في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ولكن هذا لا يمنع من اعتبار فكرة | هنتنغتون شكلا من الهذيان الثقافي أو لنقل إنها مرض ثقافي وراثي يحيلنا إلى أ المرض نفسه المعروف في الطب النفسي بـ «رقص هنتنغتون »، وهو مرض ورائي يتميز صاحبه بحركات غير طبيعية واضطرابات عقلية تؤدي إلى حالة الخرف. وهذا الخرف الثقافي واضح في مقاطع هنتنغتون وهم أكثر وضوخا ووقاحة عند برنار لويس.

فهذا الأخير يجعلنا نأخذ فكرة واضحة حول كيف تتحوّل الأفكار إلى حالة من الهلوسة الثقافية. ولكن الحقيقة التى لمسناها أن ثمة تشويها تواطأت عليه السياسة والفهم الديني المتطرف انتهى إلى عدم تطبيق رؤية واحدة من جملة الأراء التي اقترحت على الإدارة الاميركية، بل تم تركيب رؤية معقدة امتزجت فيها إرادة الصدام الحضاري بنهاية التاريخ بمدلولها الملتبس ما نتج عنه الكثير من المفارقات التى وسمت السياسة الخارجية الأميركية فى عهد بوش الابن. وحينما تمّ استنفاذ هذه الرؤية تم استدعاء رؤية أهملتها الإدارة الأميركية في ذلك الوقت، ولكن أعيد تفعيلها وإدخالها في السياسة الجديدة لعهد القوة الناعمة مع فوز أوباما في الانتخابات الرئاسية يتعلق الأمر هنا برؤية الانفتاح على ما سموه بالإسلام المعتدل في مواجهة الإسلام المتشدّد.

كانت تلك نظرية أثيرة للباحث في مؤسسة راند الأميركية والمسؤول في عهد بوش الأب في الاستخبارات الأميركية غراهام فولر. في مقال واسع الانتشار ترجم إلى الفرنسية ونشرته جريدة «لوموند ديبلوماتيك» وكذا نشرته مجلة «مانيير دوفوار» الصادرة عن المجموعة نفسها، والذي قمت شخصيًا بترجمته إلى العربية ونشر في جرائد ومجلات أولها جريدة «العصر» الناطقة آنذاك بلسان الحزب الإسلامي الذي يقود اليوم الحكومة في المغرب والذي يعتبر ثمرة لتطبيق هذه النظرية، كتب غراهام فولر عن الإسلامية والتحديثية بشكل أكثر إيجابية مما سعت إليه قبل سنوات من ذلك كتابات الأميركي دانيال بايبس حيث تناول في مقال له قبل سنوات في « فيرست ثينغز فيرست» جرذالبعض الشخصيات الإسلامية، معتبرًا أنها ليست تقليدية ولكنها تحمل مشروع إصلاح الحداثة، وأن قلق التحديث متأضل في أعماق المشروع الإسلامي، وأن الأصولي هو مصلح حدائي وأن الإسلاميين، رغم موقفهم من الغرب، فهم يقبلون به.

مقال الإسلامية والتحديثية لغراهام فولر هو حياكة على المنوال نفسه لكن بشكل اكثر تأسيشا وانتا جا. ولما ترجمت هذا المقال حسبته كما حسبه أبناء التيار الإسلامى انتصارًا في عملية الحجاج التي كانوا يقومون بها ضد التيارات العلمانية التي تبنت خيار استئصالهم. لكن سرعان ما سيتضح فيما بعد أن غراهام فولر هو المشرف على تطور المسار السياسي لذلك الشخص المغمور في تركيا والذي سيلقى الرعاية الكاملة قبل أن يتم إنتاج المثال عن هذه الإسلامية التحديثة التي تحدّث عنها فولر ومثالها المتجسد في الأردوغانية والنموذج التركي الذي سيشكل عنوان الإسلامية الجديدة التي سيعتمد عليها في تحقيق مشروع شرق أوسط جديد. عقل إسلامي مدجّن قابل لاحتواء الحساسية الإسلامية ضمن مشروع هو في العمق علماني في الممارسة السياسية والاجتماعية وقابل بمذ جسور التعاون بكل مستوياته مع اسرائيل التي يفترض أن تشكل العقل الحضاري المشرف على عملية التحوّل بالشرق كما وضع إطارها النظري كتابه عن الشرق الأوسط الجديد. ودائما نحن أمام مسرحة المجال السياسي . حيث استطاعت خدعة مسرحية في دافوس أن تجعل من آردوغان اخيل تركيا وترقى به إلى مستوى النموذج الإسلامي المتوخى لقيام شرق أوسط جديد. إلمسرحية أظهرت انتفاضة أردوغانية ضدّ بيريز بينما يعتبر كلاهما جزءا أساسيا من مشروع الشرق الأوسط الجديد.

في الواقع إن فكرة الانفتاح على الإسلام المعتدل شابها الكثير من الالتباس. ففي المنطقة العربية حيث تلقفوا هذا المفهوم كانت هناك جهود للتكيف مع هذا لم المعطى الجديد بحيث سعت محاور إقليمية كثيرة إلى احتضان جماعات إسلامية بما فيها المتطرفة وعملت على إعادة إنتاجها في إطار مفهوم الاعتدال. لقد تزامنت فكرة المراجعات التي شكلت ظاهرة في العالم العربي مع بدء الاشتغال على شكل جديد من الاصطفاف. غير أن المشكلة التي واجهت كثيزا من المحارد الإقليمية في هذا المجال هي أنها حواضن طبيعية لأكثر أشكال التطرف الديني. و هكذا تشگل نمط هجين من التيارات المتشدّدة التي ترفع شعارات الاعتدال؛ الاعتدال الذي يتمحور حول طريقة التعاطي الديني مع أمور تتعلق بالمصالح الأميركية والعلاقة مع الغرب وقضايا تتعلق بحقوق الإنسان وغيرها، ما يشكل ثغرات لتسرب الهجوم على هذه الدول.

ففي العهد البوشي تحدّث كثيرون بمن فيهم ديمقراطيون عن ضرورة إجبار بعض الدول العربية على تغيير برامجها التعليمية باعتبارها تنتج التطرف الديني والكراهية والإرهاب. وخلال هذه المرحلة كانت هناك مفارقات كثيرة في سلوك هذه الأنماط، ففي كثير من الحالات، لا سيما التي ستكشف عنها الأحداث في سورية والعراق ولبنان، عادت العلاقة التاريخية بين ما سمي بدول الاعتدال في المنطقة والتيارات المتشددة بشكل لافت إلى حدود التعاون والدعم. اعتقدت واشنطن أن العزف على مفهوم الاعتدال يكفي لاحتواء الظاهرة الإسلامية على تناقض أنماطها. لكنها لم تنتبه إلى أن اللآعبين الإقليمين سعوا إلى لعبة تغيير العناوين وتوزيع الأنماط بحيث وجدوا أنفسهم يتعاملون مع أنماط متشدّدة يصعب تمييزها في لحظات التحدي الحرجة. وسيتضح هذا أكثر في ما سيعرف لاحقا بثورات الربيع العربي.

قلنا سابقا إن الأمر مع برنار لويس لا ينتهي عند مجرد إحياء بنية الاستشراق الكلاسيكي وإقحامها في السياسة الخارجية الأميركية فحسب، بل يمتدّ إلى مخطط الخريطة الجديدة التي تخدم أهداف هذه الرؤية الشاعية إلى وضع نظام شرق آوسط جديد. وهذا النظام لا يمكن أن يتحقق الا بتغيير التقسيم الكلاسيكي للعالم العربي على اساس سايكس بيكو، لعله كان هنالك تا فس خلال إدارة بوش وأوباما على اختلاف في أساليب تدبير إعادة تقسيم الشرق الأوسط حول من يكون اسمه بديلا عن اسم سايكس بيكو، رسم برنار لويس خريطة افتراضية تظهر آن التقسيم كان ايراعي الجوانب الثقافية والدينية أو ما عبر عنه هنتنغتون بالخلافات الحضارية. وهذا ليس هو الموضوع الأخطر، بل الأخطر هنا هو أن استشراق برنار لويس يتجه نحو إعادة النظر في التيارات الموصوفة شاذة في التاريخ الإسلامي حيث أراد استغلال مخططات سياسية بناء على خلاصات تلك المقاربات.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد