ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 31 مارس 2019 زيارة: 387

الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وسلم)

(غير مصنفة)
إعداد: الشيخ إبراهيم عبد السلام من علماء الأزهر الشريف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
فمنذ أن نزل الروح الأمين بالوحي على قلب الرسول الأكرم والنبي المعلم (صلى الله عليه وآله وسلم) تكفل الله عز وجل بحفظه ونقله على خير وجه سواء في النقل أو التفسير أو العمل والتطبيق وحمل أمانة ذلك علماء أولياء عدول ثقات ورثوا الكتاب الكريم والسنة المطهرة فحفظوا وفسروا وعملوا.
تجد منهم سادتنا أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد بن حنبل وأبا القاسم الجنيد ومن بعدهم البيهقي والكمال بن الهمام والخطيب البغدادي وابن عبد البر وابن الجوزي ثم النووي والحافظ العراقي والزيعلي ثم ابن حجر العسقلاني وابن حجر الهيثمي والسيوطي والمناوي … وغيرهم. جيش من العلماء والعباد قيضهم الله لحفظ هذا الدين ولزم السواد الأعظم من علماء المسلمين جادة الكتاب والسنة لا يحيدون عنها وورث الأزهر الشريف وعلماؤه هذا الإرث العتيق فقاموا به على خير وجه وعلموا الناس بما حملوه من الأمانة العظيمة.

وقد ضلت أقوام عن هذا الهدي وسلكت غير هذا السبيل فخرجوا على الناس بآراء وأقوال وأفعال على غير المنهج الذي رسمه العلماء من المحدثين والمفسرين وشذوا بذلك عن سبيل المؤمنين فلفظتهم الأمة الإسلامية بعد حين، ومنهم طائفة ظهرت في هذا الزمان ليس لهم نصيب من العلم إلا الظهور في وسائل الإعلام فأضلوا بعض الناس بغير حق وأشاعوا في الناس التكفير والتبديع والتفسيق وذلك والله شر عظيم على الإسلام والمسلمين.
ونحن إذ نصدر هذه السلسلة متضمنة فتاوة صدرت عن دار الأفتاء المصرية نهدف إلى بيان الرأي الشرعي الذي عليه السواد الأعظم نرجو بها أن ندعو الناس إلى سبيل علماء المسلمين الذي هو سبيل السواد الأعظم فإنه من لزم السواد الأعظم لزم الجادة ومن شذ عنه شذ في النار كما أخبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهذه فتوى عن حكم الاحتفال بمولد سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).


مخلص الفتوى:

الاحتفال بذكرى مولد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أفضل الأعمال وأعظم القربات وقد درج سلفنا الصالح على الاحتفال لمولده (صلى الله عليه وآله وسلم) بإحياء ليلته بشتى أنواع القربات كما نص عليه غير واحد من المؤرخين.
ونص جماهير العلماء سلفا وخلفا كابن حجر والسيوطي على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي بل ألف في استحبابه جماعة منهم بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل.
ما اعتاده الناس من شراء الحلوى والتهادي بها في المولد يدخل في معنى الاحتفال فإن التهادي مطلوب في ذاته ولم يقم دليل على منعه أو إباحته في وقت دون وقت، فإذا انضمت إلى ذلك المقاصد الحسنة فإنه يصبح مندوبا إليه، فإذا كان ذلك تعبيرا عن الفرح بمولد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أشد مشروعية وندبا واستحبابا لأن للوسائل أحكام المقاصد والقول بتحريمه حينئذ ضرب من التنطع المذموم.
ومما يلتبس على بعضهم دعوى خلو القرون الفاضلة من أمثال هذه الاحتفالات ولو سلم هذا فليس مسوغا لمنعها على أنه قد ورد في ألسنة ما يدل على احتفال الصحابة الكرام بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع إقراره لذلك وإذنه فيه.
وإذا كان الضرب بالدف إعلانا للفرح بقدومه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغزو أمرا مشروعا أقره النبي وأمر بالوفاء بنذره فإن إعلان الفرح بقدومه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الدنيا بالدف أو غيره من مظاهر الفرح المباحة في نفسها أكثر مشروعية وأعظم استحبابا.
ولا يقدح في هذه المشروعية ما قد يحدث فيه من أمور محرمة بل تقام هذه المناسبات مع إنكار ما قد يكتنفها من منكرات.


السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اطلعنا على الطلب المقيد برقم 463 لسنة 2008 م المتضمن: ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟ وهل هو بدعة كما يدعي بعضهم؟

الجواب:

المولد النبوي الشريف إطلالة للرحمة الإلهية بالنسبة للتاريخ البشري جميعه فلقد عبر القرآن الكريم عن وجود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنه رحمة للعالمين، وهذه الرحمة لم تكن محدودة؛ فهي تشمل تربية البشر وتزكيتهم وتعليمهم وهدايتهم نحو الصراط المستقيم وتقدمهم على صعيد حياتهم المادية والمعنوية، كما أنها لا تقتصر على أهل ذلك الزمان؛ بل تمتد على امتداد التاريخ بأسره (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) [الجمعة: 3].
والاحتفال بذكرى مولد سيد الكونين وخاتم الأنبياء والمرسلين نبي الرحمة وغوث الأمة سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) من أفضل الأعمال وأعظم القربات؛ لأنها تعبير عن الفرح والحب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصل من أصول الإيمان. وقد صح عنه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين”، متفق عليه.
وقال ابن رجب: “محبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أصول الإيمان، وهى مقارنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدم عليهما محبة شيء من الأمور المحبّبة طبعا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) [التوبة: 24].
ولما قال عمر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): “لا والذي نفسي بيده؛ حتى أكون أحب إليك من نفسك”، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “الآن يا عمر” رواه البخاري، انتهى.
والاحتفال بمولده (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الاحتفاء به، والاحتفاء به (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر مقطوع بمشروعيته؛ لأنه أصل الأصول ودعامتها الأولى، فقد علم الله سبحانه وتعالى قدر نبيه، فعرف الوجود بأسره باسمه وبمبعثه وبمقامه وبمكانته، فالكون كله في سرور دائم وفرح مطلق بنور الله وفرجه ونعمته على العالمين وحجته. وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد الرسول الأعظم (صلوات الله عليه وسلامه) بإحياء ليلة المولد بشتى أنواع القربات من إطعام الطعام، وتلاوة القرآن، والأذكار، وإنشاد الأشعار والمدائح في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما نص على ذلك غير واحد من المؤرخين مثل الحافظين ابن الجوزي وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسي، وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي (رحمهم الله تعالى).
ونص جماهير العلماء سلفا وخلفا على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، بل ألف في استحباب ذلك جماعة من العلماء والفقهاء، بينوا بالأدلة الصحيحة استحباب هذا العمل؛ بحيث لا يبقى لمن له عقل وفهم وفكر سليم إنكار ما سلكه سلفنا الصالح من الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف.
وقد أطال ابن الحاج في المدخل في ذكر المزايا المتعلقة بهذا الاحتفال وذكر في ذلك كلاما مفيدا يشرح صدور المؤمنين مع العلم أن ابن الحاج وضع كتابه “المدخل” في ذم البدع المحدثة التي لا يتناولها دليل شرعي وللإمام السيوطي في ذلك رسالة مستقلة سماها “حسن المقصد في عمل المولد“.
والاحتفال في لغة العرب: من حفل اللبن في الضرع يحفل حَفلا وحُفُلا تحفّل واحتفل: اجتمع، وحفل القوم من باب ضرب واحتفلوا: اجتمعوا واحتشدوا. وعنده حفل من الناس أي جمع، وهو في الأصل مصدر ومحفل القوم ومحتفلهم مجتمعهم، وحفله: جلاه، فتحفل واحتفل وحفل كذا: بالي به، ويقال: لا تحتفل به.
وأما الاحتفال بالمعنى المقصود في هذا المقام فهو لا يختلف كثيرا عن معناه في اللغة، إذ المراد من الاحتفال بذكرى المولد النبوي هو تجمع الناس على الذكر، والإنشاد في مدحه والثناء عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإطعام الطعام صدقة لله، إعلانا لمحبة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإعلانا لفرحنا بيوم مجيئه الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويدخل في ذلك ما اعتاده الناس من شراء الحلوى والتهادي بها في المولد الشريف؛ فإن التهادي أمر مطلوب في ذاته، لم يقم دليل على المنع منه أو إباحته في وقت دون وقت، فإذا انضمت إلى ذلك المقاصد الصالحة الأخرى كإدخال السرور على أهل البيت وصلة الأرحام فإنه يصبح مستحبا مندوبا إليه، فإذا كان ذلك تعبيرا عن الفرح بمولد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) كان أشد مشروعية وندبا واستحبابا؛ لأن للوسائل أحكام المقاصد، والقول بتحريمه أو المنع منه حينئذ ضرب من التنطع المذموم.
ومما يلتبس على بعضهم دعوى خلو القرون الأولى الفاضلة من أمثال هذه الاحتفالات، ولو سلم هذا فإنه لا يكون مسوغا لمنعها؛ لأنه لا يشك عاقل في فرحهم (رضي الله تعالى عنهم) به (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن للفرح أساليب شتى في التعبير عنه وإظهاره، ولا حرج في الأساليب والمسالك؛ لأنها ليست عبادة في ذاتها، فالفرح به (صلى الله عليه وآله وسلم) عبادة وأي عبادة، والتعبير عن هذا الفرح إنما هو وسيلة مباحة، لكل فيها وجهة هو موليها.
على أنه قد ورد في السنة النبوية ما يدل على احتفال الصحابة الكرام بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع إقراره لذلك وإذنه فيه؛ فعن بريدة الأسلمي (رضي الله عنه) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله، إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إن كنت نذرت فاضربي، وإلا فلا” رواه الإمام أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
فإذا كان الضرب بالدف إعلانا للفرح بقدوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الغزو أمرا مشروعا أقره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر بالوفاء بنذره، فإن إعلان الفرح بقدومه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الدنيا بالدف أو غيره من مظاهر الفرح المباحة في نفسها أكثر مشروعية وأعظم استحبابا.
وإذا كان الله تعالى يخفف عن أبي لهب وهو من هو كفرا وعنادا ومحاربة لله ورسوله بفرحه بمولد خير البشر بأن يجعله يشرب من نقرة من كفه كل يوم إثنين في النار؛ لأنه أعتق مولاته ثويبة لما بشرته بميلاده الشريف (صلى الله عليه وآله وسلم) كما جاء في صحيح البخاري، فما بالكم بجزاء الرب لفرح المؤمنين بميلاده وسطوع نوره على الكون! وقد سن لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه الشريفة جنس الشكر لله تعالى على ميلاده الشريف، فقد صح أنه كان يصوم يوم الإثنين ويقول: “ذلك يوم ولدت فيه”، رواه مسلم من حديث أبي قتادة (رضي الله عنه).
فهو شكر منه (عليه الصلاة والسلام) على منة الله تعالى عليه وعلى الأمة بذاته الشريفة، فالأولى بالأمة الائتساء به (صلى الله عليه وآله وسلم) بشكر الله تعالى على منته ومنحته المصطفوية بكل أنواع الشكر، ومنها الإطعام والمديح والاجتماع للذكر والصيام والقيام وغير ذلك، وكل ماعون ينضح بما فيه، وقد نقل الصالحي في ديوانه الحافل في السيرة النبوية “سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد” عن بعض صالحي زمانه: أنه رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه، فشكا إليه أن بعض من ينتسب إلى العلم يقول ببدعية الاحتفال بالمولد الشريف، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “من فرح بنا فرحنا به”.
وقد ورد الأمر الشرعي أيضا بالتذكير بأيام الله تعالى في قوله سبحانه: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) [إبراهيم: 5].

ومن أيام الله تعالى أيام الميلاد وأيام النصر، وأعظمها يوم ميلاد النبي المصطفى والحبيب المجتبى (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ ولذلك كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصوم يوم الإثنين من كل أسبوع شكرا لله تعالى على نعمة إيجاده واحتفالا بيوم ميلاده كما سبق في حديث أبي قتادة الأنصاري في صحيح مسلم، كما كان يصوم يوم عاشوراء ويأمر بصيامه شكرا لله تعالى وفرحا واحتفالا بنجاة سيدنا موسى (عليه السلام).
وقد كرم الله تعالى يوم الولادة في كتابه وعلى لسان أنبيائه فقال سبحانه: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ) [مريم: 15]. وقال جل شأنه على لسان السيد المسيح عيسى (عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم): (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ) [مريم: 33]، وذلك أن يوم الميلاد حصلت فيه نعمة الإيجاد، وهي سبب لحصول كل نعمة تنال الإنسان بعد ذلك، فما بالنا بيوم ميلاد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو سبب لكل خير ونعمة ننالها في الدنيا والآخرة، فكان تذكره والتذكير به من أعظم أبواب شكر نعم الله تعالى على الناس، ولا يقدح في هذه المشروعية ما قد يحدث في هذه المواسم الشريفة المباركة من أمور محرمة، بل تقام هذه المناسبات مع إنكار ما قد يكتنفها من منكرات، وينبه أصحابها إلى مخالفة هذه المنكرات للمقصد الأساس الذي أقيمت من أجله هذه المناسبات الشريفة.

والله سبحانه وتعالى أعلم

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد