ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 14 يونيو 2017 زيارة: 40

الجهاد والعنف: مشكلة المفاهيم

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: العنف المستباح، ص41-43
المؤلف: معتز الخطيب

الشحنة الانفعالية التي انبجست بعد أحداث 11سبتمبر 2001م وما ولّدته من شظايا أفعال على الصعيد الدولي سبقها وأعقبها وصاحبها شعارات وحملات إعلامية أحدثت تغييرات في المفاهيم اختلطت فيها السياسة بالثقافة والدين؛ ما جعل من قضية المفاهيم قضية مركزية تجب مساءلتها واستثارة مكنوناتها، وبيان كيف يمكن للمفاهيم أن تكيّف- على صعيد الفعل السياسي- لتستوعب المصالح وتغيراتها، وكيف أمكن استثارة أبعاد دينية/ عقدية للأحداث والكلمات (صليبية، الإرهاب، …).

الإرهاب: مشكلة التعريف

لم يشهد مصطلح «الإرهاب»- بالرغم من قدمه- حيوية تداولية على المستوى الدولي قبل أحداث 11سبتمبر، ومع ذلك بقي مفهوماً غير محدود، ومرناً لدرجة زاد فيها الخلط حتى حمّل المصطلح أكثر مما يحتمل معناه، الأمر الذي جعل من الإشكالية تتخطي حدود الديني والثقافي والسياسي إلى الوطني والقومي والعقدي حين يشمل الإرهاب كل فعل إسلامي، وفلسطيني مقاوم دفاعاً عن النفس والأرض.

إن سؤال مفهوم الإرهاب يضعنا أمام تعقيد يصعب معالجته من منظور فكري (مفهومي) فقط، وفي هذا السياق يقول ديفيد فروم وريشارد بيرل (من المحافظين الجدد): «كلماتنا ليست مقنعة؛ ليس لأن سكان الشرق الأوسط لا يصدّقون ما نقوله فحسب، ولكن لأننا لا نتفق على معنى الكلمات التي تشكل قاموسنا الأخلاقي أيضاً. فالأميركان وأهل الشرق الأوسط قد يوافقون على أن من الخطأ قتل حياة إنسانية بريئة، لكننا لا نتفق على من هو بريء». فالكلام يحيل إلى افتراق في الكونين المفهوميين وفي المجال الأخلاقي صادر عن أسباب أشد تعقيداً من فكرة «صراع الحضارات» أو العداء للإسلام، ولذلك فإن تحديد استراتيجيات مواجهة العنف بالحديث عن حوار بين الثقافات أو الحضارات وعن التسامح ونحوه لا تسهم في معالجة الإشكال الحقيقي كما لن تؤثر على مسار العنف وسياساته.

وبالرغم من أنه ليس هناك اتفاق على تعريف محدد وتفصيلي لـ «الإرهاب» بل هناك شبه إجماع على صعوبة وضع مثل هذا التعريف، فإن عددّا من القوانين تدرج «الإرهاب» ضمن أعمال «العنف»، ولن نخوض في جدل تعريف الإرهاب وإشكالاته، لكن من المهم فهم أسباب عدم الانفاق على تعريف واضح ومحدد له، منها: أن الإرهاب ليس مصطلحا قانونياً يتم الاتفاق على مدلوله وفرض عقوبات واضحة بناء عليه، كما أنه لم يعد محصوراً في حدود الدولة القومية، الأمر الذي زاد من تعقيدات التعامل معه ونسبية بعض مظاهره، فالفعل الذي يقع في ظل المواجهة العسكرية ويعدّ مشروعاً في حال الحرب لا يكون مشروعاً في حال السلم، أي أن ثمة عوامل تتدخل في تحديد المفهوم كالظروف التي يقع فيها العمل.

والإشكال الأهم هنا أن الإرهاب يأتي في سياق صراع بين أطراف، ما يعني أن ثمة اعتبارات مختلفة ومتناقضة تتدخل في تحديد الموقف منه ونوع التسمية التي تستعمل للتعبير عنه، ومن هنا بات مفهوم الإرهاب يشمل حركات المقاومة والتحرر الوطني. إن أي صراع من شأنه أن يولد حركات مقاومة ورفض تقوم على مطالب عقائدية أو شبه عقائدية تهدف لتحقيق جملة من المبادئ ولا يمكن لها القبول بالتفاوض حول مطالبها، في حين أن الاعتبارات السياسية مبنية على التسويات والمصالح، ومن هنا تلجأ إلى سحب الشرعية من ممارسات المناهضين لها ولمصالحها وتجريم أفعالهم. في المقابل يجد من يمارسون تلك الأفعال في السياق ذاته مبررات تصرفاتهم، وأنهم لا يجدون اللذة في ذلك ولكن لأنه الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامهم لمواجهة الشعور بفقدان العدالة، أو لرد العدوان، أو للضغط باتجاه تغيير النظام الاستبدادي أو الاحتلال.

إن الاتفاق على عدم وجود تعريف واضح ومحدد للإرهاب ليس مسألة نظرية تتصل بالمفاهيم المجردة، فهو يتعلق بجوهر الموقف العملي تجاه هذا السلوك أو ذاك مما يوصف بأنه إرهاب، ما يعني أن المفهوم المرن والسائل للإرهاب يحتوي في ذاته على عوامل تمده بالحيوية والحركة والاستمرارية، ومن ثمّ فإن أي حديث عن محاربته ينطوي في ذاته على فاعلية واستمرار الإرهاب؛ لأن تلك الحرب تشنّ على مفهوم سائل ومتجدد وقابل للتشكيل حسب المصالح والصراعات المتغيرة، كما أن حديث الأنظمة والقوى الدولية عن مكافحة الإرهاب أو الحرب عليه ينطوي على اعتقاد ممجوج ببراءة النفس وطهرانية تلك النظم من ممارسة هذا النوع، ما يعني أن هذه المحاربة هي في حقيقة الأمر من أجل احتكار شرعية ممارسته وليس نفيه بالمطلق.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد