ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 19 مارس 2018 زيارة: 115

التوسل بالصالحين من الموتى

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب المشروع والممنوع ص62-75
تأليف: الشيخ محمد زكي إبراهيم

برغم أننا أفردنا لهذا الموضوع رسالة علمية متكاملة، طبعت عدة مرات، هي رسالة (الإفهام والإفحام أو قضايا الوسيلة والقبور)، فإننا هنا نجمل أهم جوانب هذا الموضوع لارتباطه الوثيق بأهداف هذه الرسالة : في فوائد مختصرة مفيدة إن شاء الله كل الإفادة … نفصل ذلك إيمانا واحتسابا وأداء الواجب العلم والدعوة، ثم من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر  (وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم) والله المستعان .

فائدة (1):

أخرج البيهقي في دلائل النبوة بسند صحيح كما قرره الحافظ في الفتح أن الصحابي (بلال بن الحارث المزنی) أتى قبر الرسول عام الرمادة، (في عهد عمر) فقال : يا رسول الله، استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا»، وبلغ ذلك عمر، فلم ينكر على الصحابي قولته هذه، لا هو ولا غيره من كبار الصحابة، وهم أعلم الناس بدین الله، وهم يومئذ كثير كثير، ولم يقولوا لبلال (وما أنت بمسمع من في القبور) .. فتأمل؛ فإن معناه أن من في القبور يسمع، وأن الله قد يكرمه بشفاعته في غيره .

فائدة (2):

كانت لرجل حاجة عند عثمان بن عفان تعثر قضاءها فعلمه ابن حنيف دعاء (الضرير) ومنه قوله (یا محمد یا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لى، وكان (صلى الله عليه وسلم) قد توفي فدعا الرجل بهذا الدعاء، وذهب إلى عثمان فقضى حاجته المعثرة أو المتعسرة، ولم ينكر أحد من الصحابة على ابن حنيف ولا على صاحب الحاجة ما فعل، والحديث صحيح من رواية الترمذی وغیره؛ بل صححه ابن تيمية .

فائدة (3) :

وذكر الحافظ الثقة (ابن أبجر) وهو من رجال مسلم والنسائي والترمذي وأبي داود (وكان طبيبا ماهرا لا يأخذ أجرا على الطب) أن رجلا جاءه مريضا بمرض لا يرجى منه شفاء، فدعا الرجل بدعاء (الضرير) السابق ذكره (وهو توسل إلى الله برسوله (صلى الله عليه وسلم)  بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)) فلم يلبث أن شفاه الله»، وفي الآثار تجارب شتی كهذه .

فائدة (4) :

التوسل إلى الله بجاه فلان أو بركته أو حبه لله وحب الله له أو نحو ذلك ، هو قطعا غير الإقسام على الله بفلان مثلا؛ فالأول مشروع عند أهل الحق، والثاني يكاد يكون ممنوعا عند بعضهم لأسباب علمية وتفاصيل مختلف عليها. شأن كل الفروعيات المختلف عليها.

فائدة (5) :

المسلم المتوسل إلى الله بفلان على إطلاقه، لا يتوسل بهیكله ولا بلحمه وصورته، وإلا فإن الفيل والثور أعظم هيكلا من الإنسان، ولكنه يتوسل بما أكرمه الله تعالی به من المحبة والقرب والبركة والجاه ؛ فهو متوسل في الواقع بصفة من صفات الله التي يمنحها الله لخواصه، والتوسل بصفات الله جائز إجماعا، فإن أخطأ المتوسل التعبير فلا شك أن المعنى الصحيح مفروش ومستقر في قلبه مركوز في نفسه، فعلينا أن نعلمه، لا أن نكفره ونرميه جزافا بالشرك العظيم «إنما الأعمال بالنيات».

فائدة (6):

قصر بعضهم – من الغلاة المتمسلفة – معنى آية (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) على حياته (صلى الله عليه وسلم) فقط ، وهذا القصر أو التخصيص التعصبى يحتاج إلى دليل علمي صریح وهو غير موجود هنا إطلاقا؛ بل إن العموم هو الثابت ، من وقوع الفعل في سياق الشرط كما قرره علماء الأصول جميعا، لأن الفعل هنا في معنى الفكرة، وهي هنا تستوجب العموم وعلى الجاهل أن يتعلم أو يصمت، وعليه يحمل حديث ابن كثير في تفسيره الذي أخرجه البيهقي في الشعب)، والسخاوي في (القول البديع)، وابن الجوزی في (المثير) وابن عساكر في (التاريخ) من قصة الأعرابی الذي جاء إلى القبر وساكنه (صلى الله عليه وسلم) بمفهومه من هذه الآية، وهو المفهوم العلمي والفكري الصحيح، ووافقه عليه كل علماء عصره ومن بعدهم.

فائدة (7):

عدم فعل الصحابة لشيء لا يدل على تحريمه كما قرر علماء الفقه والأصول، وأقره العقل والفعل لاحتمال الشيء المتروك عدة وجوه وأسباب، ومتى دخل الاحتمال بطل الاستدلال.

والترك إن لم تصحبه حجة على تحريمه، لا يكون حجة قط؛ بل قد يفيد مشروعية هذا الفعل ، ويتضح ذلك مثلا في أن صلاة الجمعة لعهد النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن بعده كانت في مسجد واحد لا يتعدد، ثم تعددت صلاة الجمعة في أكثر من مسجد، مع أن ذلك كان متروكا لمبرراته من قبل، فليس كل ما تركه الصحابة يكون من الممنوع بله المحرم، وإلا فكل شئون حياتنا اليوم حرام !! وهو كلام لا يقبله عاقل ولا حتى مجنون.

فائدة (8):

وقد نقل صاحب (الرد المحكم) أن الشيخ ابن تيمية سئل فأجاب بتطويل جاء فيه ما نصه (وأما القسم الثالث وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان أو ببركة فلان أو بحرمة فلان عندك افعل بي كذا وكذا فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين.. إلخ)، وقد تأكد فيما أسلفنا علميا وعقليا أن كل ما لم يفعله الصحابة والسلف لا يكون حراما، لا عقلا ولا نقلا ، إنما هو من المباح المشروع المحكوم بالمصلحة الشرعية في قوانينها الأصولية عند أهل العلم.

فائدة (9):

في سنن ابن ماجة: قال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق محشای هذا إليك .. إلخ» . والله قد جعل تفضلا منه على نفسه حق بل حقوقا تعددت بها الآيات من نحو  (وكان حق علينا نصر المؤمنين) ونحو (وكتب ربكم على نفسه الرحمة) ونحو (كان على ربك وعدا مفعولا)، وفي هذه الآيات ونحوها يدخل الدعاء بالجاه والحرمة والحق الذي منحه الله عباده فهو من المشروع المؤصل کتابا وسنة ، وإن كان لم يصلنا عمل الصحابة به، فليس كل عمل الصحابة قد أتانا وعرفناه كله قطعا، وحتى مع الترك فلا يحرم المتروك إلا بنص حاسم کا قدمنا .

فائدة (10):

وقد توسل الإمام أحمد بن حنبل بالنبي له (صلى الله عليه وسلم) في قبره كما قرره صریحا في (منسکه) برواية المروزی (مما أدهش الشيخ ابن تيمية) .

وروى الدارمي في (السنن) بسند لا بأس به أن أهل المدينة قحطوا قحطا شديدا ففزعوا إلى عائشة فأمرتهم أن يأتوا قبر النبي فيجعلوا منه کوی (أي فتحات في السقف) إلى السماء – استشفاعا إلى الله – ففعلوا فأمطرهم الله حتى سمي هذا العام عام (الفتق) للخير الذي عم وشمل الناس والحيوان ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة على الإطلاق.

فائدة (11):

ذكر الحافظ الخطيب في (التاريخ) بسنده عن أبي على الخلال (أحد كبار أئمة الحنابلة وهو ثقة محدث معتبر)، يقول: ما أهمني أمر فقصدت قبر موسى الكاظم)، ابن جعفر ، فتوسلت به إلا سهل الله لي ما أحب.

وذكر الحافظ الخطيب في (التاريخ) أيضا أن الإمام الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره ، وكلما عرضت لي حاجة صليت ركعتين وأتيت إلى قبره فسألت الله ، فما تبعد عنى حاجتي حتى تقضى .

وهؤلاء أئمة الأمة، وسادة علمائها وأمراء سلفها.. فكيف نترك علمهم الخالص لله، للعلم المتهم بكل عيوب الدنيا حسا ومعنی بداية ونهاية ؟! .

فائدة (12):

وذكر الإمام (التاج بن السبکی) في طبقات الشافعية في ترجمة الإمام الغزالي ، أن قبر الغزالی (بطوس) يدعو الناس عنده فيستجاب لهم.

وذكر السبكي أيضا أن قبر (یوسف بن دوناس) ظاهر معروف باستجابة الدعاء عنده .

وأهل العراق يقولون: الدعاء عند قبر (معروف الكرخی) تریاق مجرب . ذكره الإمام الذهبي.

وذكر الحافظ (المقري) في (مسند أصبهان) فيما نقله السخاوي في (القول البديع) أنه كان مع الحافظ الطبرانی ، والحافظ أبو الشيخ عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وقد هدهم الجوع، فشكوا إليه في قبره (صلى الله عليه وسلم) فإذا برجل علوي يحمل إليهم زنابيل من الطعام، ويقول: شکوتم إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) و فجاءني فأمرني بهذا.

وهؤلاء الرجال الثلاثة من أشهر الحفاظ، فقولهم وعملهم حجة لا شك فيها إن شاء الله تعالی …

وقد اعترف الشيخ ابن تيمية بإكرام الله تعالى لقوم ممن التجئوا إلى القبر الشريف توسط إلى الله بصاحبه (صلى الله عليه وسلم).

فائدة (13) :

الشرك: اعتقاد أن الله شریگا يدبر الأمر معه ويشاركه في حكمه … أما التوسل فهو التقرب بما يرضي المتقرب إليه .. (والاستغاثة) طلب النجدة ممن يستطيعها.. (والدعاء النداء والطلب، وكل واحد من هذه له في ذاته حقيقة مستقلة مباينة للآخر تمام المباينة، والخلط بينها إما جهل أو تغليط أو تعصب جاهلی .. ومنه سحب الآيات التي نزلت في المشركين على أهل القبلة والموحدين، مما أنكره البخاري وغيره من كبار أئمة الحديث والفقه والعقائد؛ فهو من أمكر وأنكر البدع التي فرقت الصف الإسلامي وفرقت الأمة، حتى أطمعت فيها أقل الخلق وأنذلهم وأهونهم على الله .

وكل ذلك باسم (السلفية المظلومة) والتوحيد المفتری عليه، ثم إن ذلك ليس تدينا واعتقادا، ولكنه أيسر الأسباب إلى الربح المربح، والمتعة المحرمة.

فائدة (14):

الذي يذهب إلى إحدى البلاد أو الأماكن لزيارة قبر رجل من أولياء الله أو الصالحين بعامة، لا يشمله أبدا

حديث منع شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة (على فرض الأخذ بظاهره وعدم تأويله) بما أشرنا إليه في كتابنا (أصول الوصول).. ذلك لأن شد الرحال هنا هو لزيارة القبر والصدقة والتماس البركة وتنفيذ أمر النبي بزيارة المقابر . فليس لزيارة المسجد ، فخرج من حكم المنع (عند التسليم به)، وقد صح أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يشد الرحال لزيارة مسجد قباء في ضواحي المدينة، وهو غير المساجد الثلاثة ، وكان أبو هريرة راوی حدیث المنع يشد الرحال لزيارة القبور.

وقد روى أبو الشيخ الأزدي ، وأبو الحسن العسکری ، وأبو موسى المديني ، قال (صلى الله عليه وسلم): «لو أعرف موضع قبر یحیی بن زكريا لزرته» فدل على جواز الرحلة لزيارة قبور الصالحين، وبهذا ينقطع الهدف الملتوی حول موضوع السفر الزيارة أولياء الله ، وعباده الصالحين مما يتشدق به مرتزقة الدنيا والريال والدولار .

کرامات الصالحين بعد الموت ثابتة:
فائدة (15):

(أولا) لأنها من خصائص الروح، والروح باقية وإن فني الجسد.

(ثانيا) ما تأكد من قصة الصحابي الذي غيبته الملائكة بعد موته وغيره ، والموضوع مستوفي تمام الاستيفاء من أخينا في الله تعالى المرحوم السيد المحدث الشيخ عبد الله ابن الصديق الغماري رحمه الله في كتابه (الحجج البينات)، وكما يشهد بذلك الواقع المكرر المتواتر في جميع بلاد الإسلام) [1].

فائدة (16) :

قد يخطىء بعض العامة أو الجمهور ، فيقول مثلا: (نذرت) هذا الشيء لفلان، فينبرى له بعضهم متهما إياه بالشرك والكفر ، والخروج من الملة، بل واستحلال دمه وعرضه وماله، بدلا من توجيهه بالتي هي أحسن ، مع أنه ثبت تماما أن سيدنا سعدا) حفر بئر ماء لتكون صدقة جارية على أمه ثم قال : (هذه لأم سعد) أي أنها لله وثوابها لأم سعد، اعتمادا على مفهوم الكلمة، وحال المتكلم، ولم ينكر عليه أحد، لا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا صحابته .

فائدة (17) :

روى الطبراني بإسناد رجاله ثقات (كما قال الحافظ الهيثمی) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : «إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر (أي أنهم يكتبون كل شيء حتى سقوط ورق الشجر) فإذا أصاب أحدكم عرجة ، بأرض فلاة، فيناد : أعينوا یا عباد الله»، وفي لفظ آخر: «أغيثونی» فإن لله عبادا لا نراهم .

ورواه الطبراني أيضا وأبو يعلى وابن السني ونحوه غیر أنه قال: «يا عباد الله احبسوا؛ فإن الله حاضر في الأرض سيحبسه عليكم» .

وقد ذكر النووي صحة هذه التجربة، والمراد هنا جواز الاستعانة أو الاستغاثة بما يقدر عليه المخلوق حاضرا كان أو غائبا، منظورا أو غير منظور، أما غير ذلك فيطلب من الله وحده .

فائدة (18):

وأخيرا ؛ فإن الله تعالى أمرنا أمرا صریحا باتخاذ الوسيلة فقال : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) فلا خلاف على مشروعيتها قط ، إنما الخلاف على الصورة والأسلوب والكيفية، ونحوها وهذه أمور فرعية لا تفسد عقيدة ولا عبادة، وقد ورد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) توسل بحق السائلين على الله وبحق ممشاه (صلى الله عليه وسلم) إلى الله، وبغير ذلك كما ثبت أنه أمر بالتوسل به (صلى الله عليه وسلم) كما جاء في حديث الضرير وقد سبق .

ثم بعد كل ما قدمنا من أدلة على أن التوسل مطلوب شرعا[2]، مأمور به في كتاب الله، وأن الخلاف استجد حول التطبيق على الأصيل، شأن ما لا يحصى من قضايا علوم الدين، وبهذا يكون قد انحسر الغبار عن الحقيقة التي حاول قوم إخفاءها لحاجة في نفوسهم، لا الله ولا للناس، والحمد لله رب العالمين .

______________________

[1]. وللإمام الرائد رسالة (الكرامات والخوارق) استوفى فيها هذه المسائل من الناحية العقلية والشرعية والعلمية. وهي تحت الطبع قريبا إن شاء الله .

[2]. وراجع كتاب الإمام الرائد «الإفهام والإفحام أو قضايا التوسل والوسيلة» لتجد الموضوع تاما مفصلا مخرجة أحاديثه ، موضحة أدلته، بما لا يدع مجالا لجدال مجادل أو وهم واهم.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد