ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 12 أغسطس 2017 زيارة: 78

البنية الفكرية لداعش «توحيد الحاكمية، الحكم بما أنزل الله»

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: العنف المستباح «الشريعة» في مواجهة الأمّة والدولة، ص202- 205
المؤلف: معتز الخطيب

يتمحور مشروع جماعات العنف عامة حول انحراف مفهوم التوحيد وضمور مفهوم الإيمان لدى المسلمين في ظل الدولة الحديثة، ولذلك شكلت دعوة المسلمين إلى شهادة التوحيد من جديد مسألة مركزية في أدبيات جماعات العنف، فقد كتب صالح سرّية «رسالة الإيمان» (1973م) لهذا المعنى وشخّص فيها «الكفر المعاصر» الذي وقع فيه المسلمون، وهو الحاكمية لغير الله، فتلبسوا في الردة الجماعية، وأضحت المجتمعات الإسلامية «مجتمعات جاهلية»، وهو المعنى الذي يتكرر عند محمد عبدالسلام فرج ومَن بعده وصولاً إلى تنظيم القاعدة ثم تنظيم الدولة، فأيمن الظواهري يرى أن «معركة الحق والباطل الدائرة عبر الزمان ما دارت ولا تدور إلا حول هذا الركن الركين من عقيدة الإسلام: لمن حق الحكم والتشريع؟»، وهو «ركن ركين من أركان التوحيد»، ولذلك قال في خطبته عن مصر لاحقاً: «إن ما يحصل في مصر هو ضد كل ما هو إسلامي وليس مصالح أو سياسة أو منافع، ضد الإسلام، ضد الشريعة، ضد الإقرار بحق المولى في التشريع»، وسيد إمام يرى أن «مسائل التشريع والحكم والتحاكم ليست من مسائل الأحكام الفرعية في الدين، وإنما هي داخلة في أصل الإيمان وصلب التوحيد» وأبوبصير الطرطوسي يرى أنه لأجل شهادة التوحيد «شرع الله تعالى الجهاد والقتل والقتال، والسلم والحرب، والولاء وابراء، وفي سبيلها تسير كتائب الجهاد والتحرير ويرخص كل غال ونفيس»، أما أبو عبدالله المهاجر فقد افتتح كتابه بالآيات التي تتحدث عن قصة إبراهيم التي تصف حالة الشرك وتحطيم التماثيل المعبودة من دون الله (سورة الأنبياء: 51-70).

يلح منظرو العنف على أن مصطلح الإيمان ومدلول التوحيد قد تحرّف إلى جانب غيره من المصطلحات كالكفر والجهاد وغيرها، يقول أبو بصير: «لم تتعرض كلمة- عبر التاريخ وإلى يومنا هذا- إلى التشويه والتحريف والتأويل الفاسد كما تعرضت له كلمة التوحيد»، فقد «أفرغوها من حقيقتها ومعناها ومن الغاية التي أنزلت لأجلها، وصوروها للناس على أنها مجرد أحرف باردة يتبرك بها عند الذكر أو التلاوة، لا مساس لها بواقعهم وحياتهم وأعمالهم وسلوكياتهم وعلاقة بعضهم ببعض!»، ويتردد الحديث عن «فتنة المصطلحات» في كتابات منظّري العنف عامة، كأبي قتادة وأبي بكر ناجي وغيرهما، وهي مسألة جوهرية في إعادة اكتشافهم للإسلام وخروجهم على التقليد والجماعة.

والأصل الذي انبثق عنه هذا المعنى هو نصوص سيد قطب المتكررة التي يقول في واحد منها: «من أطاع بشراً في شريعة من عند نفسه ولو في جزئية صغيرة، فإنما هو مشرك. وإن كان في الأصل مسلماً ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضاً، مهما بقي بعد ذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه، بينما هو يتلقى من غير الله، ويطيع غير الله. وحين ننظر إلى وجه الأرض اليوم في ضوء هذه التقريرات الحاسمة، فإننا نرى الجاهلية والشرك- ولا شيء غير الجاهلية والشرك- إلا من عصم الله فأنكر على الأرباب الأرضية ما تدّعيه من خصائص الألوهية ولم يقبل منها شرعاً ولا حكماً إلا في حدود الإكراه». فقد قدم قطب صياغة جديدة لمفهوم التوحيد (لا إله إلا الله)، رأى فيها أن شهادة التوحيد «كما كان يدركها العربي العارف بمدلولات لغته: لا حاكمية إلا الله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد؛ لأن السلطان كله لله»، وحقيقتها «إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقاً لله لا يشاركه فيه سواه، وعدم الاحتكام إلى الطاغوت في كثير ولا قليل، والرجوع إلى الله والرسول فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة والأحوال الطارئة حين تختلف فيه العقول». فقطب يؤكد على «حتمية هذا التلازم بين (دين الله) و(الحكم بما أنزل الله)» في مواضع متكررة من تفسيره.

لا تقف المسألة عند حدود إعادة صياغة المفهوم بل تتجاوزه إلى مقتضيات هذه الصياغة الجديدة، فـ« مقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض… فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس … هو المنهج السائد والغالب والمطاع، وهو النظام الذي يصرّف حياة الناس كلها بلا استثناء… وهو مدلول شهادة أن (لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ومقتضاه، لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرّخص والتفاهة والضياع!». فالتوحيد الحقّ هو الذي يشتمل على الحاكمية التشريعية والإيمان بالنظام الإسلامي الشامل لكل تفاصيل الحياة دقّها وجلّها، وهو «ثورة على السلطان الأرضي الذي يغتصب أولى خصائص الألوهية، وثورة على الأوضاع التي تقوم على قاعدة من هذا الاغتصاب، وخروج على السلطات التي تحكم بشريعة من عندها لم يأذن بها الله».

أسّس خطاب قطب لفكرتي: الخروج على الأنظمة (التوحيد ثورة)، والنظام الإسلامي الشامل الذي لا يقبل التبعيض (نظام مطلق)، ولا يتحرك إلا في محيط هو الذي يصنعه (الطهورية والعزلة الشعورية)، وهو بهذا قطع مع المشروع الإخواني وإن كان يبني على فكره؛ لأنه دفع بفكرة النظام الشامل إلى أقصاها ورتّب عليها أحكاماً لم يرتبها عليها الفكر الإخواني، وفارقهم في تصورها ورسم أبعادها مقترباً من الفكرة الخارجية كما سيتضح لاحقاً، وحوّل فكرة النظام الشامل إلى منهاج حركي يسعى لتجسيد تلك الأفكار (الثورية، الإطلاقية، الطهورية) وجدت فيه جماعات العنف غايتها وأساسها النظري.  

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد