ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 15 يونيو 2017 زيارة: 12

الحياة البرزخية للأنبياء والشهداء

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الرسالة الرملية في فصل الخلاف بين أهالي الرمل ودعاة الوهابية ص4-11.
تأليف: محمد تاج الدين

أنه لا شبهة في ثبوت الروح بالكتاب والسنة والإجماع حتى أثبتها فلاسفة هذا العصر من الفرنج بعد أن أنكرها على المليين أسلافهم قرونا عديدة وكان من أعظم أثباتها عندهم التنويمات المغناطيسية والرآى المنامية وأثبتوا بها أن الروح سعة وجود وأحاطة عملية بعد الموت لم تكن لها قبله بل بالغ بعضهم بأنه بالموت تنكشف لها جميع الحقائق كما يعلم ذلك من كتبهم في الروح وقد عرب جملة منها طبع بعضها الأستاذ فريد وجدي بمصر القاهرة حتى ادعى بعضهم القدرة على مخاطبة أرواح الأموات حديثهم وقديمهم وأسسوا أمكنة لاستحضار الأرواح ومخاطبتها لمن يريده، فلا حاجة لنا الآن إلى أدلة إثباتها ولا التكلم على حقيقتها من أنها جوهر مجرد عن المادة تتصل بصاحبها اتصال العاشق بالمعشوق أو جوهر مادي تتصل به اتصال الماء بالسود الأخضر، فإن ذلك ليس محل النزاع بيننا وبين منكري جواز التوسل كما لا خلاف بيننا و بينهم في أن للروح اتصالا بالقبر بمقدار ما يذوق صاحبه من عذابه إن كان شقيا أو بمقدار ما يتمتع من نعيمه إن كان تقيا، فإن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة والآثار، وقد قال الله تعالى في حق آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) والغدو والعشي لا يكونان إلا حيث وجد ليل ومعلوم أن الموقف لا ليل فيه فلا يتصور أن يكون هذا العرض بالموقف بدليل المقابلة بقوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) ولم يحصل ذلك العرض في الحياة الدنيا فتعين أن يكون في القبر ويدل لذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): “إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إذا كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة” رواه البخاري.

وهل الروح تمثل بصورة صاحبها في قبره وتبقى على هذه الصورة معذبة أو منعمة إلى ما شاء الله أو تتصل بما صار إليه صاحبها من عظام أو تراب أو غير ذلك احتمالان والمرجح الثاني والله على كل شيء قدير.

فقد ثم بهذا ثبوت الحياة البرزخية المتفق عليها بين الفريقين مجوزي التوسل ومانعيه كما اتفقوا على تفاوت هذه الحياة قوة وضعفا بحسب تفاوت ذويها قربا من الله، فقد قال الله تعالى في حياة الشهيد (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ولذلك فرق الإمام أحمد بن إدريس (رحمه الله) في كتابه العقد النفيس بين حياة الشهداء البرزخية وحياة غيرهم كذلك بأن الشهيد يكون في تلذذه بالنعم والبشارات والأرزاق كتلذذ اليقظان وغيره يكون في تلذذه وضده كالنائم يرى الرؤيا الحسنة فيسر بها ويتلذذ ويرى الرؤيا السيئة فيتكدر ويفقد الراحة إلى أن قال: وهذا أقرب مثال لهما. وهذا التلذذ الخاص المشبه بتلذذ اليقظان الذي أكرم به للشهداء في هذه الحياة البرزخية الكبرى إما بواسطة تعلق أرواحهم بطيور الجنة التي تأكل من ثمارها وتسبح في أنهارها أو الأرواح نفسها تتصور بتلك الطيور وبكلا الاحتمالين صرحت الأحاديث الصحيحة في روايات ثقات الأئمة منهم مالك ابن أنس وأحمد بن حنبل وعبد الرزاق ومسلم كما هو محرر بمعتبرات الكتب وروح المعاني للإمام الألوسي وفيه ما ملخصه ولا يخفى ما للروح من اللطافة قوة التجسد كما يدل له ظهور الروح الأمين جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي (رضي الله عنه)، وأن هذه الحياة البرزخية لا يمكن إدراكها بإحدى الحواس ولا طريق للعلم بها إلا الوحي كما قال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) أي لا تدركون هذه الحياة بالمشاعر والحواس فلا نرى بالمقابر إلا عظاما نخرة ورفات مبعثرة، لا فرق بين شهيد شهدت الأدلة القطعية بحياته وولي شوهدت كراماته في حياته وبعد مماته ولكن الله القدير لا يعجزه أن يحل في هذه العظام تلك الحياة البرزخية بحيث تكون سبب الحس والإدراك وإن كنا لا نرى فيها شيئا من علامات الحياة جاء في الحديث “إن المؤمن يفسح له مدى البصر ويقال له نم نومة العروس” مع بعد ذلك عن إدراك قواتا. وما يحكي من مشاهدة بعض الشهداء الذين قتلوا من مئات السنين تشخب جروحهم دما إذا رفعت العصابة عنها فهذا كذب لا حقيقة له وإن تمشدق به كثير ممن تظاهروا بالعلم و الصلاح.

وبالضرورة حياة الأنبياء والأولياء البرزخية لا تكون أقل من حياة الشهداء بل يجب أن تكون حياة الأنبياء أتم من الجميع وقد ثبت بما صح في السنة من عرض أعمال الأمة على النبي (عليه الصلاة  والسلام) واستغفاره لمعصيتهم بعدة أحاديث منها ما رواه الدارمي بسند رجاله رجال الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: “حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرت لكم”.

وما رواه البزار بسند رجاله رجال الصحيح أيضا بهذا المعنى ومما ورد في حياة الصالحين وعرض الأعمال عليهم أيضا ما في مسند الإمام أحمد الذي أحاديثه كلها مقبولة عند ابن تيمية رئيس المانعين قوله (صلى الله عليه وسلم): “إن أعمالكم تعرض علي أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن رأوا خيرا استبشروا به وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا” ولا يخفى علو قدم هذا الإمام الجليل في علم الحديث وعظم الثقة بروايته لا سيما في نظر هذه الطائفة الوهابية الذين يدعون أنهم أشد الناس تمسكا بمذهبه ومسنده وقد صرح (رضي الله عنه) بأن كل ما رواه في ذلك المسند حجة فقد جاء في شرح التقريب للسيوطي وفي غيره من كتب الحديث أن الإمام أحمد سئل عن حديث فقال ينظر إن كان في المسند وإلا فليس بحجة وهذا تصريح بأنه يرى أن كل حديث في مسنده حجة، انتهى.

ويعضد هذا الحديث ما رواه ابن أبي الدنيا وغيره من قوله (عليه السلام): “تعرض أعمالكم على الموتى فإن رأوا حسنا استبشروا وإن رأوا سوءا قالوا اللهم راجع بينهم”.

أي ارجعهم إلى طاعتك وروي ابن عبد الله بإسناد حسن خبر “ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام” وقد نادى النبي (صلى الله عليه وسلم) أهل القليب (بئر القى فيها أموات الكفار يوم بدر) وأسمعهم وقال: “ما أنتم بأسمع منهم لكنهم لا يستطيعون جوابا”.

وفي الصحيحين عن أنس أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه يسمع قرع نعالهم الحديث.

وقالت عائشة (رضي الله عنها) قلت: كيف أقول يا رسول الله تعني إذا زارت القبور قال (عليه الصلاة والسلام) قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.

وقد ورد أن المرء تنكشف له حقائق الأشياء بالموت كما أفاد ذلك حديث: “الناس نيام فإذ ماتوا انتبهوا” ولذا بين الله حال المعاصي عند موته واطلاعه على ما أعد له بقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا) وقال جل شأنه: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) فقد ثبت بهذه الأدلة أن عام القدرة تام الحكمة جل شأنه اقتضت حكمته تعالى أن يميز النوع الإنساني عما عداه من سائر الحيوانات بعد الممات كما ميزه عنها في الحياة الدنيا بالتكريم والتكليفات فجعل له حياة برزخية من حين انفصاله عن الدنيا بين الحياتين الدنيوية والأخروية بمقدار ما يذوق من مقدمات جزاء عمله من ثواب أو عقاب على ما سبق بيانه وأنه بهذه الحياة يعرف زائره ويرد عليه السلام كما في حديث ابن عبد الله السابق وأن النبي (عليه الصلاة والسلام) بعد موته يستغفر لمذنبي الأمة كما علم من حديث عرض أعمالهم عليه (صلى الله عليه وسلم) بعد موته وأن الصالحين من الأموات يدعون لأقاربهم وعشائرهم بقولهم اللهم اهدهم كما هديتنا كما في حديث أحمد السابق وأن الميت أهل لأن يخاطب بتحية السلام ويحيي هو بمثلها كما في حديث ابن عبد الله المذكور ومن كيفية زيارة الأموات السابقة ولا شك أن رد السلام دعاء لأنه عبارة عن طلب الأمان من المخاوف فهو دعاء من الميت استدعاه زائره ببدئه له بتحية السلام وهل يتصور فرق بين استدعائه من الميت بهذا الطريق واستدعائه بقوله له ادع الله لي بكذا لا سيما إذا كان بعد أن قدم له ما هو أنفع وأولى بالمكافأة من مجرد تحية السلام من الاستغفار والقراءة والتصدق على روحه المتوجهة له من حين أن تبودلت بينه وبين زائره تحية السلام، إذ لا يعقل انقطاع هذا التوجه الذي استوجبته التحية وردها بشروع الزائر البادئ بها فيما وفق له من استغفار للميت وذكر وقراءة لا سيما إذا كان ممن هو أقوى روحا وأصفى نفسا كالأنبياء والشهداء والأولياء والصالحين الذين ثبت وقوع الدعاء منهم للأحياء بما قدمناه لك من الأدلة وقد أكرموا في دار الدنيا بأنواع من المميزات فخرقت لهم العادات معجزة للأنبياء منهم وكرامة للأولياء خلفائهم في تربية النفوس وتزكية الأرواح فهم في هذه الحياة الوسطى التي بها ابتداء إثابة العاملين وإكرام المقربين أولى بأن يجعل من جملة إكرامهم اتصال أرواحهم الطاهرة وأمداداتهم الظاهرة بقبول الدعوات وحسن التوجهات لمن أقبل عليهم متوجها إلى الله بهم من ذوي الحياة الدنيوية في حال هم فيه أقرب إلى الله منهم إليه تعالى وأحق بالكرامات وأنواع المميزات من حال الحياة الأولى، وقد علمت أن الحياة البرزخية متفاوتة بتفاوت ذويها قربا من الله حتى إن من بينهم من يرزق ما يشتهي وينعم به كما يتنعم ذو الحياة الدنيوية كما استفيد ذلك من قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)

 

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد