ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 21 أكتوبر 2018 زيارة: 444

التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: عمدة الكلام في إثبات التوسل والتبرك بخير الأنام (37-41).
تأليف: عماد الدين جميل حليم الحسيني

اعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم) في حياته وبعد مماته، ولا يزال بعدهم إلى يومنا هذا على ذلك، وجواز هذا الأمر يعرف من فعل النبي (صلى الله عليه وسلم) وذلك أنه (صلى الله عليه وسلم) قسم شعره حين حلق في حجة الوداع وأظفاره.

أما اقتسام الشعر فأخرجه البخاري[1] ومسلم[2] من حديث أنس، وأحمد[3] قال: لما رمى (صلى الله عليه وسلم) الجمرة ونحر نسكه وحلق، ناول الحالق شقه الأيمن ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه، ثم ناوله الشق الأيسر فقال:” احلق”، فحلق فأعطاه أبا طلحة فقال:” اقسمه بين الناس”.

وفي رواية لمسلم: فبدأ بالشق الأيمن فوزّعه الشعرة والشعرتين بين الناس ثم قال: “بالأيسر” – أي فعل – فصنع مثل ذلك، ثم قال: “ههنا أبو طلحة”، فدفعه إلى أبي طلحة.

وفي رواية لمسلم أنه (عليه الصلاة والسلام) قال للحلاق: “ها” وأشار بيده إلى الجانب الأيمن فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه فأعطاه أم سليم. ا. هـ.

فمعنى الحديث أنه وزّع بنفسه بعضا بين الناس الذين يلونه، وأعطى بعضا لأبي طلحة ليوزعه في سائرهم، وأعطى بعضا أم سليم. ففيه التبرك بآثار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لأن الشعر لا يؤكل إنما يستعمل في غير الأكل، فأرشد الرسول أمته إلى التبرك بآثاره كلها حتى بصاقه، وكان أحدهم أخذ شعرة والآخر أخذ شعرتين، وما قسمه إلا ليتبركوا به فكانوا يتبركون في حياته وبعد وفاته، حتى إنهم كانوا يغمسونه في الماء فيسقون هذا الماء بعض المرضى تبركا بأثر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهذا الحديث في البخاري[4] ومسلم[5] وأبي داود[6].

وقد صح أنه (صلى الله عليه وسلم) بصق في الطفل المعتوه، وكان يعتريه الشيطان كل يوم مرتين وقال: “اخرج عدو الله أنا رسول الله” رواه الحاكم[7].

فقسّم (صلى الله عليه وسلم) شعره ليتبركوا به، وليستشفعوا إلى الله بما هو منه، ويتقربوا بذلك إليه، وليكون بركة باقية بينهم وتذكرة لهم، ثم تبع الصحابة في خطتهم في التبرك بآثاره (صلى الله عليه وسلم) من أسعده الله، وتوارد ذلك الخلف عن السلف. فلو كان التبرك به في حال الحياة فقط لبيّن ذلك.

وخالد بن الوليد (رضي الله عنه) كانت له قلنسوة وضع في طيّها شعرا من ناصية رسول الله أي مقدّم رأسه لما حلق في عمرة الجعرانة، وهي أرض بعد مكة إلى جهة الطائف، فكان يلبسها يتبرك بها في غزواته. روى ذلك الحافظ ابن حجر في المطالب العالية[8] عن خالد بن الوليد أنه قال:” اعتمرنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عمرة اعتمرها فحلق شعره، فسبقت إلى الناصية، فاتخذت قلنسوة فجعلتها في مقدمة القلنسوة، فما وجهت في وجه إلا فتح لي” ا. هـ. وعزاه الحافظ لأبي يعلى.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره محنة الإمام أحمد ما نصه[9]: قال أحمد: فعند ذلك قال- يعني المعتصم – لي: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه. قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعاقبين[10] والسياط وأنا أنظر، وكان معي شعرات من شعر النبي (صلى الله عليه وسلم) مصرورة في ثوبي، فجردوني منه وصرت بين العقابين. اهـ.

وأما الأظفار فأخرج الإمام أحمد في مسنده[11] أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قلّم أظفاره وقسمها بين الناس.

وأما جبته (صلى الله عليه وسلم) فقد أخرج مسلم في الصحيح[12] عن عبد الله بن كيسان مولى أسماء بنت أبي بكر قال:” أخرجت إلينا جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج[13] مكفوفين بالديباج[14]، فقالت: هذه كانت عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها”. وفي رواية ” نغسلها للمريض منّا” يستشفي بها.

وعن حنظلة بن حذيم قال: وفدت مع جدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله إن لي بنين ذوي لحى وغيرهم هذا أصغرهم، فأدناني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومسح رأسي وقال:” بارك الله فيك”، قال الذيّال: فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالرجل الوارم وجهه أو الشاة الوارم ضرعها فيقول:” بسم الله على موضع كفّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) [15] فيمسحه فيذهب الورم”. رواه الطبراني في الأوسط والكبير وأحمد في المسند[16] وقال الحافظ الهيثمي[17]: “ورجال أحمد ثقات”.

وعن ثابت قال: كنت إذا أتيت أنسا بخبر بمكاني فأدخل عليه، فآخذ بيديه فأقبّلهما وأقوا: بأبي هاتان اليدان اللتان مستا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأقبّل عينيه وأقول: بأبي هاتان العينان اللتان رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو يعلى[18].

وهذا سيدنا أبو أيوب الأنصاري (رضي الله عنه) الذي هو أحد مشاهير الصحابة والذي هو أول من نزل الرسول عنده لما هاجر من مكة إلى المدينة، جاء ذات يوم إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فوضع وجهه على قبر النبي تبركا وشوقا، روى ذلك الإمام أحمد عن داود بن أبي صالح قال: أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فقال: أتدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب فقال: نعم جئت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم ءات الحجر، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول:” لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن أبكوا عليه إذا وليه غير أهله[19] “. رواه أحمد[20] والطبراني في الكبير[21] والأوسط[22].

وعن حكيمة بنت أميمة عن أمها قالت: “كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قدح من عيدان[23] يبول فيه ويضعه تحت سريره فقام فطلبه فلم يجده فسأل: “أين القدح”؟ قالوا شربته برة خادم أم سلمة التي قدمت معها من أرض الحبشة فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): “لقد احتظرت من النار بحظار[24] ” رواه الطبراني[25] ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وحكيمة وهما ثقتان.

وأخرج البخاري[26] من حديث سهل بن سعد (رضي الله عنه) قال: جاءت امرأة ببردة قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم هي الشملة منسوج في حاشيتها قالت: يا رسول الله إني نسجت هذه بيدي أكسوكها فأخذها النبي (صلى الله عليه وسلم) محتاجا إليها فخرج إلينا وإنها إزاره فقال رجل من القوم: يا رسول الله أكسنيها، فقال: نعم، فجلس النبي (صلى الله عليه وسلم) في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه فقال له القوم: ما أحسنت سألتها إياه لقد علمت أنه لا يرد سائلا فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه.

وأخرج[27] أيضا في صحيحه عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو في قبة حمراء من أدم ورأيت بلالا أخذ وضوء النبي (صلى الله عليه وسلم) والناس يبتدرون الوضوء فمن أصاب منه شيئا تمسح به ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه.

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه[28] عن أبي مودودة قال: حدثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط قال: “رأيت نفرا من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمّانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك” ا. هـ.

________________________________

[1]. أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوضوء: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.

[2]. أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج: باب بيان أن السنّة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق والابتداء بالجانب الأيمن من رأس المحلوق.

[3]. أخرجه أحمد في مسنده (4/ 42) وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 19): “رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح”.

[4]. أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوضوء: باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان.

[5]. صحيح مسلم: كتاب الحج: باب بيان أن السنّة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق، والابتداء في الحلق في الجانب الأيمن من رأس المحلوق.

[6]. سنن أبي داود، كتاب المناسك: باب الحلق والتقصير.

[7]. أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب التاريخ: باب اجتماع الشجرتين بأمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (2/ 618). وصححه وأقرّه الذهبي في تلخيصه.

[8]. انظر المطالب العالية (4/ 90). قال الشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه على الحديث: كذا في الأصلين وفي الإتحاف: فما وجهته في وجه إلا فتح له، وفي الزوائد: فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصرة. قال البوصيري: رواه أبو يعلى بسند صحيح، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه ورجالهما رجال الصحيح (9/ 349)، انظر مسند أبي يعلى (13/ 139).

[9]. انظر البداية والنهاية (10/ 334).

[10]. هما اللذان يتوليان التعذيب.

[11]. أخرجه الإمام في مسنده (4/ 42) من حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقال الهيثمي في المجمع (3/ 19) بعد عزوه لأحمد:” ورجاله رجال الصحيح”.

[12]. صحيح مسلم: كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع.

[13]. عليه خرقة مخيطة من الحديد الغليظ في الماضي هكذا كانوا يفعلون يلصقون قطعة على طرف الثوب.

[14]. كذا وقع في جميع النسخ “وفرجيها مكفوفين”.

[15]. معناه يمسح بيده حيث مسه الرسول بيده ثم يمسح بيده على غيره.

[16]. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (4/ 16) بنحوه، وأحمد في مسنده (5/ 67 – 68).

[17]. مجمع الزوائد (9/ 408).

[18]. أخرجه أبو يعلى في مسنده (6/ 211). وقال الهيثمي في المجمع (9/ 325): “رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ثقة”.

[19]. معناه أنت من غير أهله.

[20]. أخرجه أحمد في مسنده (5/ 422).

[21]. المعجم الكبير (4/ 189)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (4/ 515). وصححه ووافقه الذهبي.

[22]. مجمع الزوائد (5/ 245).

[23]. عيدان بفتح العين المهملة وسكون التحية ودال مهملة جمع عيدانة وهي النخلة السحوق المتجددة والمراد هنا نوع من الخشب [فيض القدير].

[24]. كل ما حال بينك وبين شيء فهو حظار وحظار معناه سيحول بينها وبين النار حجاب.

[25]. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (24/ 205 – 206).

[26]. أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع باب ذكر النساج.

[27]. أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللباس، باب القبة الحمراء من أدم.

[28]. مصنف بن أبي شيبة، باب مس قبر النبي (4/ 121).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد