ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 18 سبتمبر 2019 زيارة: 113

التسليم عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم امتاز بالمواجهة بالخطاب ابتداء وجوابا

(غير مصنفة)
 مقتبس من كتاب: الدرة المضية في الزيارة المصطفوية الرضية (ص37-46)
تأليف: نور الدين ملا علي قاري بن سلطان محمد الهروي الحنفي

روي: «أن يزيد بن معاوية ما حاصر المدينة، وقتل من أهلها من قتل، حتى خلى المسجد عن إقامة الصلاة فيه مدة. قال ابن المسيب: كنت فيه، وما كنت أعلم دخول الأوقات إلا بسماع الأذان والإقامة من داخل القبر المكرم».
وقد صح عن – صلى الله عليه وسلم – النبي أنه قال: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي، حتى أرد عليه السلام»، وقد صدر به البيهقي «باب زيارة قبر النبي – صلى الله عليه وسلم -»، وذكر ابن قدامة الحديث من رواية أحمد؛ بلفظ: «ما من أحد يسلم علي عند قبري» الحديث.
فإن ثبت؛ فهو صريح في تخصيص هذه الفضيلة بالمسلّم عند القبر، وإلا فالمسلم عند القبر امتاز بالمواجهة بالخطاب ابتداء وجوابا، وهو مقتضى ما فسر به المقبري – أحد أكابر شيوخ البخاري – حديث: «ما من أحد يسلم علي»؛ فقال: هذا إذا زارني فسلم علي: «رد الله علي روحي حتى أرد عليه»». وأما ما ورد من حديث: «من صلى علي عند قبري، وكل الله ملكا يبلغني» معارض بحديث: «من صلى علي عند قبري سمعته»، ويمكن حمله على اختلاف الأحوال والأشخاص.
وروى ابن أبي الدنيا: عن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: «إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه، رد عليه السلام [وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه، رد عليه السلام]. وقد ذكر ابن تيمية: أن كل المؤمنين إذا سلم عليهم الزائر عرفوه، وردوا عليه السلام. فإذا كان هذا في آحاد المؤمنين، فكيف بسيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم -؟! وقد وقع لجمع من الأولياء أنهم سمعوا رد السلام عليهم من الحجرة الشريفة. وروى المنذري خبر: «علمي بعد وفاتي كعلمي في حياتي». وروي عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «حياتي خير لكم، فإذا مت كانت وفاتي خيرا لكم، تعرض علي أعمالكم، فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت غير ذلك استغفرت الله لكم».
فإن قيل: قوله: «إلا رد الله علي روحي» دال على عدم استمرار الحياة؛ فجوابه: أن البيهقي استدل به على حياة الأنبياء. قال: «وإنما أراد – والله اعلم -: [إلا] وقد رد الله على روحي».
وفيه أجوبة أخرى في رسالة السيوطي رحمه الله؛ منها: أن يكون ردا معنويا، وأن تكون روحه الشريفة مشتغلة بشهود الحضرة الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم؛ فإذا سلم عليه أقبلت روحه الشريفة على هذا العالم لتدرك سلام من يسلم عليه، وترد عليه. ولا يلزم عليه استغراق الزمان كله في ذلك، نظرا لاتصال الصلاة عليه في أقطار الأرض، لأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقول. وقيل: المراد بالروح الملك الموكل به. قيل: ويحتمل أن يراد به هنا السرور مجازا.
وأما خبر: «أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث» لا أصل له. وما روي عن ابن المسيب: «ما مکث نبي في الأرض أكثر من أربعين يوما»، لم يصح. وقال البيهقي: إن صح هذا؛ فالمراد أنه لا يترك لا يصلي إلا هذا القدر، ثم يكون مصليا بين يدي الله تعالى – أي: وإن كان في قبره -.
وقد جاء في حديث ضعيف: «إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكن يصلون بين يدي الله [تعالى] حتى ينفخ في الصور».
وجاء بسند جيد: «أن بلالا رضي الله عنه شد رحله من الشام إلى زيارة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفي رواية: أن ذلك لرؤيته [له]- صلى الله عليه وسلم -، قائلا له: ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني -، فأتى قبر النبي – صلى الله عليه وسلم -، وجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه. وكان ذلك في خلافة عمر رضي الله تعالى عليه، فاشتهى الحسنان سماع أذانه، فأذن في محله الذي كان يؤذن فيه من سطح المسجد، فما رؤي بعد موته – صلى الله عليه وسلم – أكثر باكيا وباكية من ذلك اليوم». وروي أنه لم يؤذن لأحد بعد النبي – صلى الله عليه وسلم – إلا هذه المرة، وأنه لم يتم الأذان لما غلبه من الوجد والبكاء. كذا ذكره ابن حجر المكي.
لكن ذكر الحافظ السيوطي في «الذيل»: أن قصة رحيل بلال رضي الله عنه، ثم رجوعه إلى المدينة بعد رؤيته – صلى الله عليه وسلم – في المنام، وأذانه بها، وارتجاج المدينة به، لا أصل له، وهي بينة الوضع.
ثم اختلفوا؛ هل الأفضل لمريد الحج والزيارة البداءة بالمدينة قبل مكة، أو عکسه؛ فالجمهور على الثاني، ويؤيده أن أحمد لا سئل، ابتدأ بالمدينة قبل مكة، وذكر بإسناده عن يزيد، وعطاء، ومجاهد، والنخعي: «إذا أردت مكة فلا تبدا بالمدينة، واجعل كل شيء لمكة تبعا». وذهب إلى الأول علقمة والأسود وعمرو بن ميمون من التابعين. والأولى حمله على أنه إذا اتسع الزمن للزيارة مع اتساعه بعدها للحج، مبادرة لتحصيل هذه القربة العظيمة؛ فإنه ربما يعوقه عائق عن التوجه إليها بعد الحج، وأيضا ليكون وسيلة – أي: وسيلة إلى قبول حجه -.
وروي عن أحمد أنه قال: «إذا حج الذي لم يحج قط، لا يأخذ عن طريق المدينة، لأني أخاف أن يحدث به حدث، فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطرق، ولا يتشاغل بغيره». وقال ابن الهمام: «الحج إن كان فرضا، فالأحسن أن يبدا به ثم يثنى بالزيارة، وإن كان نفلا كان بالخيار»، انتهى.
وما أحسن قول الشاعر:

تمام الحج أن تقف المطايا … على ليلى وتقرئها السلاما

فإن قلت: ما حكمة دفنه – صلى الله عليه وسلم – بالمدينة الشريفة، مع أنه جاء أن كل أحب إنما يدفن في المحل الذي خلق منه، وهو – صلى الله عليه وسلم – إنما خلق من الطينة التي خلقت منها الكعبة، فكان القياس أن يدفن فيها، لا سيما إذا قلنا بما عليه أكثر علماء الأمة: أن مكة أفضل من المدينة.
قلت: أما حكمة إفراده – صلى الله عليه وسلم – عن مكة بمحل آخر بعيد منها، فهي إظهار عظيم فضله – صلى الله عليه وسلم -، وأنه متبوع لا تابع، إذا لو دفن مكة، لكان قصده يقع تابعا.
وأما الجواب عما مر؛ من أن كل إنسان يدفن في المحل الذي خلق منه، فهو ما قاله العارف السهروردي – قدس سره -، واستحسنه العلماء من أن الطوفان لما علا الكعبة موج موجة، منها ما ربا على وجه الماء من أصلها إلى أن وصل به إلى محل قبره الشريف، فهو – صلى الله عليه وسلم – في الحقيقة لم يدفن إلا في أصل الكعبة الذي خلق منه.
ويؤيد قوله ما جاء في بعض الآثار: «أن سليمان عليه السلام زار محل قبر نبينا – صلى الله عليه وسلم -، وأخبر أنه سيقبر فيه، وترك ثمة أربعمائة من أحبار بني إسرائيل ينتظرون بعثته وهجرته إليهم (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة: 89].

 

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد