ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 9 فبراير 2019 زيارة: 178

التوسل عبادة مشروعة بالكتاب والسنة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: النزعة التكفيرية في فكر الوهابية (ص163-168)
تأليف: الدكتور اليماني الفخراني

وتبين مما سبق نزع الجناح الأول الذي يعتمد عليه الوهابية، ومن قبلهم ابن تيمية في تكفير الأمة، وهو تقسيم التوحيد ليثبتوا به عدم إيمان غير الوهابية بتوحيد الألوهية، وهذا بعينه اعتقاد کفار قريش، إلا أن كفار قريش أخلصوا في توحيد الربوبية والكفار من غير الوهابية قد أشركوا فيه أيضا.

والآن جاء الدور لنزع الجناح الثاني الذي يعتمدون عليه في تكفير سائر المسلمين، وهو عبادة التوسل، التي لا يشكون في عدها شركا، ولا أعجب من ذلك الله (سبحانه وتعالى) يأمر بابتغاء الوسيلة، وهؤلاء يعتبرونها شركا، أأنتم أعلم أم الله؟

تأمل تلك الفتوى الجريئة من الفتاوى النجدية: “جمهور أهل البسيطة ممن يدعي الإسلام، قد غرقوا في بحار الشرك الوخيم، وباب تصرف المشايخ والأولياء قد اتسع حتي سلکه جمهور من يدعي الإسلام، من أهل البسيطة، وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء وأظلته المحيطة حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة”[1].

وهي مبنية ومستمدة بالتأكيد من فتوى الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (حفيد ابن عبد الوهاب) التي يقول فيها: “وقد عمت في زمنه (أي الإمام محمد بن عبد الوهاب) البلوى بعبادة الأولياء والصالحين وغيرهم، وأطبق على ترك الإسلام جمهور البسيطة، وفي كل مصر من الأمصار وبلد من البلدان وجهة من الجهات من الآلهة والأنداد لرب العالمين ما لا يحصيه إلا الله، على اختلاف معبوداتهم، وتباين اعتقاداتهم … وهذا هو دين الجاهلية الأولى، كما الأول هو دين الصابئة الكنعانيين، وقد بعث الله محمدا (صلى الله عليه وسلم) بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون[2].

وما زال يؤكد ويكرر هذا الكلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وهذه سمة المدرسة الوهابية، التي تلقفت التكرار من ابن تيمية، تأمل فتواه التي ينبه فيها أتباعه ألا يصدقوا غير الوهابية في تسمية حقيقة أمرهم في عبادة التوسل، ألا يصدقوا أن ذلك توسلا، وإنما هو الكفر المخرج من الملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا كلامه: “ونذكر لك هنا طرقا من معتقد عباد القبور والصالحين، وحقيقة ما هم عليه من الدين، وليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن، إن كان الواقف ممن اختصه الله بالفضل والمن، ولئلا يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم: تشفعا وتوسلا واستظهارا، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق، من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمات والملمات والحوادث التي لا يكشفها ولا يجيب الدعاء فيها إلا فاطر الأرض والسماوات والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم، طلبا للغوث، واستجابة للدعوات وإظهارا للفاقة، وإبداء للفقر والضراعة، واستنزالا للغوث والأمطار، وطلبا للسلامة من شدائد البر والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية”[3].

ويصر الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب على تأكيد نزعته التكفيرية فحرف الكلم من بعد مواضعه، ولو كان الكلام لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وذلك من قوله: “وقوله (صلى الله عليه وسلم): “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: “لا إله إلا الله” والقول هنا: هو الصادر عن علم بمعناها، وانقياد لأصول مقتضاها، لا كما ظنه عباد القبور من أن مجرد اللفظ يكفي مع المخالفة الظاهرة، وعبادة الأولياء والصالحين، فإن شهادتهم والحالة هذه وقولهم شبيه بشهادة المنافقين برسالة سيد المرسلين”[4].

وأقل ما يمكن أن يقال في الرد عليه، إن التلفظ بلا إله إلا الله محمد رسول الله، قد عصمت دماء المنافقين، مع تيقن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نفاقهم، وتصريح القرآن بذلك، ومعرفة الصحابة بهم، وأيضا تأنيب النبي (صلى الله عليه وسلم) لأسامة لقتله الرجل مع التلفظ بالشهادة، فكيف يدعون أن مجرد اللفظ لا يكفي لعصمة الدم؟

ومع ذلك فلو فرض جدلا أن مخالفيكم الذين أبحتم دماءهم يتلفظون بالشهادة مثل تلفظ المنافقين في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) – وحاشا لله من ذلك – فهل أباح النبي دماء المنافقين مع تيقنه بكفرهم الباطن؟ فلماذا لم تسنوا بهم بسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) في تعامله مع المنافقين، مع أنكم كاذبون في نسبة الشرك إلى مخالفيكم أصلا؟

وهنا أقول لهم: اتقوا الله، وكفوا عن تناقضاتكم، وتقولكم، وتعمدكم تشويه المسلمين، والنيل من عبادة المسلمين، ألم تعترفوا بأن خصومكم من غير الوهابية، قد أكدوا لكم أن النافع والضار هو الله تعالى وحده، ولا شيء سواه؟ وأكدوا لكم حقيقة معتقدهم بأن السادة الأولياء، لا يملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم نفعا ولا ضرا، وهذا كلامكم، وقد أثبته في مستهل هذا المبحث، بعد هذا كله، تدعون كفرهم وخلودهم في النار، فكيف لو قالوا لكم نحن نسأل الله تعالى بجاه الصالحين عنده؟

وعلى هذا المنهج التكفيري سار حفيد حفيد ابن عبد الوهاب وهو الشيخ محمد ابن إبراهيم بن عبد اللطيف، مفتي الديار النجدية في وقته حيث يقول: “فإن كثيرا من الناس ينتسبون إلى الإسلام، وينطقون بالشهادتين، ويؤدون أركان الإسلام الظاهرة، ولا يكتفى بذلك في الحكم بإسلامهم، ولا تحل ذكاتهم لشركهم بالله في العبادة بدعاء الأنبياء والصالحين، والاستغاثة بهم، وغير ذلك من أسباب الردة عن الإسلام، وهذا التفريق بين المنتسبين إلى الإسلام، أمر معلوم بالأدلة من الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها “[5].

ولا أدري ما أقول بعد تلك النزهات، كيف لا يعد مسلما من انتسب إلى الإسلام، ونطق بالشهادتين، وأدى أركان الإسلام الظاهرة؟ وكيف لا تقبل ذبيحته، ولا يعصم دمه، أو يحكم عليه بالردة، أي يحكم عليه بالإعدام؟

لا بد أن هناك خفايا سيكشفها الله تعالى على مر الأيام، وراء تكفيرهم وقتلهم من يهيمون شوقا بآل بيت نبيهم (صلى الله عليه وسلم)، أو من يتعاطف معهم، أو يمتنع عن تكفيرهم.

فلا عجب بعد ذلك أن يتهموا سائر المسلمين بتفاهة العقول، وتلمس البصيرة، والغرور بالشيطان، والانحراف عن الحقيقة، مما أودى بهم لعبادة الأوثان والشياطين، مثل أهل الفترة قبل نبوة سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، حذو النعل بالنعل، وهذا دليل آخر على زعمهم أن ابن عبد الوهاب قد جاء في زمان الفترة الجديدة تماما بتمام، مثل مجيء الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وأن هذه الحالة الشركية التكفيرية ما زالت ممتدة إلى يوم الناس هذا، وهذا يتجلى من تلك الفتوى: “وتلطف الشيطان في کيد هؤلاء الغلاة في قبور الصالحين، بأن دس عليهم تغيير الأسماء والحدود الشرعية، والألفاظ اللغوية فسموا الشرك وعبادة الصالحين: توسلا ونداء، وحسن اعتقاد في الأولياء، وتشفقا بهم، واستظهارا بأرواحهم الشريفة، فاستجاب له صبيان العقول، وخفافيش البصائر، وداروا مع الأسماء، ولم يقفوا مع الحقائق، فعادت عبادة الأولياء والصالحين، ودعاء الأوثان والشياطين، كما كانت قبل النبوة، وفي زمان الفترة حذو النعل بالنعل، وحذو القذة بالقذة، وهذا من أعلام النبوة، كما ذكره غير واحد، ولم يزل ذلك في ظهور وازدياد، حتى عم ضرره، وبلغ شرره الحاضر والباد”[6].

ومضة حول التوسل

أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، إن من ابتغى من المسلمين إلى الله تعالى الوسيلة، فإنها لا تخرج عن التوسل بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم) مثل التبرك بشعره وفضل وضوئه وبصاقه وعرقه أو التوسل بحق النبي (صلى الله عليه وسلم) وحق الأنبياء والصالحين، ألم يتوسل عمر (رضي الله عنه) بالعباس لقرابته من النبي مع أن عمر (رضي الله عنه) أرفع مكانة وسبقا من العباس (رضي الله عنه)؟

وما قولهم في إرسال سيدنا يوسف (عليه السلام) قميصه مع إخوته، وطلبه منهم أن يلقوه في وجه أبيهم يأت بصيرا، هل كان يوسف (عليه السلام) مشرکا؟ أم أن هناك أشياء كثيرة وحقائق خفية أعمى الله أبصار أناس عن فهمها؟

ولا مكان لمن يقول بأن هذا شرع من قبلنا لا يلزمنا، لاستحالة أن يشرع الله الشرك في أمة من الأمم، فكل الأنبياء جاؤوا بالتوحيد، مع اختلاف الشرائع.

وهكذا أخذ المسلمون يتقربون إلى الله تعالى بجاه أولياء الله الصالحين، الذين آمنوا وكانوا يتقون، الذين كانوا أهلا لتمييز الله لهم لقربهم منه، إذ كيف يستوي من عاش لله ومن عصى الله عز وجل؟ فكيف بعد ذلك يأتي ابن عبد الوهاب ومن تبعه ليقولوا بأن أهل زمانه يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، المحكي عنهم الفجور من الزنى والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، ممن هم أقل منزلة من معبودات كفار قريش، سبحانك هذا بهتان عظيم، وما ذلك إلا استمرارا لتشويه صورة المسلمين.

_______________________________

[1] . فتاوى الأئمة النجدية 1/ 72.

[2] . فتاوى الأئمة النجدية 1/ 75، 76.

[3] . فتاوى الأئمة النجدية 1/ 68، 69.

[4] . فتاوى الأئمة النجدية1/ 175.

[5] . فتاوى الأئمة النجدية 1/ 85، 86.

[6] . فتاوى الأئمة النجدية 1 / 67.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد