ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 28 سبتمبر 2018 زيارة: 147

الجواب عن شبهة ابن تيمية حول حديث الأعمى

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: رفع المنارة لتخريج أحاديث التوسل والزيارة (ص19-28)
تأليف: الدكتور محمود سعيد ممدوح
الشبهة:

كان ابن تيمية يرى منع التوسل بالأنبياء والملائكة والصالحين، وقال: التوسل حقيقة هو التوسل بالدعاء _ دعاء الحي فقط _ وذكر ذلك في مواضع من كتابه “التوسل والوسيلة” (ص 169). وقال ابن تيمية (ص 65): “السؤال به (أي المخلوق) فهذا يجوزه طائقة من الناس، لكن ما روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في ذلك كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة، إلا حديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) وشفاعته، وهو طلب من النبي (صلى الله عليه وسلم) الدعاء، وقد أمره النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقول: “اللهمَّ شفِّعهُ فيَّ”، ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكان ذلك مما يعد من آيات النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدع لهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله”. اهـ.

الجواب عن الشبهة:

قلت: قوله: “كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا …”، وسيأتي إن شاء الله الرد على هذا الكلام في تخريج الأحاديث، ففي أحاديث التوسل الصحيح والحسن والضعيف عند أئمة هذا الشأن ووفق قواعد الفن.

أما قوله: “إلا حديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي (صلى الله عليه وسلم) وشفاعته وهو طلب من النبي (صلى الله عليه وسلم) الدعاء، وقد أمره النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يقول: “اللهمَّ شفعه فىَّ”، ولهذا ردَّ الله عليه بصره لما دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان ذلك مما يعد من آيات النبي (صلى الله عليه وسلم)”. اهـ.

قلت: فنظر ابن تيمية إلأى أن التوسل من الأعمى كان بدعاء النبي (صلى الله عليه وسلم)

وكلامه فيه نظر ظاهر، لأن الناظر في حديث توسل الأعمى يجد فيه الآتي:

(1) جاء الأعمى للنبى (صلى الله عليه وسلم) فقال له: “ادعُ لله أن يعافيني”، فالأعمى طلب الدعاء.

(2) فأجاب النبي (صلى الله عليه وسلم) قائلاً: “إن شئت أخرتُ ذلك وهو خير، وإن شئت دعوت” فخيره رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وبيَّن له أن الصبر أفضل.

(3) ولكن لشدة حاجة الأعمى التمس الدعاء من النبي (صلى الله عليه وسلم).

(4) عند ذلك أمره النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين.

(5) وزاد على ذلك هذا الدعاء: “اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي فتقضي لي”. فدعا النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا الدعاء كما طلب الأعمى في أول الحديث، ودعا الأعمى بهذا الدعاء كما علمه النيى (صلى الله عليه وسلم).

(6) فعلمه النبي (صلى الله عليه وسلم) دعاءً هو توسل به (صلى الله عليه وسلم)، وهو نصٌ في التوسل به (صلى الله عليه وسلم) لا يحتمل أي تأويل، وكيف يحتمل غير التوسل به (صلى الله عليه وسلم)، وفيه “أتوجه إليك بنبيك”، “إني توجهت بك”؟!!

ومن رأى غير ذلك فقد استعجم عليه الحديث.

وابتهج الألباني في توسله بكلام ابن تيمية فردده قائلاً (ص 72): “وعلى هذا فالحادثة كلها تدور حول الدعاء _ كما هو ظاهر _ وليس فيه شيئاً مما يزعمون”. اهـ.

قلت: هذه مصادرة للنص وتعمية على القارئ كيف لا يكون ذلك والنبي (صلى الله عليه وسلم) علَّم الرجل دعاءً فيه السؤال بالنبي (صلى الله عليه وسلم)؟؟!!!!!

نعم … الحادثة كلها تدور حول الدعاء، ولكن السؤال هنا ما هو الدعاء الذى دعا به النبي (صلى الله عليه وسلم)؟، زما هو الدعاء الذى علمه للرجل الأعمى؟

لا يستطيع أيُّ منصفٍ إلا الإجابة بأن هذا الدعاء هو الذي فيه نص بالتوسل به صلى الله عليه وسلم. فالأعمى جاء يطلب مطلق الدعاء … برد بصره. وعلمه صلى الله عليه وسلم وأمره بالتوسل به ليتحقق المطلوب.

(7) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ شفعه في وشفعني في نفسي) أي تقبل شفاعته أي دعاءه في وتقبل دعائي في نفسي.

وهنا سؤال: أيُّ دعاء هنا الذى يطلب قبوله؟.

لا شك أن الإجابة عليه ترد بداهة في ذهن أي شخص إنه الدعاء المذكور فيه التوسّل به صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يحتاج لإعمال فكر أو إطالة نظر وتأمل وهو واضح وضوح الشمس في رابعة النهار. ويمكن أن يقال: إنَّ سؤال قبول الشفاعة هو توسّل بدعائه صلى الله عليه وسلم مع التوسّل بذاته، وهذا منتهى ما يفهم من النَّص والله أعلم.

(8) فيسبب ردِّ بصر الأعمى هو توسله بالنبيّ (صلى الله عليه وسلم) وهذا ما فهمه الأئمة الحفاظ الذين أخرجوا الحديث في مصنفاتهم فذكروا الحديث على أنه من الأدعية التي تقال عند الحاجات. فقال البيهقي في “دلائل النبوة” (6: 166) باب: “ماجاء في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه حين لم يبصر وما ظهر في ذلك من آثار النبوة” اهـ.

ولا يخفى أن تعليمه للضرير هو الدعاء الذي فيه التوسُّل بالذوات وعبارة البيهقي واضحة جداً. فالبيهقي حافظ فقيه.

وهكذا ذكره النسائي، وابن السُّني في عمل اليوم والليلة، والترمذي في الدعوات، والطبراني في الدعاء، والحاكم في المستدرك، والمنذري في الترغيب والترهيب، والهيثمي في مجمع الزوائد في صلاة الحاجة ودعائها، والنووي في الأذكار، وغيرهم على أنه من الأذكار التي تقال عند عروض الحاجات. وذكره ابن الجزري في (العدة) في باب صلاة الضرِّ والحاجة (ص 161).

وقال القاضي الشوكاني[1] فى تحفة الذاكرين (ص 162): “وفي هذا الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الله عز وجل مع اعتقاد أن الفاعل هو الله سبحانه وتعالى، وأنه المعطى المانع ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن”. اهـ.

واستقصاء الحفاظ وأئمة الدين الذين فهموا أن الحديث على عمومه واستعمال الدعاء الوارد فيه التوسل به صلى الله عليه وسلم يطول.

(9) إن عثمان بن حنيف رضي الله عنه وهو راوي الحديث فهم من الحديث العموم، فقد وجَّه رجلاً يريد أن يدخل على عثمان بن عفان رضى الله عنه إلى التوجه بالدعاء المذكور في الحديث الذي فيه التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) واسناده صحيح سيأتى إن شاء الله تعالى. وفهم الصحابي الجليل عثمان بن حنيف رضي الله عنه هو ما لا يستقيم فهم الحديث إلا به.

(10) إنَّ رواية ابن أبي خيثمة للحديث من طريق حماد بن سلمة الحافظ الثقة فيها “فإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك”، وهي زيادة ثقة حافظ، فهي صحيحة مقبولة كما هو معلوم ومقرر في علوم الحديث. وهذه الرواية تدل على العموم وطلب العمل بالحديث في الحياة وبعد الممات إلى قيام الساعة.

ثم قال ابن تيمية: “ولو توسل غيره من العميان الذين لم يدعُ لهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بالسؤال به لم تكن حالهم كحاله”. اهـ.

وقال ابن تيمية في موضع آخر: “وكذلك لو كان أعمى توسّل به صلى الله عليه وسلم ولم يدعُ له الرسول (صلى الله عليه وسلم) بمنزلة ذلك الأعمى لكان … عميان الصحابة أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى، فعدولهم عن هذا إلى هذا، دليل على أن المشروع ما سألوه دون ما تركوه”. اهـ.

قلت: الجواب عليه سهل ميسور، وكنت أود ألا أورد هذا الإيراد، لكنني رأيت جماعة أخذوا هذا الإيراد ونسبوه لأنفسهم وكان الصواب ألا يذكر لفساده أو يذكر مع نسبته لقائله، ومن الذين نسبوه لأنفسهم الألباني فإنه قال في توسله (ص 76): “لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي (صلى الله عليه وسلم) وقدره وحقه كما يفهم عامة المتأخرين لكان المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه صلى الله عليه وسلم بل و يضمون إليه أحياناً جاه جميع الأنبياء المرسلين وكل الأولياء والشهداء والصالحين وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة والإنس والجن أجمعين، ولم نعلم ولا نظن أحداً قد علم حصول مثل هذا خلال هذه القرون الطويلة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إلى اليوم”. اهـ.

وذكر نحو هذا الإيراد الشيخ نسيب الرفاعي رحمة الله تعالى عليه صاحب “التوصل إلى حقيقة التوسل” (ص 243)، وكذا المتعالم صاحب ((هذه مفاهيمنا)) (ص 37) وجميعهم يرددون الصدى.

والجواب على هذا الإيراد بالآتي:

1 – إجابة الدعاء ليست من شروط صحة الدعاء، وقد قال الله … تعالى: (ادعوني أستجب لكم)، ونحن نرى بعض المسلمين يدعون فلا يستجاب لهم، وهذا الإيراد يأتي على الدعاء كله، فانظر إلى هذا الإيراد

أين ذهب بصاحبه؟

2 – هذا الإيراد عليه احتمال أقوى منه وحاصله أن عدم توسل عميان الصحابة وغيرهم احتمال فقط لا يؤيده دليل، وهم إما توسلوا فاستجيب لهم، أو تركوا ربة في الآجر، أو توسلوا وادُخِرَ ذلك أجراً لهم أو تعجلوا فاستجيب لهم.

وقد صحَّ أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي. رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما.

وكم من داعٍ متوسلاً لله بأسماءه وصفاته ولم يُستجب له .. ! ويلزم هؤلاء إشكال وهو أننا نرى من يدعوا ويتوسل بأسماء الله وصفاته أو بعمله الصالح أو بدعاء رجل صالح ولم نر إجابة الدعاء. هذا من تمام الحجة عليهم ونقض إيرادهم، فلا تلازم بين الدعاء والإجابة والله أعلم بالصواب.

على أنَّ قول الألباني: لا نعلم ولا نظن أحداً .. الخ، تهافت وشهادة على نفي لا ينخدع بها إلا مسلوب العقل.

_________________________

[1]. وانظر كلمة هامة للشوكاني ستأتي إن شاء الله تعالى (ص40 وما بعدها)

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد