ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 24 يونيو 2019 زيارة: 60

الإمام الشوكاني (رحمه الله) يجيز التوسل ويرد على منكري التوسل

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: القول المبين في مشروعية التوسل بالأنبياء والصالحين (ص36-41)
بقلم: عبد الله محمد عثمان الزبير التجاني
مفهوم التوسل:

قال في المصباح: وسلت بالعمل إلى الله أسل من باب وعد رغبت وتقربت ومنه اشتقاق الوسيلة وهي ما يتقرب به إلى الشيء والجمع الوسائل اهـ.

يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة التوسل ولذا فإننا سنبين مفهوم التوسل الصحيح في نظرنا وقبل ذلك لابد أن نبين هذه الحقائق.

أولا: أن التوسل هو أحد طرق الدعاء وباب من أبواب التوجه إلى الله سبحانه وتعالى والمتوسل به إنما هو واسطة ووسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى ومن اعتقد غير ذلك فقد أشرك.

ثانيا: إن المتوسل ما توسل بهذه الواسطة إلا لمحبته لها واعتقاده أن الله سبحانه وتعالى يحبها ولو ظهر خلاف ذلك لكان أبعد الناس عنها وأشد الناس كراهة لها.

ثالثا: إن المتوسل لو اعتقد أن من توسل به إلى الله ينفع ويضر بنفسه مثل الله أو دونه فقد أشرك.

رابعا: إن التوسل ليس أمرا لازما أو ضروريا وليست الإجابة متوقفة عليه بل الأصل دعاء الله تعالى مطلقا كما قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) وكما قال تعالى (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) اهـ[1].

والنبي (صلى الله عليه وسلم) وإن كان قد مات إلا أن فضله ومقامه وجاهه عند ربه باق لا شك في ذلك ولا ريب عند أهل الإيمان ولذلك فإن التوسل به إلى الله سبحانه وتعالى إنما يرجع في الحقيقة إلى اعتقاد وجود تلك المعاني واعتقاد محبته وكرامته عند ربه وإلى الإيمان به وبرسالته وليس هو عبادة له بل إنه مهما عظمت درجته وعلت رتبته فهو مخلوق لا يضر ولا ينفع من دون الله إلا بإذنه.

قال تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) [2].

الإمام الشوكاني يجيز التوسل

يقول الإمام الشوكاني في كتابه تحفة الذاكرين عن حديث الأعمى: الحديث الذي أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك والنسائي كما قال المصنف رحمه الله وهو من حديث عثمان بن حنيف (رضي الله عنه) قال: “جاء رجل أعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله لي أن يعافيني قال إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك قال فادعه قال فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه” وزاد النسائي في بعض طرقه “فتوضأ فصلى ركعتين” ثم ذكر في الترمذي ما ذكره المصنف من قوله (صلى الله عليه وسلم): “اللهم إني أسألك الخ” وأخرجه من حديثه أيضا ابن ماجه والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين وزاد فيه فدعا بهذا الدعاء فقام وقد أبصر وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي وقال وأخرجه الطبراني بعد ذكر طرقه التي روى بها والحديث صحيح وصححه أيضا ابن خزيمة فقد صحح الحديث هؤلاء الأئمة وقد تفرد النسائي بذكر الصلاة ووافقه الطبراني في بعض الطرق التي رواها.

وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى وأنه المعطي المانع ما شاء كان وما يشأ لم يكن[3].

وقال في موضع آخر من نفس الكتاب: وأما التوسل بالصالحين فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عمر رضي الله عنه: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبينا الخ”[4].

الشوكاني يرد على منكري التوسل

قال الإمام الشوكاني (رحمه الله) في رسالته الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد:

وأما التوسل إلى الله سبحانه بأحد من خلقه في مطلب يطلبه العبد من ربه فقد قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: إنه لا يجوز التوسل إلى الله تعالى إلا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) إن صح الحديث فيه ولعله يشير إلى الحديث الذي أخرجه النسائي في سننه والترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهم أن أعمى أتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فذكر الحديث قال وللناس في معنى هذا قولان أحدهما أن التوسل هو الذي ذكره عمر بن الخطاب لما قال كنا إذا أجدبنا نتوسل بنبينا إليك فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا وهو في صحيح البخاري وغيره.

فقد ذكر عمر رضي الله عنه أنهم كانوا يتوسلون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته في الاستسقاء ثم توسل بعمه العباس بعد موته وتوسلهم هو استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى والنبي كان في مثل هذا شافعا وداعيا لهم.

والقول الثاني: أن التوسل به (صلى الله عليه وسلم) يكون في حياته وبعد موته وفي حضرته ومغيبه ولا يخفاك أنه قد ثبت التوسل به (صلى الله عليه وسلم) في حياته وثبت التوسل بغيره بعد موته بإجماع الصحابة إجماعا سكوتيا لعدم إنكار أحد منهم على عمر رضي الله عنه في توسله بالعباس رضي الله عنه.

وعندي أنه لا وجه لتخصيص جواز التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) كما زعمه الشيخ عز الدين بن عبد السلام لأمرين الأول ما عرفناك به من إجماع الصحابة رضي الله عنهم والثاني أن التوسل إلى الله بأهل الفضل والعلم هو في التحقيق توسل بأعمالهم الصالحة ومزاياهم الفاضلة إذا لا يكون الفاضل فاضلا إلا بأعماله.

فإذا قال القائل اللهم إني أتوسل إليك بالعالم الفلاني فهو باعتبار ما قام به من العلم وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حكى عن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أن كل واحد منهم توسل إلى الله بأعظم عمل عمله فارتفعت الصخرة فلو كان التوسل بالأعمال الفاضلة غير جائز أو كان شركا كما يزعمه المتشددون في هذا الباب كابن عبد السلام ومن قال بقوله من أتباعه لم تحصل الإجابة لهم ولا سكت النبي (صلى الله عليه وسلم) عن إنكار ما فعلوه بعد حكايته عنهم.

وبهذا تعلم أن ما يورده المانعون من التوسل بالأنبياء والصلحاء من نحو قوله تعالى: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) ونحو قوله تعالى (فلا تدعوا مع الله أحدا) ونحو قوله تعالى: (له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء) ليس بوارد بل هو من الاستدلال على محل النزاع بما هو أجنبي عنه فإن قولهم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) مصرح بأنهم عبدوهم لذلك.

والمتوسل بالعالم مثلا لم يعبده بل علم أن له مزية عند الله بحمله العلم فتوسل به لذلك فكذلك قوله (فلا تدعوا مع الله أحدا) فإنه نهي عن أن يدعو مع الله غيره كأن يقول بالله وبفلان والمتوسل بالعالم مثلا لم يدع إلا الله فإنما وقع منه التوسل عليه بعمل صالح عمله بعض عباده كما توسل الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة بصالح أعمالهم وكذلك قوله (والذين يدعون من دونه) الآية فإن هؤلاء دعوا من لا يستجيب لهم ولم يدعوا ربهم الذي يستجيب لهم والمتوسل بالعالم مثلا لم يدع إلا الله ولم يدع غيره دونه ولا دعا غيره معه.

وإذا عرفت هذا لم يخف عليك دفع ما يورده المانعون للتوسل من الأدلة الخارجة عن محل النزاع خروجا زائدا على ما ذكرناه كاستدلالهم بقوله تعالى (وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله) فإن هذه الآية الشريفة ليس فيها إلا أنه تعالى المنفرد بالأمر في يوم الدين وأنه ليس لغيره من الأمر شيء.

والمتوسل بنبي من الأنبياء أو عالم من العلماء هو لا يعتقد أن لمن توسل به مشاركة لله جل جلاله في أمر يوم الدين ومن اعتقد هذا لعبد من العباد سواء كان نبيا أو غير نبي فهو في ضلال مبين وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله (ليس لك من الأمر شيء) قل (لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا) فإن هاتين الآيتين مصرحتان بأنه ليس لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أمر الله شيء وأنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فكيف يملك لغيره وليس فيهما منع التوسل به أو بغيره من الأنبياء أو الأولياء أو العلماء وقد جعل الله لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) المقام المحمود لمقام الشفاعة العظمى وأرشد الخلق إلى أن يسألوه ذلك ويطلبوه منه وقال له سل تعطه واشفع تشفع وقيل ذلك في كتابه العزيز بأن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن ارتضى وهكذا الاستدلال على منع التوسل بقوله (صلى الله عليه وسلم) لما نزل قوله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين) يا فلان بن فلان لا أملك لك من الله شيئا يا فلانة بنت فلان لا أملك لك من الله شيئا فإن هذا ليس فيها إلا التصريح بأنه (صلى الله عليه وسلم) لا يستطيع نفع من أراد الله ضره ولا ضر من أراد الله تعالى نفعه وأنه لا يملك لأحد من قرابته فضلا عن غيرهم شيئا من الله وهذا معلوم لكل مسلم وليس فيه أنه لا يتوسل به إلى الله فإن ذلك هو طلب الأمر ممن له الأمر والنهي وإنما أراد الطالب أن يقدم بين يدي طلبه ما يكون سببا للإجابة ممن هو المنفرد بالعطاء والمنع وهو مالك يوم الدين[5].

خاتمة:

إن هذه المسئلة التي أثارت الجدل والخصومة بين المسلمين وجعلتهم فرقا تتنابز وتتخاصم ويرمي بعضها بعضا بالضلال والانحراف هي في الحقيقة مسئلة فرعية وقد فرغ منها أهل العلم قديما وموطن الخلاف فيها يدور بين هل هي حرام أو ليس بحرام فلا يصح لمن يرى أحد الرأيين أن يحكم على صاحب الرأي الآخر بالضلال والكفر.

إن السلف الصالح رضوان الله عليهم اختلفوا في الفروع وكانوا أحبابا وأمم الإسلام في أشد الحاجة لالتماس السبل التي تقرب بين وجهات الأنظار ومن نظر بعين الإنصاف وتجنب الشطط والاعتساف علم يقينا إن هذه المسائل التي يثيرها المتشددون المتعصبون لا تستحق كل هذا النزاع والخصام والتضليل والتكفير لأهل القبلة.

وقد أجمع العلماء سلفا وخلفا على أن الخلاف في الفتاوى الفقهية بين المسلمين لا يجعلهم فرقا متعددة حيث إنهم جميعا على عقيدة واحدة ولا يكفر بعضهم بعضا ولا يفسق بعضهم بعضا وأن الخلاف في الفروع لا يضرهم في دينهم حيث إن كلا منهم مجتهد أو تابع لمجتهد فالبسملة لا تصح صلاة من تركها في الفاتحة عند الشافعي وقال أبو حنيفة (رضي الله عنهما) بخلاف هذا واختلف رجال المذاهب حتى في المذهب الواحد وكلمة الوفاق بينهم أن ذلك لا يدعو إلى تكفير ولا تفسيق ولا تبديع.

وبالله عليك كيف تكفر إخوانك الذين يؤمنون بالله وباليوم الآخر وبرسالة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) وهم مع ذلك يصلون ويصومون ويؤدون الشعائر على وجهها ويتوجهون إلى القبلة كل يوم خمس مرات ؟!!!

__________________________________

[1] . مفاهيم يجب أن تصحح (5).

[2] . نفس المصدر (13).

[3] . تحفة الذاكرين (137-138).

[4] . تحفة الذاكرين (37).

[5] . تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي (10/ 35-37).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد