ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 16 أغسطس 2017 زيارة: 223 مصدر: http://www.al-akhbar.com/node/229977

التعاون على الإثم والعدوان: عن اليمن وجيران السوء

(غير مصنفة)
المعونة الأمريكية الخيرية وفتنة الحرب بين اليمنيين

«أنا الرّائد طيار رشاد ششة… من سلاح الجو الملكي السعودي… أطلب الإذن بالهبوط… أطلب الهبوط لأمر مهم وخطِر. أكرّر: الأمر مهم وخطير».

كان ذلك هو نص الاتصال الذي تلقاه برج المراقبة في مطار ألماظة (في القاهرة) من طائرة غامضة اخترقت المجالَ الجوي المصري، من ناحية البحر الأحمر، صباح يوم الثلاثاء 2 تشرين الأول 1962.

سُمِح للرائد ششة الذي كان يقود طائرة شحن عسكرية سعودية (أميركية الصنع من طراز «فيرتشيلد 123 ب») بالنزول، في مطار ألماظة، برفقة معاونيه الملازم طيّار أحمد حسين، والفني محمد أزميرلي. وبعد تفتيش طائرتهم، تبيّن أنها محمّلة بعشرين صندوقاً ضخماً، وبداخل كل صندوق اثنا عشر مدفعاً رشاشاً، بالإضافة إلى مئات من الصناديق التي تحتوي على ذخائر حربية. وكانت كل تلك الصناديق تحمل رمزا واضحا: كَفان تتلاقيان… وكان ذلك هو تماماً رمز المعونة الأميركية الخيرية للدول الفقيرة!

وقال أفراد الطاقم السعودي للسلطات المصرية إنهم يطلبون لجوءا سياسياً في مصر، لأنهم عصوا أوامر عسكرية صدرت لهم من رؤسائهم، وقضت بأن يطيروا من جدة إلى نجران في جنوب المملكة على حدود اليمن، حيث عليهم أن يسلّموا حمولتهم، ويعودوا من جديد ليكرروا الرحلة المشحونة «بالمعونة الأميركية الخيرية» ثلاث مرات كل يوم. وقال الثلاثة إنهم شكّوا أولاً في طبيعة هذه الشحنات، وفي الأطراف التي ستتلقاها منهم، ثم إنهم تحققوا أنّ الصناديق المموّهة بشعار المعونة الأميركية، ما هي إلا أسلحة تجهّز كي يجري تسريبها إلى ميليشيات يمنية متمردة على سلطات صنعاء، ولكي تكون وقوداً ضرورياً في إشعال حرب أهلية بين اليمنيين. وقال الثلاثة إنهم يأبون أن يُجعلوا وسيلة في إراقة دماء أبناء اليمن، وإنهم يفضّلون أن يكونوا سبباً في فضح المكر السعودي السيّئ ضد جيران فقراء.

في الغد، الأربعاء 3 تشرين الأول 1962، تكرر ما حصل بالأمس في ألماظة، إنما هذه المرّة في مطار أسوان، حيث طلبت طائرة شحن عسكرية سعودية (من الطراز الأميركي نفسه) الإذن بالهبوط بحمولتها. وكان على متنها الرائد طيار محمد عبد الوهاب، والملازم طيار محمد علي الزهراني.

وبعد خمسة أيام، في 8 تشرين الأول، جاء دور طائرتين سعوديتين مقاتلتين، لجأتا بدورهما إلى مطار الماظة. وكان على متن الأولى الرائد طيار محمد موسى عواد، وعلى متن الثانية الرائد طيار عبد اللطيف الغنوري.

كان جميع هؤلاء الطيارين سعوديي الجنسية. ولقد أبوا أن يتحملوا وزر المشاركة في عدوان أسرة طاغية لنصرة أسرة ظالمة ضد شعب مظلوم.

مملكة السيف ومملكة الخناجر

لم تكن العلاقة جيدة يوما بين آل سعود وآل حميد الدين الذين لطالما حكموا اليمن بأسلوب عزَلهُ خلف حجاب ثقيل من القمع والتجهيل والإفقار (1) حتى قام عليهم انقلاب عسكري يوم 26 أيلول 1962 أطاح مملكتهم المتوكلية. ولقد تحاربت الأسرتان الملكيتان في الماضي طويلاً، وكادتا بعضهما لبعض كثيراً، وكرهت كلتاهما الأخرى، وتوجستا من بعضهما بعضا دائماً. ثمّ استقرت الأحوال بينهما باردة بعد سلسلة حروب تلتها «اتفاقية صلح» بين السلالتين عام 1934. على أنّ الترفع السعودي الممزوج باحتقار لليمنيين ظل على حاله لم يتبدل، وكذلك بقي حقد آل حميد الدين الممزوج حسداً.

ولعل الضغينة بين السلالتين قد بدأت يوم خُيّل لعبد العزيز آل سعود في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين، أنه يستطيع أن يوسّع حدود مملكته جنوباً من دون أن يثير حفيظة بريطانيا التي كانت قد حرّمت عليه التفكير في المساس بمحمياتها على شاطئ الخليج. وكان من بين الأسباب التي دغدغت مطامع عبد العزيز أنّ بلاد اليمن لم يكن عليها – على خلاف غيرها – وصيٌ أجنبي يذبّ عنها. فقد اتبع الإمام يحيى حميد الدين، عن حكمةٍ أو عن تصلب، سياسة النأي بنفسه عن الوصاية والأوصياء: أتراكاً كانوا، أو أعراباً، أو أحباشاً، أو انكليزا…

كانت غزوة اليمن، في ربيع عام 1934، آخر حروب عبد العزيز التوسعية. فقد وجّه نحو الجنوب جيشين سعوديين بقيادة ابنيه الأميرين سعود وفيصل. وكانت الخطة أن يلتف الجيشان حول اليمن، في حركة كماشة للاستيلاء على هذه المملكة المعزولة الممتدة من عسير حتى حدود محمية عدن البريطانية. وكان ظن السعوديين أن غزوتهم ستكون نزهة للفارق الضخم في التسليح بين الفريقين. لكنّ المفاجأة التي لم تخطر لأحد، هي أنّ رجال جبال صعدة ببنادقهم القديمة لقّنوا جنود آل سعود درساً قاسياً في التكتيك وفي استثمار الجغرافيا، وفيما تقدّم جيش الأمير فيصل عبر سهل تهامة على ساحل البحر الأحمر بلا صعوبات تذكر؛ وقع الجيش السعودي الرئيسي في حملة اليمن، في سلسلة لا تنتهي من الفخاخ والكمائن الجبلية التي استنزفت رجاله، وشلّت حركته، وأعاقت تقدمه، بل أغلقت عليه حتى إمكانيات تقهقره! ولم يكن جيش الغزاة السعوديين الذي قاده الأمير سعود متعوّداً إلاّ القتال في سهول الصحراء، مما ألحق به في حرب الجبال هزيمة نكراء.

ولم يبق لعبد العزيز سوى أن يرضى بمغنم جيزان ونجران اللتين تنازل عنهما حاكمهما الشريف الإدريسي واستولى عليهما فيصل، وأن يطوي بقية أوهامه في بلاد اليمن، ويلعق جراحه، ويرسل ابنه خالد للتفاوض على شروط فك الاشتباك، وعقد اتفاقية سلام مع ممثلي الإمام يحيى. وجرى ذلك فعلاً، في الطائف، في شهر أيار 1934. وهناك توافق الطرفان على أن تكون خطوط فض الاشتباك بين الجيشين خطاً رسمياً للحدود بين البلدين، وعلى ألا يعتدي أحدهما على الآخر مستقبلاً، وأن «يكون التعاون بينهما على البِر والتقوى، بدلاً من أن يكون على الإثم والعدوان».

ولقد كان لافتاً كيف أنّ الإمام يحيى حميد الدين، وهو حاكم يابس الرأس، قبِل التنازل لآل سعود عن مقاطعتين لطالما عدّهما امتداداً طبيعياً لمملكته، برغم أنه لم يخسر المعركة العسكرية تماماً، بل إن خصومه هم الذين وحلوا في جبال اليمن. ولعل تفكير الرجل حينذاك كان منصرفاً نحو مسألتين: الأولى، أن يصرف فوراً عن بلاده أذى حملات سعودية كان لا بد أن تتوالى عليها. وكان يحيى يدرك جيداً أنّ جيوش الوهابيين، برغم خسارتها، أكبر من جيشه عدداً، وأكثر عتاداً، وأوفر مالاً، وأغزر خبرة وتجربة. وأمّا المسألة الثانية التي فكّر فيها إمام اليمن، فهي أنه لن ينام أبداً على ضيم، وأنه سيستفيد من الزمن حتى تنشغل مملكة السيف عنه بشواغلها الأخرى، ثمّ إنه لا بد أن يقتنص فرصة سانحة لينقض بخنجره على عدوه، فيبلغ ثأره، ويورده قبره، ويشفي صدره.

وفي صباح يوم 15 أيار 1935 (بعد عام بالتمام والكمال على اتفاقية الطائف) كان الملك عبد العزيز يطوف بالكعبة مصحوباً بولي عهده سعود، وفجأة داهمه ثلاثة رجال بخناجرهم وكادوا أن يذبحوه لولا أن تداركه سعود الذي دفعه أرضا ليحميه من الطعنات. وجُرح سعود في كتفه، وجُرح عبد العزيز في ساقه جرّاء قطعة رخام طيّرها رصاص حراسه الذين قتلوا المهاجمين. ثمّ تبيّن لاحقاً من التحقيقات أن الثلاثة كانوا جنوداً يمنيين، جاؤوا من تلك الجبال التي تعوّدت أن تقتص من أعدائها، ولو بعد حين!

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد