ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 24 يناير 2018 زيارة: 201

التوسل إلى الله بنفس ذات النبي وبالتبرك بآثاره (صلى الله عليه وسلم)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: نور الإسلام ص114-125.
تأليف: الشيخ عبد الكريم محمد المدرس

وهذا الوجه من التوسل هو أصل في باب التوسل لأن كل فضل وكرامة وعمل صالح ينبع من الذات وجوهر شخصيته المختارة وهو المستفاد من قوله تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى)[1] ومن قوله: (وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) [2] وقوله: (وكان عند الله وجيها) [3]، ومن قوله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) [4]. والعاقل ينظر إلى اصطفاء الذوات قبل النظر إلى محاسن الصفات والبسيط ينظر إلى الصفات ويستدل بها على رفعة الذات، فالذات أصل والوصف فرع.

وصورة هذا التوسل أن يقول الداعي: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد (صلى الله عليه وسلم) أو بعبدك الفلاني أن تقضي لي حاجتي، وهذا أيضا واقع في قضية الشخص المكفوف فإن ظاهرها أنه قال: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك محمد (صلى الله عليه وسلم) [5].

وفي استسقاء عمر بالعباس في قوله: إنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا[6] ولم يطلب منه دعاء، ولكنه عبر عن بيان المقصود بقوله وبدعائه الذي سبق ذكره وكذلك في قضية توسل سيدنا معاوية بزيد بن الأسود (رضي الله عنهما) حيث قال: اللهم إنا نستسقي بخيرنا وافضلنا اللهم إنا نستسقي بزيد بن الأسود وأما دعاؤه فكدعاء سيدنا العباس في طلب مراد الناس.

ولا مانع من التوسل بالذات إذا كان من الأموات كالأحياء لأنه يتوسل بيمنه وقدسيته والكرام إذا ماتوا باتوا في حلية النعيم والكرم المقيم وصفاء أرواحهم أزيد وأنوار قلوبهم أوسع ولا يتوسل باللحم والدم والعصب والعظم بل يتوسل بذوات لا ينقص مقدارهم دينا وشرعا عن مقادير الشهداء الذين قال سبحانه وتعالى في شأنهم: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [7] فإذا كان الشهداء على تلك المنزلة من الحياة لخدمتهم وجهادهم في الدين فكيف بصاحب الدين وسيد المرسلين وصحابته الأكرمين.

التوسل إلى الله بالتبرك بآثاره (صلى الله عليه وسلم)

وهذا أمر ثابت في عهده (صلى الله عليه وسلم) بمرآى منه وقد قرره (صلى الله عليه وسلم) وجرى الأمر عليه بعد وفاته أيضا، لأن الله سبحانه وتعالى خص آثاره وما لمسه أو باشره بمزايا وخصائص يتبرك بها وينتفع بأثرها.

ففي الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر (رضي الله تعالى عنها) أنها أخرجت جبة طيالسة وقالت: كانت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفون بها، وكانوا يفعلون ذلك فيشفون.

وكان لعبد القاسم بن المأمون قصعة من قصاع النبي (صلى الله عليه وسلم) يجعلون الماء فيها للمرضى فيشفون به.

وكان (صلى الله عليه وسلم) إذا توضأ ابتدروا وضوءه وكانوا يقتتلون عليه، وكان لا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها وتبركوا بها. وقد أقرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) على ذلك بل كان يأمر أبا طلحة أن يفرق شعره عند حلق رأسه بين أصحابه ليتبركوا به كما في صحيح البخاري[8].

وفيه عن أبي جحيفة قال: “خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالهاجرة إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم قال فأخذت يده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك”[9] رواه أحمد والبخاري وقوله (يمسحون بها وجوههم) فيه مشروعية التبرك بملامسة أهل الفضل والصلاح.

وفي صحيح مسلم عن عائشة أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يداوي من به قرحة أو جرح بأن يضع أصبعه السبابة بالأرض ثم يرفعها قائلا “بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفي سقيمنا بإذن ربنا”[10]. أي هذه تربة أرضنا معجونة بريقة بعضنا، قال النووي. ومعنى الحديث أن يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها على التراب ليعلق بها شيء منه فيمسح به على الموضع العليل والجرح ويقول هذا الكلام في حال المسح متبركا باسمه تعالى. انظر شرح المشكاة.

والسنة مملوءة بذكر التبرك والرقية بآثاره (صلى الله عليه وسلم) عرقه ودمعه ولعابه وثيابه ومشاهده التي شرفها (صلى الله عليه وسلم) ومن هنا أخذ التبرك بآثار الصالحين.

وقد حوفظ على عدد من شعرات لحية الرسول (صلى الله عليه وسلم) ملوك المسلمين ووقع منها عدد في خزانة السلاطين العثمانيين (رحمهم الله تعالى) ووصلت منها عدد إلى ديار كردستان العراق كما هي موجودة الآن في تكية (بيارة) المباركة احدى نواحي قضاء (حلبجة) التابعة لمحافظة السليمانية وقد توسل ببركتها على مرآى منا في مناسبات خاصة في زمن الجدب وقلة الأمطار فأخرجت من صندوقها الخاص واجتمعنا واقفين وصلينا على الرسول (صلى الله عليه وسلم) مرات وتوسلنا بها فنزلت الأمطار الغزيرة وفي أوقات الخوف من هجوم الأعداء على بعض أقطار المسلمين من مجاورين فحصلت صيانة لها عنهم، وذلك معلوم ومعروف عند المسلمين الموجودين في تلك الربوع بحيث لم يبق مجال للشك فيه، واقرأوا قوله تعالى: (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا) [11].

______________________________________

[1]. سورة النحل الآية 59.

[2]. سورة ص، الآية 47.

[3]. سورة الأحزاب الآية 69.

[4]. سورة الأنفال الآية 33.

[5]. سبق تخريج الحديث ص100.

[6]. سبق تخريجه ص 100.

[7]. سورة آل عمران، الآية 169-170.

[8]. لمزيد تفصيل ذلك راجع فتح الباري كتاب الوضوء باب الماء الذي يغسل فيه شعر الإنسان (1/238 – 239).

[9]. البخاري باب المناقب، انظر القسطلاني (6/29).

[10]. أخرجه مسلم في كتاب الطب. انظر شرح النووي في هامش القسطلاني (9/26)، وأبو داود في سننه كتاب الطب (2/339).

[11]. سورة يوسف، الآية 93.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد