ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 7 يناير 2018 زيارة: 102

التوسل بطلب الدعاء من المتوسل به

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب نور الإسلام ص107-114.
تأليف: الشيخ عبد الكريم محمد المدرس

تستفاد مشروعية دعاء المسلمين بعضهم لبعض مواجهة أو غيابا في الحياة أو بعد الممات سواء طلب الدعاء منه أو لا، من الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فهو دعاء الرسل الكرام لأمتهم كدعاء سيدنا نوح عليه السلام لأمته، ودعاء سيدنا إبراهيم (عليه السلام) لأمته، واستغفار المسلمين لإخوانهم السابقين عليهم بالإيمان قال تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)[1]، وقوله سبحانه وتعالى (وتعانوا على البر والتقوى) [2] الشامل بظاهره لكل تعاون مادي أو معنوي، ومنه الدعاء للمكروب والمريض والمذنب والمحتاج برفع الكرب والمرض وعفو الذنب ودفع الفقر والحاجة وكذلك الدعاء بالتوفيق وتكثير المال والولد والجاه وقد تحقق هذا النوع من العون وطبقه الرسول (صلى الله عليه وسلم) في كثير من الناس كما هو واضح على علماء السيرة النبوية وكذلك المسلمون من الصحابة ومن بعدهم إلى يومنا هذا.

وأما السنة فقد صح أنه (صلى الله عليه وسلم) قال لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لما استأذنه في العمرة “لا تنسنا يا أخي من دعائك”[3] فقال عمر: كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا.

وفي مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي عن عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس لا يدع باليمن غير أم له” قد كان به بياض (برص) فدعا الله فاذهبه إلا موضع الدينار أو الدرهم. فمن لقيه منكم فليستغفر لكم، وفي رواية فمروه فليستغفر لكم”[4] انتهى، فأمر (صلى الله عليه) أصحابه باستغفار أويس لهم، وفيه حث على طلب الدعاء من الصالحين وأن الفاضل يستحب له أن يطلب الدعاء ولو من المفضول، فإن الصحابة أفضل من التابعين, وأويس (رضي الله تعالى عنه) كان من خيار التابعين. كما روى الحاكم عن علي مرفوعا: “خير التابعين أويس”[5] وروى عن ابن عباس: “سيكون في أمتي رجل يقال له أويس بن عبد الله القرني وان شفاعته في أمتي مثل ربيعة ومضر”[6].

وصح أنه (صلى الله عليه وسلم) أمر أمته بطلب الصلاة عليه، وطلب الوسيلة له، فقال “قولوا اللهم صل على محمد”[7]. وقال: “فاسألوا لي الوسيلة”[8]، كما صح أنه (صلى الله عليه وسلم) عندما كان قد طلب منه أحد أصحابه أن يستسقي للناس فدعا (صلى الله عليه وسلم) وسقاهم الله تعالى.

وروي عن أنس (رضي الله تعالى عنه) أنه قال: إن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان إذا قحطوا استسقى بالعباس (رضي الله عنه) فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنيك (صلى الله عليه وسلم) فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا.

وقد بين زبير بن بكار ما دعا به العباس في هذه الواقعة فقال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث فارخت السماء مثل الجبال حتى اخصبت الأرض وعاش الناس.

وهذا ظاهر في الوسيلة في قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) شاملة للنبي (صلى الله عليه وسلم) وللعباس ولكل من يستسقى به بعدهما.

ولا يتوهمن أحد أن استسقاء عمر بالعباس يدل على أنه لا يستسقى بجاه الأموات فإنه وهم فاسد ووجه استسقائه به دون أن يذهب بهم إلى روضة الرسول (صلى الله عليه وسلم) أو أن يستسقى بجاهه (صلى الله عليه) في خارجها أمور:

الأول: إرشاد المسلمين إلى أنه كما كان يستسقى بالرسول (صلى الله عليه وسلم) لمكانته عند الله كذلك يستسقى ويتوسل في المهمات بالصالحين من أمته لا سيما من كانت له علاقة قرابة منه (صلى الله عليه وسلم).

الثاني: أن استسقاءه به كالاستسقاء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) حيث قال عمر: وإنا نتوسل إليك بعم نبيك ولم يقل بالعباس بن عبد المطلب فقوة التشريف من إضافته إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فهذه الإضافة المعنوية قد اكسبت المضاف التشريف كالتعريف ولا يخفى هذا على علماء البلاغة.

الثالث: أنه خالف عمر (رضي الله عنه) على ضعفاء المسلمين حيث إن الله تعالى غني عن العالمين ويحتمل أنهم إذا ذهبوا إلى الروضة وتوسلوا به (صلى الله عليه وسلم) أن لا يسقوا فيقع الضعيف في قلق نفسي.

الرابع: أنه أراد أن يفهم الناس معنى الوسيلة في قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) وأنها لا تنحصر في الأعمال الصالحة بل يشملها وباقي وجوه التوسل فإن عمر كان ملهما كان ورد في بعض الأحاديث وقد وافق رأيه الكتاب العزيز في مواضع عديدة مذكورة في محلها.

الخامس: إعلان شرف ذوي العلاقة بالرسول (صلى الله عليه وسلم) من آله الكرام لا سيما وأن العباس كان بمنزلة الوالد منه (صلى الله عليه وسلم).

والسادس: أراد عمر أن يدعو العباس فيؤمن على دعائه الحاضرون من المسلمين فإنه لا تخفى مظافرة الدعوات بالتامنات. وكل ما ذكرنا مؤيد بما يأتي من دعائه (صلى الله عليه وسلم) واستشفاعه بالأنبياء الكرام الذين لحقوا بربهم كما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى.

السابع: أن في الاستسقاء بالعباس ورعاية احترامه اقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) حيث جاء في رواية فخطب الناس عمر فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا أيها الناس برسول الله (صلى الله عليه وسلم) واتخذوه وسيلة إلى الله تعالى.

وسر طلب الدعاء من الغير مع أن الله سبحانه وتعالى سميع قريب مجيب يسمع دعاء كل داع ومجيب دعاءه إذا شاء كما قال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي) [9] هو أمور نذكرها إن شاء الله تعالى:

الأول تواضع من العبد الداعي وتناس لنفسه فكأنه ابتعد عن ساحة الدعاء لكثرة ذنوبه وخجله أمام ربه، وهذه شيمة المخلصين.

الثاني: امتثال للآيات والأحاديث الدالة على استحباب دعاء الجماعة وتعاونهم بينهم في اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى فإن الله مع الجماعة والجماعة رحمة.

الثالث: اعتراف من الداعي بما يستفاد من الكتاب والسنة من اختصاص بعض الناس بمزيد فضيلة لا توجد في غيره. فقال سبحانه وتعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض)[10] وقال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) [11] فإنها تدل بظاهرها على أن الصالحين مختصون بفضائل ودرجات عالية عند الله.

فالمسلم المضطر يتحرى أن يكون طلبه مقرونا بالإجابة ببركة إضافة دعاء الوسيلة إلى دعائه ألا ترى قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما)[12].

أضاف استغفار الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى استغفارهم للتأكد من القبول ببركة استغفار الرسول لهم مع أن الله سبحانه وتعالى قال: (وإني لغفار لمن تاب) [13] وقال: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا) [14].

وقال سبحانه وتعالى في ما روى عنه الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أحاديثه القدسية “لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته وإن استعاذني لأعيذنه”[15].

رواه البخاري فإذا ظن واعتقد الداعي برجل صالح أنه من أولئك الناس المحبوبين التجأ إليه وطلب منه الدعاء لعله يدعو له فيجيب الله تعالى دعاءه.

وقال (عليه الصلاة والسلام): “رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره”[16] فالتجاء الناس إلى أولئك الصالحين تأكيد لرجاء القبول من الله سبحانه وتعالى.

وقال (صلى الله عليه وسلم): “أرجى الدعوات دعاء الأخ لأخيه بظهر الغيب”[17] فيطلب الملتجيء من أخيه الدعاء فيدعو له غيابا بإخلاص ويفوز بالقبول من الله وهو الجواد الكريم.

ولم يزل المسلمون يطلب بعضهم من بعض الدعاء ويدعو بعضهم لبعض بالخصوص كما يدعون للمسلمين عامة.

____________________________

[1]. سورة الحشر الآية 10.

[2]. سورة المائدة الآية 2.

[3]. أخرجه الترمذي في الدعوات، وأبو داود في كتاب الصلاة باب الدعاء السنن (1/344). وانظر دليل الفالحين (3/318).

[4]. أخرجه مسلم في كتاب الفضائل عن عمر، انظر شرح النووي في هامش القسطلاني (9/429)

[5]. وأخرجه أيضا عن عمر في حديث طويل بلفظ “إن خير التابعين رجل يقال له أويس” النووي في هامش القسطلاني (9/429).

[6]. أخرجه ابن عدي في الكامل، انظر الجامع الصغير (2/59).

[7]. سبق تخريجه في محبة الرسول ص81.

[8]. أخرجه الترمذي بلفظ (سلوا الله لي الوسيلة) رقم الحديث 3616 طبعة حمص.

[9]. سورة البقرة الآية 186.

[10]. سورة البقرة الآية 253.

[11]. سورة الجاثية الآية 21.

[12]. سورة النساء الآية 64.

[13]. سورة طه الآية 53.

[14]. سورة الزمر الآية 53.

[15]. أخرجه البخاري في الرقاق باب التواضع، انظر القسطلاني (9/389).

[16]. أخرجه مسلم عن أبي هريرة في كتاب البر باب فضل الضعفاء، انظر شرح النووي في هامش القسطلاني (10/54)، وكرره في كتاب الجنة شرح النووي في هامش القسطلاني (10/305).

[17]. أخرجه مسلم بلفظ “دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة” انظر شرح النووي في هامش القسطلاني (10/160). وعند أبي داود بلفظ “أن أسرع الدعاء إجابة دعاء غائب لغائب السنن الصلاة باب الدعاء” (1/352).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد