ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 2 نوفمبر 2018 زيارة: 456

التوسل ودليل مشروعيته

(1 تصویت, معدل: 4.00 من 5)
مقتبس من كتاب: نور الجواب على أسئلة الشباب (ص21-30)
تأليف: الشيخ فوزي محمد أبو زيد

التوسل هو أن المرء يطلب من الله قضاء حاجة، ويسأل الله بشخص عزيز على الله أن يقضي هذه الحاجة، وهذا هو معنى التوسل، ولا يوجد شخص أعز عند الله من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لذلك، من أول آدم إلى يوم القيامة والناس تتوسل إلى الله بحبيب الله ومصطفاه،  فآدم لما وقع في الخطيئة وأهبط من الجنة أراد من الله أن يتوب عليه ألهمه فقال: “يَا رَبِّ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ، وَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، لأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَىَ قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ، فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ، إِنَّهُ لأُحِبُّ الْخَلْقِ إلى ادْعُنِي بِحَقِّهِ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلَوْلا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ “[1].

وفي رواية أخرى: { قال يا رب ما نظرت إلى الشيء في الجنة إلا ووجدت اسمه مقرونا بجوار اسمك} كل شيء في الجنة مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله، أوراق الجنة،وأشجار الجنة، وقصور الجنة، وحور الجنة مكتوب على نحورهم وعلى صدورهم لا إله إلا الله محمد رسول الله.

إذاً لماذا غفر الله لآدم؟ لأنه سأل الله بحق رسول الله، وقال له: { أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي } فغفر له.

حتى اليهود الذين قال فيهم الله: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) [الأنعام: 20] هناك من يتوه عن أولاده؟! لا، فهم يعرفونه كما يعرفون عيالهم، فقبل ظهوره (صلى الله عليه وسلم) في الدنيا كانت تحدث حروب بينهم وبين العرب فكانوا يدعون قبل المعركة ويقولون: “اللهم بحق النبي العربي الذي ستبعثه في آخر الزمان انصرنا عليهم” فينصرهم الله (عز وجل) على العرب، أين هذا الكلام؟ في القرآن نفسه: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة: 89].

اليهود أنفسهم كانون يستفتحون برسول الله (صلى الله عليه وسلم).

العرب كانوا ضعفاء، وكل عائلة لها دولة وسلطة بمفردها، وكانت دولتا الفرس والروم من الدول الكبيرة مثل أمريكا وروسيا في زمننا هذا، فحدث خلاف بين قبيلة من العرب ودولة الفرس، والقبيلة ضعيفة لا تقدر على الفرس، في هذا الوقت ظهر سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان يذهب إلى سوق عكاظ في مكة يدعوا الناس إلى الإسلام، وهذه القبيلة كان اسمها قبيلة بني بكر بن وائل وكان لهم شيخ كبير في السن لا يستطيع السفر إلى مكة، وكانوا يعودون من مكة يخبرونه بما حدث هناك من أخبار في مكة، وفي إحدي هذه المرات قالوا له: ظهر رجل يدَّعي النبوة في مكة، فقال لهم: من أي العرب هو؟ قالوا: من بني عبد المطلب، فقال لهم: هؤلاء قوم لم يعلن فيهم أحد الكذب أبداً، أي لم يظهر في بني عبد المطلب من يدَّعي كذبا أبداً، فلما حدثت المعركة بينهم وبين الفرس قال لهم شيخهم: ما اسم الرجل الذي ادَّعى النبوة من بني عبد المطلب؟ قالوا له: اسمه محمد، فقال لهم: اجعلوا اسمه شعاركم – وهم ما زالوا على الكفر!! – فأخذوا يقولون يا محمد يا محمد، فنصرهم الله على الفرس وهم ضعاف بل وقلة!! فقال (صلى الله عليه وسلم): {بِي نُصِرُوا}[2].

أي لما ذكروا اسمي أيَّدهم الله بالنصر فنصرهم الله (عز وجل)، كل هذا يؤكد أن التوسل ثابت لا شك فيه، وهناك دليل آخر على ذلك، فقد ذهب إليه (صلى الله عليه وسلم) رجل أصيب بمياه بيضاء على عينه فكف بصره، فقال له يا رسول الله ليس لي قائد يقودني وقد كف بصري مع أن الرفيق قال فيه النبي (صلى الله عليه وسلم): {مَنْ قَادَ أَعْمَى أَرْبَعِينَ خُطْوَةً، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ}[3].

فقال (صلى الله عليه وسلم) لهذا الرجل: {أَوَتَصْبِرُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ، وَقَدْ شَقَّ عَلَيَّ، فَقَالَ: ائْتِ الْمِيضَأَةَ فَتَوَضَّأْ، وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّي فَيُجَلِّي لِي عَنْ بَصَرِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ وَشَفِّعْنِي فِي نَفْسِي}[4].

وفي رواية أخرى: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ، مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ”[5].

فذهب الرجل وتوضأ وصلى ركعتين ودعا بهذا الدعاء فعاد إليه بصره، بعض الناس يقولون إن هذه خصوصية لحضرة النبي لأنه هو الذي قال هذا!! وإلي هؤلاء نقول: لقد حدث ذلك مرة أخرى، والصحابة جربوا هذا الدعاء، فقد أشرف رجل أعرابي على اليأس لأنه يريد الدخول على سيدنا عثمان ويستأذن فلا يؤذن له، واستمر هذا الحال معه مدة، كل يوم يتردد ولا يأذن له أحد، إلى أن رآه سيدنا عثمان بن حنيف (رضي الله عنه) وأرضاه فقال له لماذا أراك مكروبا؟ فقال له: لي حاجة وأريد أن أدخل على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ولا أحد يأذن لي فقال له: صل ركعتين وادعوا بهذا الدعاء وقل: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ، مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ” فذهب الرجل وتوضأ وصلَّى ركعتين وعاد، وبمجرد أن وصل لباب سيدنا عثمان وجد الخادم في انتظاره وقال له إن أمير المؤمنين قد طلبك أين كنت؟!! وبعد أن أنهى مهمته وخرج أخذ يبحث عن سيدنا عثمان بن حنيف فقال له: بارك الله فيك لولا أنك ذهبت إلى الخليفة وكلمته في حاجتي ما سمح لي بالدخول، فقال له سيدنا عثمان: أنا لم أتكلم في شأنك ولكن هذا بفضل الدعاء الذي دعوته أنت، ورأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قاله لرجل وقص عليه قصة هذا الدعاء.

فالذي يتوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقضي الله له حاجته، والله (عز وجل) عرَّفنا ذلك في القرآن، فالذي يفعل ذنباً كبيراً ويريد أن يتوب عليه الله، ماذا يفعل؟

(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: 64].

فالذي يستغفر الله لا يكفيه ذلك، بل لا بد أن يستغفر له الرسول.

إذاً الذي يريد أن يغفر له الله إما أن يذهب إلى حضرة النبي هناك ويتوسل به إلى الله كما ذهب الرجل الأعرابي ووقف عند الروضة الشريفة وقال: اللهم إنك قلت: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) [النساء: 64]. اللهم إني قد جئت روضة نبيك مستغفراً فاغفر لي، وانصرف، وكان هناك في الروضة رجل من العلماء جالس اسمه الشيخ العتبي، وأخذته سنة من النوم فرأي رسول الله في المنام وقال له: يا عتبي الحق بالأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له.

لأنه توسل بحضرة النبي غفر الله له، والذي لا يستطيع أن يذهب إلى هناك ماذا يفعل؟ يعمل كما عمل سيدنا آدم ويقول: “اللهم بحق محمد اغفر لي” يتوسل إلى الله برسول الله، فيغفر له الله في الحال، لأنه توسل إلى الله ببركة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

هل التوسل إلى الله برسول الله فقط؟ لا، بل بأنبياء الله، وبرسل الله، وبكتب الله، وبالصالحين من عباد الله كلهم، لأن سيدنا رسول الله بنفسه علمنا هذا.

فأم سيدنا علي (رضي الله عنه) السيدة فاطمة بنت أسد هي التي ربت حضرة النبي، لأنها زوجة أبي طالب وهي التي رأت بركة رسول الله عندما كانت تحلب له الشاة، فإذا شرب رسول الله أولًا كان اللبن يكفي عشرة، ولو شرب الحليب أحد أولادها أولًا يشربه كله ولا يكفيه، وينام بقية إخوته بدون عشاء، فعرفت هذه البركة التي في رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وعندما ماتت كان سيدنا رسول الله كريمًا معها، لأنه كان يكرم من يكرمه فذهب إليها وخلع قميصه وألبسها إياه وكُفنت فوقه، ونزل إلى القبر بعد أن حفره واضطجع في مكانها، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ دَائِمٌ لا يَمُوتُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ، وَلَقِّنْهَا حُجَّتَهَا، وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا بِحَقِّ نَبِيِّكَ وَالأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِي، فَإِنَّكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}[6].

دعا بحقه ثم أدخل معه الأنبياء ليعرفنا أن التوسل جائز بالأنبياء السابقين.

وكذلك بالنسبة للصالحين أيضًا علَّمنا النبي ذلك فقد فقال: “إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ، قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ”[7].

عندما يقولها الرجل منا يرسل له الله لجنة من الملائكة يقولون له: وقيت وكفيت وهديت، أي اطمئن واخرج على بركة الله.

بعد ذلك في طريقه إلى المسجد يقول كما قال (صلى الله عليه وسلم): {مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلا بَطَرًا وَلا رِيَاءً وَلا سُمْعَةً، وَخَرَجْتُ اتِّقَاءَ سُخْطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنْتَ، أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفِ مَلَكٍ}[8].

بحق السائلين عليك، من السائلين؟ كل السائلين ونحن منهم، وحق الراغبين إليك، وبحق ممشاي هذا إليك، أنت نفسك تقول بحق خطواتي هذه إليك، لو قرأ المرء هذا الدعاء ماذا يحدث؟ كما أخبر (صلى الله عليه وسلم): يرسل الله له سبعون ألف ملك يحفونه بأجنحتهم ويستغفرون الله (عز وجل) له حتى يبلغ المسجد، لماذا؟ لأنه سأل الله بما قال لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

إذًا التوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) متفق عليه، وحتى الذين ينكرون التوسل مثل الجماعة المتأخرين، ومنهم الإمام ابن تيمية نفسه يثبت التوسل برسول الله، فبدون شك هذا أمر لا خلاف عليه، لأنه من الذي سيشفع للكل يوم الدين؟ رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

الناس ستقف في الكرب ومن شدة الكرب يتمني الناس الخروج من الموقف ولو إلى النار من شدة العذاب، من الذي يدفع عنهم؟!! يذهبون لآدم فيقول: ((لست لها)) يذهبون إلى نوح فيقول: ((لست لها)) يذهبون إلى إبراهيم، إلى موسي، إلى عيسي، ثم يذهبون إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيقول: {أَنَا لَهَا}[9].

لماذا يذهبون إلى الأنبياء السابقين؟ حتى يظهر قدر رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لأنهم لو ذهبوا إليه أولًا وقال (أنا لها) لظن البعض أنهم لو ذهبوا إلى أي نبي لقام بهذه المهمة، لكنهم ذهبوا لهم أولاً حتى يظهر أن هذه المهمة لا يستطيع القيام بها إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيشفع إلى الله لبدء الحساب، وله في الموقف شفاعات كثيرة لكن لا يكفي هذا المقام لشرحها، شفاعة عند تطاير الصحف، وشفاعة عند الميزان، وشفاعة عند الصراط، وشفاعة فيمن دخل جهنم، وشفاعة في الجنة ليرفع أهلها إلى أعلى الدرجات.. شفاعات كثيرة في الموقف العظيم يتوسل فيها النبي (صلى الله عليه وسلم).

ماذا سيفعل رسول الله؟ سيسجد تحت العرش ويحمد الله بمحامد يلهمه الله إياها في تلك اللحظة، فيقول الله: {يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَ، وَقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ}[10]  لأنه قال له: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) [الضحى: 5] سيعطيك إلى أن ترضى، فشفاعة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثابتة وليس فيها خلاف.

وشفاعة الصالحين أيضًا موجودة، ما الذي جعل سيدنا عمر يتوسل بسيدنا العباس عند صلاة الاستسقاء، وقال: ((اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك واليوم نتوسل إليك بعم نبيك))؟ ليبين جواز الشفاعة والتوسل بالصالحين، وليس كما قال بعض الغافلين لأن التوسل بالنبي لا ينفع بعد موته.

وهل النبي ميت؟! وهل لو كان ميتًا نقول له في الصلاة: ((السلام عليك أيها النبي))؟!! لو كان ميت كان يجب أن نقول في الصلاة: السلام على النبي وهو يقول: {مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللَّهُ إلى رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ}[11].

لابد أن يرد السلام، وسيدي عبد الوهاب الشعراني قال في مننه الكبرى: ((ما من مرة أقف بين يدي الله في الصلاة وأقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته إلا وأراه أمامي وأسمعه وهو يقول: وعليك السلام يا عبد الوهاب)) فيرد على كل واحد منا فردًا فرداً ولكن نحن لا نسمع لأن حرارة التليفون لم تصل بعد، العدة جاهزة لكننا نحتاج إلى توصيل الحرارة، ولو الحرارة وصلت سنسمع في الحال من رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وإذا كنا أغنياء في التقى والهدى والإيمان سيركب لنا تليفون تلفزيوني نسمع ونرى كما كان يسمع هذا الرجل ويراه وهو يقول: وعليك السلام يا عبد الوهاب.

والشيخ ابن سنان (رضي الله عنه) وأرضاه كان يقول: حججت تسعة وعشرين مرة ما من مرة أقف في الروضة الشريفة وأقول السلام عليك يا نبي الله إلا وأسمعه وهو يقول وعليك السلام يا ابن سنان.

عندما تحدث الله عن الكافرين واسمعوا لكلامه وتدبروا فيه، فقوم فرعون عندما نزلوا البحر وأكلهم السمك وكانوا وليمة عظيمة لسمك القرش في البحر الأحمر الذي غرقوا فيه، لكن قال عنهم: (مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا) [نوح: 25] بمجرد أن ماتوا دخلوا النار فوراً، ما قدر النار التي دخلوها؟ القرآن يفسر بعضه بعضاً: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا) أين هذه النار؟ في الدنيا، لأن الغدو والعشي في الدنيا فقط، والآخرة ليس فيها غدو ولا عشي ولا الليل ولا النهار: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: 46].

أي أن هناك عذاب آخر في الآخرة، حتى لا نظن أن هذه النار في الآخرة، فهم بمجرد الغرق دخلوا في الحال النار.

ولذلك في غزوة بدر التي قتل فيها سبعين رجلا من الكفار وحفروا لهم حفرة كبيرة ووضعوهم فيها جاء حضرة النبي ووقف على الحفرة وقال: {يَا فُلَانُ بْنَ فُلانٍ، وَيَا فُلانُ بْنَ فُلانٍ أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لا أَرْوَاحَ لَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ} [12].

إذاً الميت لا يموت، بل ينتقل من دار إلى دار، والدار التي سينتقل إليها إما يعذب أو ينعم. فلو كان لا يشعر بالعذاب إذاً ما فائدة العذاب؟!! وكذلك إذا لم يشعر بالنعيم فهل يكون للنعيم فائدة معه؟!! إذاً لا بد أن يشعر بالعذاب أو يشعر بالنعيم إذا كان من أهل التكريم، وعلى ذلك فهذا حي وهذا حي لكن حياة أخرى اسمها حياة برزخية، وهي حياة روحانية، ولذلك فالإمام الغزالي (رضي الله عنه) وأرضاه عند موته أخذ تلاميذه يبكون حوله فقال لهم: لماذا تبكون؟

قل لإخوان يروني ميتًا             ليس والله بالميت أنا

أنا عصفور وهذا قفصي             طرت منه إلى دار الهنا

لا ترعكم هجمة الموت فما       هو إلا نقله من هاهنا

لا تظنوا الموت موتاً إنه            لحياة وهو غايات المنى

إذاً البرزخ حياة أخرى والقرآن يثبتها لنا في آخر سورة الفجر وهو أن الخارج من الدنيا يقول: (يقول يا ليتني قدمت لحياتي) [الفجر: 24] حياة وليست موتا ولكن حياة أخرى.

إذاً الذي يخرج من الدنيا لا يموت وإنما يحيا حياة برزخية أسرارها لا يعلمها إلا الحي الذي لا يموت، ولذلك يتعرض لسؤال الملكين ويصير إما في روضة أو في نار، ويحس بما نحن فيه هنا، ويعرف أخبار أهله، ويحس بمن يزوره في القبر ويسلم عليه، والنبي يقول: { مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ رَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إِلا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ }[13].

ويأتنس به ما دام واقفاً عند قبره، إذاً مفارقة الدنيا ليست كما يظن البعض موت بل تكون حياة أكبر للمتقين، لأنها تكون حياة مطلقة، من الجائز أن ينتقل الإنسان في الدنيا بحساب لكن هناك الروح تنتقل بغير حساب، شرقاً وغرباً ويميناً وشمالاً كما تريد لأنها الحياة تكون مفتوحة لها إن شاء الله.

إذاً التوسل بالصالحين، من عباد الله، والتوسل بالعلماء العاملين، والتوسل بالنبيين والمرسلين كل هذا ثابت في كتاب الله، وموجود في سُنَّة رسول الله، وكان عليه السلف الصالح (رضي الله عنهم) وأرضاهم أجمعين،

وقد قال الإمام أبوالعزائم في التوسل:

أيا نفس هل لي في الشريعة برهان                  يقوم على أن التوسل إيمان

وإني لأستفتيك يا قلب حيث قد                      أمرنا بفتوى القلب والعبد حيران

أعاد رسول الله أهل التقى إلى                       سؤال قلوب ملؤها الإيقان

ألا اصغ إلى حكم به حكمة                          وفيه شفاء للنهى وأمان

لقد وضع الأسباب ربك حكمة                        ليشهد فيها يظهر التبيان

فمن شهد الأسباب تفعل فهو في                     ضلال مبين قاله القرآن

ومن شهد الأسباب تنبي بأنهـا                       أواسط فيها الفضل والإحسان

وهذا شهود العارفين بربهم                            لقد خصهم فضلاً به الرحمن

فكن بين بين تفقه الحكم إن من                             تطرف يهوى حظه النيران

توسل أسلاف كرام لربهــم                          بأهل التقى لباهم المنان

ولم ينكرن هذا التوسل عالم                          وكيف وقد وافى به القرآن

وان كان أهل الجهل لم يتوسلوا                     بميت ولكن مالهم برهان

توسل بمحبوب إلى الله موقناً                         بنيل العطايا يمنح الحنان

ولا تلتفت للمنكرين إذا ادَّعوا                         عليك بشرك فالهوى خسران

يلبيك رب العرش عند سؤاله                          بصفوته والمنعم الديان

إذا كان جبريل الأمين بحجة                         دعا المصطفى في قوله البرهان

ألا أنزل على قبر الكليم وصلِّ                       يا ضيا الأنبيا والأمر فيه بيان

وفى بيت لحم فانزلن صلِّ داعياً                     وهل بعد هذا حجة برهان

يقول لساني ضارعا متبتلاً                             وقلبي توسل صدَّق الفرقان

دعا أهل بدر بل وفاروق قد دعا                      توسل بالعباس صح بيان

توسلت بالمختار والقلب موقن                        إذا قال وافى الفضل والإحسان

نسأل الله (عز وجل) أن يعلِّمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يرفعنا بما علَّمنا، وأن يعلِّمنا ما لم نكن نعلم، وأن يكتب لنا من حضرته كل النعيم، وأن يفتح لنا كل باب للتكريم، وأن يجعلنا أهلًا لحضرته العلية، ويصطفينا ويصطنعنا ويجعلنا دائمًا معلقين القلب بالحضرة المحمدية، حتى يخرجنا من الدنيا في أبهى حلل الشوق إلى لقاء حضرته، ويفتح لنا أبواب فضله وكرمه وجنته، بجاه النبي، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

______________________________

[1]. الحاكم في المستدرك والطبراني عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).

[2]. معجم الطبراني عن سعيد بن العاص (رضي الله عنه).

[3]. جامع الطبراني والبيهقي عن ابن عمر (رضي الله عنه).

[4]. دلائل النبوة للبيهقي عن عثمان بن حنيف (رضي الله عنه).

[5]. جامع الترمذي وابن ماجة عن عثمان بن حنيف (رضي الله عنه).

[6]. معجم الطبراني عن أنس (رضي الله عنه).

[7]. المجالسة وجواهر العلم والترمذي وأبي داود عن أنس (رضي الله عنه).

[8]. سنن ابن ماجة ومسند أحمد عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه).

[9]. البخاري ومسلم عن أنس (رضي الله عنه).

[10]. البخاري ومسلم عن أنس (رضي الله عنه).

[11]. معجم الطبراني ومسند أحمد عن أبي هريرة (رضي الله عنه).

[12]. صحيح البخاري ومسند أحمد عن أبي طلحة الأنصاري (رضي الله عنه).

[13]. تاريخ دمشق لابن عساكر وفوائد تمام الرازي عن أبي هريرة (رضي الله عنه).

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد