ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 23 مارس 2018 زيارة: 211

التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) قبل وجوده وفي حياته وبعد وفاته

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب أبواب الفرج ص202-210.
تأليف: الإمام محمد بن علوي المالكي

التوسل من أعظم أبواب الفرج، وهو أقرب طرق الوصول إلى بلوغ المامول وحصول المطلوب، وخصوصا إذا كان ذاك بجاه الحبيب المحبوب شافي العلل ومفرج الكروب (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله ومن إليه منسوب.

التوسل بالأعمال:

تتحدث الشنة بأروع بيان وأحكم تبيان عن التوسل بالأعمال في حديث الغار الذي رواه البخاري وغيره، إذ يقول (صلى الله عليه وسلم): “انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم، فآواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، لعل الله يفرجها عنكم. فقال رجل منهم : إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فعاقني طلب الشجر يوما فلم أزح عليهما حتى ناما، فجلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فنحرجت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فقمت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتی برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت انفراجا لا يستطيعون الخروج منه.

وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي بنت عم وكانت أحب الناس إلي فراودتها عن نفسها فامتنعت حتي المت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى قدرت عليها قالت : لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الرجوع عليها فانصرف عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطينها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.

ثم قال الثالث: اللهم إني استاجرت أجراه فاعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له فثمرت أجره، فجاءني بعد حين فقال : يا عبد الله أد إلي أجرتي، قلت له: كل ما ترى من أجرتك من الإبل والنعم والبقر والرقيق فقال: يا عبد الله لا تستهزيء بي، فقلت: إني لا أستهزء بك، نأخذ ذلك كله فاستاقه ولم يترك منه شيئا . اللهم إن کنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة فخرجوا من الغار يمشون”. لقد أدى هذا الحديث الرائع بأجلى معاني الروعة رسالته عن توسل رجال الغار بالدعاء بالأعمال التي أتوها قبل أن ينسد عليهم الغار بالصخرة التي حالت بينهم وبين الخروج منه.

التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) قبل وجوده:
توسل آدم به:

وقد جاء في الحديث أن آدم قد توسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، قال الحاكم في المستدرك» حدثنا أبو معبد عمرو بن محمد بن منصور العدل، حدثنا أبو الحسن محمد إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، حدثنا أبو الحارث عبد الله بن مسلم الفهري ، حدثنا إسماعیل بن مسلمة، أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر (رضي الله عنه)، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “لما اقترف آدم الخطيئة قال : يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله : يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبة لا إله الا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله : صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك”. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد وقد أخرجه البيهني أيضا، من شرح المواهب، (ج1 ص62).

وقد نقل هذا الحديث جملة من العلماء منهم الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، (ج1 ص180)، والحافظ الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه ما لم أعرفهم (مجمع الزوائد ج8 ص253)، وصحح الحديث السبكي في كتابه «شفاء السقام في زيارة خير الأنام، والسراج البلفيني، والحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى، والقسطلاني والزرقاني في شرح المواهب، ج1ص62.

روايات أخرى للحديث:

روی ابن تيمية حديثين في هذا الموضوع، وأوردهما مستشهدا بهما فقال: روى أبو الفرج بن الجوزي بسنده إلى ميسرة قال: قلت یا رسول الله متی کنت نبيا؟ قال: لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وخلق العرش، کتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء. وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء فكتب اسمي على الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالی نظر إلى العرش فرأی اسمي فأخبره الله أنه سيد ولدك، فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا باسمي إليه”.

وروى أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة، ومن طريق الشيخ أبي الفرج حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين، حدثنا أحمد بن سعيد الفهري، حدثنا عبد الله بن إسماعيل المدني، عن عبد الرحمن بن زید بن اسلم عن أبيه عن عمر ابن الخطاب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لما أصاب آدم الخطيئة رفع راسه فقال : يا رب، بحق محمد ألا غفرت لي، فاوحى إليه: وما محمد؟ فقال: يا رب إنك لما أتممت خلقي رفعت راسي إلى عرشك فإذا عليه مكتوب: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك إذ قرنت اسمه مع اسمك فقال: نعم، قد غفرت لك. وهو آخر الأنبياء من ذريتك، ولولاه ما خلقتك». فهذا الحديث يؤيد الذي قبله وهما كالتفسير للأحاديث الصحيحة من الفتاوی (ج2 ص150).

والحاصل أن هذا الحديث صححه ونقلت جماعة من فحول العلماء وأئمة الحديث وحفاظه الذين لهم مقامهم المعروف ومكانتهم العالية وهم الأمناء على السنة النبوية. فمنهم الحاكم والسيوطي والسبكي والبلقيني، ونقله البيهقي في كتابه الذي شرط فيه أن لا يخرج الموضوعات، وذكره ابن كثير في البداية، واستشهد به ابن تيمية في الفتاوی.

فوائد مهمة من حديث توسل آدم:

وفي الحديث التوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل أن يتشرف العالم بوجوده فيه، وأن المدار في صحة التوسل على أن يكون للمتوسل به القدر الرفيع عند ربه عز وجل، وأنه لا يشترط كونه حيا في دار الدنيا، ومنه يعلم أن القول بأن التوسل لا يصح باحد إلا وقت حياته في دار الدنيا قول من اتبع هواه بغير هدى من الله.

توسل اليهود به (صلى الله عليه وسلم):

قال الله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة الآية 89].

قال ابن عباس : كانت يهود خيبر تقاتل غطفان، فلما التقوا هزمت يهود فدعت یهود بهذا الدعاء وقالوا: إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان أن تنصرنا عليهم قال : فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان، فلما بعث النبي (صلى الله عليه وسلم) كفروا، فأنزل الله تعالی : (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) (أي: بك با محمد) إلى قوله: (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) تفسير القرطبي (ج2 ص26-27).

التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في حياته وبعد وفاته:

عن عثمان بن حنیف (رضي الله عنه) قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال : يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي، فقال (صلى الله عليه وسلم): “ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد (صلى الله عليه وسلم) نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيجلي لي عن بصري، اللهم شفعه في وشفعني في نفسي”، قال عثمان: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل وكأنه لم يكن به ضر.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقال الذهبي عن الحديث: إنه صحيح (ج1 ص519). |

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر وهو غير الخطمي، ذكره في آخر السنن في أبواب الدعوات.

قال المنذري: ورواه ايضا النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه»، (كذا في الترغیب، کتاب النوافل، باب الترغيب في صلاة الحاجة، ج1، ص438).

وليس هذا خاصا بحياته (صلى الله عليه وسلم) بل قد استعمل بعض الصحابة هذه الصيغة من التوسل بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم). فقد روى الطبراني هذا الحديث وذكر في أوله قصة، وهي أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان (صلى الله عليه وسلم) في حاجة له، وكان عثمان (رضي الله عنه) لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقي الرجل عثمان بن حنیف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان ابن حنیف: ائت الميضأة ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي وتذكر حاجتك.

فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتي باب عثمان فجاء البواب حثي أخذ بيده فأدخله على عثمان فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، ثم قال ما كانت لك حاجة فائتنا، ثم إن الرجل لما خرج من عنده لقي عثمان بن حنيف وقال له: جزاك الله خيرا كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إلي حتى كلمته في. فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) أو تصبر؟، فقال : يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق عليه. فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): «ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات»، فقال عثمان ابن حنیف: فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط.

قال المنذري : رواه الطبراني، وقال بعد ذكره والحديث صحيح (كذا في الترغیب، ج1 ص440، وكذا في مجمع الزوائد ج2 ص279).

وقال الشيخ ابن تيمية : قال أبو عبد الله المقدسي إن الحديث صحيح.

فالقصة صححها الحافظ الطبراني، والحافظ أبو عبد الله المقدسي، ونقل ذلك التصحيح الحافظ المنذري والحافظ نور الدين الهيثمي والشيخ ابن تيمية.

وحاصل القصة أن عثمان بن حنيف الراوي لحديث المشاهد للقصة علم من شکا إليه إبطاء الخليفة عن قضاء حاجته هذا الدعاء الذي فيه التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) والنداء له مستغيثا به بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم)، ولما ظن الرجل أن حاجته قضيت بسبب كلام عثمان مع الخليفة بادر ابن حنيف بنفي ذلك الظن وحدثه بالحديث الذي سمعه وشهده، ليثبت له أن حاجته إنما قضيت بتوسله به (صلى الله عليه وسلم) وندائه له واستغاثته به، وأكد ذلك له بالحلف أنه ما كلم الخليفة في شأنه.

التوسل به (صلى الله عليه وسلم) في عرصات يوم القيامة:

أما التوسل به في عرصات يوم القيامة فلا حاجة للإطالة فيه فإن أحاديث الشفاعة بلغت مبلغ التواتر، وكل ذلك فيه النصوص الصريحة التي تفيد بأن أهل الموقف إذا طال عليهم الوقوف واشتد الكرب استغاثوا في تفريج كربتهم بالأنبياء، فيستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسی ثم بعيسى فيحيلهم على سيد المرسلين حتى إذا استغاثوا به (صلى الله عليه وسلم) سارع إلى إغاثتهم وأسعف طلبتهم وقال: “أنا لها أنا لها”، ثم يخر ساجدا ولا يزال كذلك حتى ينادي: أن أرفع رأسك وأشفع تشفع، فهذا إجماع من الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين وتقریر من رب العالمين بأن الاستغاثة عند الشدائد بأكبر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج، ومن موجبات رضی رب العالمين.

التوسل بآثار الأنبياء السابقين:

قال الله تعالى : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [سورة البقرة الآية 248].

هذا التابوت المذكور في هذه الآية الكريمة هو صندوق مبارك لما يحتوي عليه من آثار نبوية موروثة عن أنبياء سابقين، وكان فيه : الميثاق، وعصا موسى، وعصا مارون، ولوحان من التوراة، وطست من ذهب، كانت تغسل فيه صدور الأنبياء، وثياب هارون، وهذه الآثار هي التي أشار إليها القرآن بقوله: (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ) [سورة البقرة الآية 248].

وكان عند بني إسرائيل يتبركون به ويستنصرون على أعدائهم ويقدمونه بين أيديهم في حروبهم، ويتوسلون به إلى الله فلما كثرت منهم المعاصي عاتبهم الله فسلبه منهم العمالقة، ثم من عليهم بعد ذلك فرده إليهم ليكون علامة على ملك طالوت وهو معنی قوله تعالى: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) [سورة البقرة الآية 248] (مختصرا من تفسیر ابن کثیر، ج1 ص313، والبداية والنهاية، له ج2 ص8، و تفسیر القرطبي، ج3 ص247).

توسل النبي (صلى الله عليه وسلم) بحقه وحق الأنبياء والصالحين:

جاء في مناقب فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب لما ماتت حفر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحده بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاضطجع فيه فقال: «الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها ، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين، وكبر عليها أربعا. وأدخلوها اللحد هو والعباس وأبو بكر الصديق (رضي الله عنهم).

رواه الطبراني في الكبير والأوسط – وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح (كذا في مجمع الزوائد ج9 ص257) قلت : وقد صحح الحديث ابن حبان والطبراني والحاكم.

وروي عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من خرج من بيته إلى الصلاة فقال : اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، وخرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك.

(رواه ابن ماجه كذا في الترغيب والترهيب ج1 ص179).

وراه ابن خزيمة في صحيحه، وابن السني وأبو نعيم وقد حسنه العراقي وابن حجر. انظر المغني عن حمل الأسفار إحياء، ج1 ص223. وقول (صلى الله عليه وسلم) هنا “بحق السائلين”، شامل للأحياء والأموات جميعا فصح التوسل بهما معا.

التوسل بآثاره (صلى الله عليه وسلم):

ثبت أن الصحابة (رضي الله عنهم) في كانوا يتبركون بآثاره (صلى الله عليه وسلم) وهذا التبرك ليس له إلا معنى واحد، ألا وهو التوسل بأثاره إلى الله تعالى لأن التوسل يقع على وجوه كثيرة لا على وجه واحد فقط.

فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحرص كل الحرص على أن يدفن بقرب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين حضرته الوفاة، فيبعث ولده عبد الله ليستأذن السيدة عائشة في ذلك وإذا بالسيدة عائشة تعلن أنها كانت تريد هذا المكان لنفسها، فتقول: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه على نفسي: فيذهب عبد الله ويشر أباه بهذه البشارة العظيمة، وإذا بعمر يقول: الحمد لله ما كان شيء أهم إلي من ذلك، وانظر تفصيل القصة في البخاري.

فما معنى هذا الحرص من عمر ومن عائشة؟ ولماذا كان الدفن بقرب رسول الله أهم شيء وأحب شيء إلى عمر؟، ليس لذلك تفسير إلا التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته والتبرك بالقرب منه.

وهذه أم سليم تقطع فم القرية التي شرب منها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول أنس فهو عندنا .

وهؤلاء الصحابة يتسابقون لأخذ شعرة واحدة من شعر راسه (صلى الله عليه وسلم) لما حلقه .

وهذه أسماء بنت أبي بكر تحتفظ بجبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتقول: فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها.

وهذا خاتم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لا يحتفظ به بعده أبو بكر وعمر وعثمان، ثم يسقط منه في البتر حتى صار البئر معروفا به فقال له إلى اليوم بئر الخاتم.

التوسل بقبر النبي بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم):

 قال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه االسنن»: باب ما أكرم الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) بعد موته: حدثنا أبو النعمان، حدثنا عمرو بن مالك البكري، حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا فشكوا إلى عائشة قالت: انظروا قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فاجعلوا منه كوا[1] إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال ففعلوا فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق . (انتهى سنن الدارمي ج1 ص43).

فهذا توسل بقبره (صلى الله عليه وسلم) لا من حيث كونه قبرا بل من حيث كونه ضم جسد أشرف المخلوقين وحبیب رب العالمين، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة، واستحق تلك المنقبة الكريمة.

وقال الحافظ أبو بكر البيهقي، أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر ، حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي، حدثنا يحيى بن يحيي، حدثنا أو معاوية عن الأعمش عن أبي صلاح عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في النام فقالت: «ائت عمر فاقرئه مني السلام وأخبرهم انهم مسقون، وقل له عليك بالكيس الكيس، فأتى الرجل فأخبر عمر، فقال: يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه. وهذا إسناد صحيح. (كذا قال الحافظ ابن كثير في البداية، ج1 ص91 في حوادث سنة ثمانية عشر).

وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري، وكان خازن عمر، قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر (رضي الله عنه) فجاء رجل إلى قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال: يا رسول الله استق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له : انت عمر… الحديث.

وقد روی سیف في “الفتوح” أن الذي في المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة . قال ابن حجر إسناده صحيح انتهى. (فتح الباري ج2 ص415).

توسل المسلمين بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في الحرب:

ذكر الحافظ ابن كثير أن شعار المسلمين في موقعة اليمامة كان: (يا محمداه)، قال ما نصه:

وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم وسار لجبال مسلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله، ثم رجع، ثم وقف بين الصفين، ودعا البراز وقال : أنا ابن الوليد العود، أنا ابن عامر وزيد، ثم نادى بشعار المسلمين، وكان شعارهم يومئذ (یا محمداه). (البداية والنهاية ج6 ص324).

التوسل به في المرض والشدائد:

عن الهيثم بن خنس قال : كنا عند عبد الله بن عمر (رضي الله عنهما) فخدرت رجله فقال له رجل: أذكر أحب الناس إليك، فقال: يا محمد. فكانما نشط من عقال.

وعن مجاهد قال: خدرت رجل رجل عند ابن عباس (رضي الله عنهما) فقال له ابن عباس: اذكر أحب الناس إليك، فقال : محمد (صلى الله عليه وسلم)، فذهب خدره. (ذكره الشيخ ابن تيمية في “الكلم الطيب” في الفصل السابع والأربعين ص165). فهذا توسل في صورة النداء .

التوسل بغير النبي (صلى الله عليه وسلم):

عن عتبة بن غزوان عن نبي الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إذا أضل أحدكم شيئا أو أراد عونا بأرض ليس بها أنيس، فليقل : يا عباد الله أعينوني، فإن الله عبادا لا نراهم وقد جرب ذلك. (رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة).

وعن ابن عباس أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: إن لله ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوني يا عباد الله. (رواه الطبراني ورجاله ثقات).

وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: یا عباد الله احبسوا یا عباد الله احبسوا، فإن لله حاضرا في الأرض سيحبسه». (رواه أبو يعلى والطبراني، وزاد “سيحبسه عليكم”).

وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف. انتهى من “مجمع الزوائد ومنبع الفوائد” للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي ج10 ص132.

فهذا ترسل في صورة النداء أيضا.

وجاء في الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقول بعد ركعتي الفرج: “اللهم رب جبریل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي (صلى الله عليه وسلم) أعوذ بك من النار”.

قال النووي في الأذكار: رواه ابن السني، وقال الحافظ بعد تخريجه: هو حدیث حسن (شرح الأذكار لابن علان ج2 ص139).

وتخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم، فكأنه يقول: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل … الخ. وقد أشار ابن علان إلى هذا في الشرح.

__________________

[1]. ومعنی کوا وهي جمع كوة أي: نافذة.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد