ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 4 يونيو 2018 زيارة: 31

الاستغاثة بمخلوق عبادة لغير الله تعالى أم لا؟

(غير مصنفة)
الشبهة:

إن من استغاث بأحد من المخلوقين إنما هو في الحقيقة عابد له، والمتشفع بالنبي أو الولي جعله شريكا مع الله، وهذا هو الشرك الأكبر الذي أراده الله تعالى بقوله: (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وما في معنى هذه الآيات.

رد الشبهة من كلام الشيخ عبد الله محمد عكور في كتابه: النفحات الربانية في الاستغاثة بسيد البرية ص26-30

ليس إلى ما ذهبوا إليه دليل يعتمد عليه من أن الاستغاثة بمخلوق إنما هي عبادة له، ولا كل من طلب عونا من آخر اتخذه ربا، لأن الطلب قد يكون من الله وقد يكون من غير الله، وليس كل طلب دعاء ولا كل دعاء عبادة، لأن معنى العبادة يتحدد من النص، فقول ربنا جل شأنه (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) ليس معناه: لا تجعلوا عبادة الرسول كعبادة بعضكم بعضا، فالدعاء هنا هو النداء لا العبادة، إذ أن الفيصل بين العادة والعبادة إنما هي النية، فإذا توجه بالدعاء إلى الله على وجه القربة له يسمى عبادة، وإذا توجه بالدعاء إلى الخلق بنية الطلب يكون استغاثة، فانظر الفرق بين القضيتين، وأما الاستشهاد بهذه الآيات فباطل لأن القرآن مكث يتنزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة مدة ثلاثة عشر عاما، وكانت السور في هذه الفترة مقررة ثلاثة أمور:

ترسيخ عقيدة التوحيد في قلوب الناس، وضرب الأمثلة والبراهين والحجج الدامغة على إثبات وحدانية الله تعالى.

دعوة الناس للإيمان باليوم الآخر، وأنه يوم الجزاء على الأعمال.

تقرير مصير الناس بعد الموت، وأنه لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا الجنة الأبدية أو النار الأبدية.

فجاءت الآيات القرآنية في هذه الحقبة مقررة لعقيدة التوحيد، ومنددة على المشركين عبادتهم للأصنام، ودمغت عقولهم بأنواع البراهين الساطعة والحجج البالغة، فلما أقام القرآن الحجة عليهم وطلب منهم الإجابة على بعض التساؤلات التي تحوي في أجوبتها ما أراده الله من إظهار فساد أعمالهم وعقائدهم حادوا عن الجواب وقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وقد كذبوا في قولهم هذا، وإنما قالوها هروبا من الواقع الذي ساقهم القرآن إليه.

   إن القرآن نص صراحة على أن المشركين عبدوا الأوثان واتخذوها أربابا من دون الله، وقصدوها بالدعاء وكشف الكربات، والذبح والنذور، وإذا حجوا البيت ذكروا آلهتهم بالتلبية، وكانوا يغضبون لها وينتصرون لها ممن آذاها بسب أو غيره، لذلك نقموا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأن انتقص آلهتهم وناصبوه العداء والحرب، ويقولون في حربهم معه: أعل هبل، لذلك فضح القرآن قصدهم وأبان كذبهم في دعواهم، وقد أنزل الله تعالى قرآنا يتلى، وهو من أمهات الآيات المكية التي أنزلت في هذه الفترة، فمن ذلك قوله تعالى ناهيا المسلمين من التعرض للأصنام بالسب والشتم على مسمع المشركين فقال: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) قال الطبري: قال مشركوا قريش: يا محمد، لتنتهين عن سبِّ آلهتنا، أو لنهجوَنَّ ربك ! فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوًا بغير علم [1] .

   لذا لو كانت عظمة الله تعالى في قلوبه أكبر من أصنامهم ما سبوا الله تعالى انتقاما لأصنامهم.

   فالمنكر للاستغاثة لم يورد الدليل قطعي الدلالة على صحة ما يقول سوى هذه الآيات التي أنزلت في حق المشركين فحملوها على المؤمنين، وهذه هي دعوى الخوارج في كل عصر، فقد روى البخاري أن ابْنُ عُمَرَ كان يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ وَقَالَ: إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وكان أول ما خرج هؤلاء في قرية بالعراق اسمها حروراء، وقد قاتلهم سيدنا علي رضي الله عنه.

    ومن سيماهم: أنهم يرون أنفسهم على الحق وغيرهم على الباطل، وهذه دعوى من ينكر الاستغاثة هذه الأيام، فيرون أنهم هم الفرفة الناجية وغيرهم هلكى، وهذه كتبهم ودروسهم طافحة بذلك، فعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما قال الباجي: أي إن كان المقول له كافرا فهو كما قال، وإن لم يكن خيف على القائل أن يصير كذلك، وقال بن عبد البر: أي احتمل الذنب في ذلك القول أحدهما قال في سماع أشهب: سئل مالك رحمه الله عن هذا الحديث قال: أرى ذلك في الحرورية قيل: أتراهم بذلك كفار؟ فقال: ما أدري ما هذا قال: والحديث رواه بن وهب عن مالك عن نافع عن بن عمر وهو صحيح لمالك عنه، وعن بن دينار: إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم قال مالك: أي أقلهم وأرداهم إذ يقول ذلك، بمعنى أنا خير منهم[2].

   وخلاصة الأمر: أن هذه الآيات التي أوردها المنكرون لا يصح الاستدلال بها ولا الاستناد إليها في دعواهم، ذاك لأن المشرك عبد صنما، اتخذه إلها من دون الله، وفزع إليه في الملمات، وعظمت مكانته في قلبه حتى سجد له، وحلق عنده ونذر وذبح له، وفي المقابل هذا مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، استغاث بنبيه ولم يعتقد أنه يضر وينفع من دون الله، ولم يتخذه إلها ولا ربا، وجعله وسيلة فيما بينه وبين الله، فثم فرق واضح بين المسألتين، وبون شاسع بين الصورتين، والدليل إذا داخله الاحتمال سقط به الاستدلال.

___________________________

[1] تفسير الطبري (12/34) .

[2] تنوير الحوالك – (1 / 708) .

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد