ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 10 أبريل 2019 زيارة: 348

الرد على شبهة «حصر مفهوم الجهاد في القتال فقط»

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: ضلالات الإرهابيين وتفنيدها (ص7-12)
تأليف: الأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة
الشبهة:

يظن كثير من الناس أن الجهاد إنما شرع بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة، وسبب هذا الظن الخاطئ أنهم حصروا الجهاد في معناه القتالي.

الجواب:

ولا شك أن مقاتلة المشركين شرعت بعد الاستقرار في المدينة، لكن الذي يغيب عن أذهان الكثيرين أن ما نزل من القرآن الكريم في العهد المكي تحدث عن الجهاد كما تحدث عنه ما نزل من القرآن الكريم في العهد المدني، ففي سورة النحل المكية نقرأ قول الله سبحانه وتعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)[1].

وفي سورة الفرقان المكية أيضا، نقرأ قوله (عز وجل) آمرا نبيه (صلى الله عليه وسلم): (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [2]، ولا يخفى أن الضمير في قوله (به) يعود إلى القرآن الكريم، وأن الأمر صريح للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالجهاد، لكن أي جهاد قصد في هذه الآية المكية؟ لا يمكن بحال من الأحوال أن تقصد هذه الآية القتال، لأن القتال لم يشرع إلا في المدينة، إذا فالمراد بالجهاد هنا هو الجهاد الدعوي للكفار حال کونه (صلى الله عليه وسلم) في مكة قبل أن يشرع القتال.

فالجهاد بهذا المعنى الذي استقر في مكة من دعوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه للمشركين إلى الحق، وثباتهم عليه، وصبرهم على الأذى في سبيل التبصير بكتاب الله – تعالى – والتعريف به، هو المقصود الحقيقي، والمصدر الأساسي لما قد تفرع عنه بعد ذلك من أنواع الجهاد الأخرى [3].

غير أن الجماعات المتطرفة لا تزال مصرة على رأيها المضلل الذي حصر الجهاد في معناه القتالي فقط، متغافلين أو متجاهلين سائر المعاني المتعددة والمتعلقة بجهاد النفس، وجهاد الدعوة، ثم جهاد الدفع الذي هو خلاصة الدفاع عن الأوطان ورد كيد المعتدين عنها، ومن أهمها حماية الثغور، وهو ما تقوم به قواتنا المسلحة الباسلة ورجالها الساهرون على حماية حدود الوطن ومن يعاونهم في ذلك من رجال الشرطة وسائر الوطنيين الشرفاء، وهو عين الجهاد الحقيقي، لا هذا المعنى الذي توظّفه الجماعات المتطرفة لخدمة أغراضها الخاصة.

ولمزيد من البيان يحسن بنا أن نجلّي لك – أيها القارئ الكريم – متى شرع الجهاد القتالي في الإسلام.

لما هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم )إلى المدينة المنورة نشأت ظروف جديدة لم تكن موجودة في مكة تتلخص في أمرين:

الأول: نشأة أول مجتمع متماسك، ضمن نظام دولة مكتملة الشروط والأركان، من الشعب المسلمين وغيرهم)، والدستور (وثيقة المدينة)، والحاكم الرسول (صلى الله عليه وسلم).

الثاني: نشأة أول دولة للمسلمين، وهي الأرض التي استقر عليها نواة دولتهم بمكوناتها المتكاملة، وما اقتضته من:

– تحصين الحدود وحراستها تحسبا لأي عدوان.

– التصدي بالقتال لكل من يتربص بمقومات هذه الدولة، أو جاء معتديا عليها بصورة من الصور[4].

وهكذا شرع الجهاد القتالي في المدينة نتيجة لهذه الظروف الجديدة، لكن مما ينبغي التأكيد عليه في هذا المقام: أن مشروعية الجهاد القتالي لا تغني أن أصل الجهاد – وهو الدعوة بالحكمة، والموعظة الحسنة – قد ولى وانتهى، بل كانت الدعوة إلى الله – ولا تزال – هي الأصل، ولا ينتقل عنها إلى غيرها إلا حال الاعتداء على الأوطان وتهديد أمنها وسلمها، ولا بد أن ننتبه إلى أن الجهاد القتالي الذي شرعه الله (عز وجل) من أجل تلك الظروف – كما ذكرنا – لا يصح استخدامه إلا عند وجود مثل هذه الظروف، وليس لعامة الأفراد أو آحادهم إعلانه، إنما هو حق لرئيس الدولة، والجهات المختصة بذلك وفق ما ينص عليه قانون كل دولة و دستورها، وبما يحقق مصلحة الدولة ويحفظ أمنها واستقرارها.

استشكال ودفعه:

ولا يشكل على ما سبق تقريره وبيانه قول الله – تعالى -: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) [5]، وقوله (صلى الله عليه وسلم): أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله) [6]؛ لأن قوله – تعالى -: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ …) خاص بالمشركين المحاربين، بدليل ما ورد بعدها من قوله – تعالى -: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره كى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه)، فلو كان الباعث على القتال هو الكفر دون غيره؛ لتناقض ذلك مع الأمر بتأمين المشرك وحمايته حتى يسمع كلام الله ثم إيصاله إلى مكان يأمن فيه على نفسه وماله.

وأما الحديث ففرق في لغة العرب بين “أقتل” و “أقاتل”، فالقتل غير القتال. “قأقتل” تعني: الاعتداء على الناس ابتداء بالقتل.

أما “أقاتل”، فعلى وزن “أفاعل”، وهي صيغة تقتضي المشاركة، ويمكن حمله على صد العدوان ورد الاعتداء.

وقد نبه على هذا المعنى الإمام الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري، فذكر ما نقله الإمام البيهقي عن الإمام الشافعي أنه قال: “ليس القتال من القتل بسبيل، فقد يحل قتال الرجل، ولا يجل قتله”، وقال الإمام ابن دقيق العيد في شرح العمدة: “لا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين على ذلك[7].

فجمع النصوص بعضها إلى بعض وفهمها مجتمعة في ضوء المقاصد العامة للتشريع يؤكد أن الجهاد في الإسلام إنما هو جهاد دفاعي وشرع لحماية الدولة وثغورها، والدفاع عنها، ورد كيد المعتدين عليها، لا لحمل الناس على الإسلام کرها؛ لأن الله (عز وجل) يقول في كتابه العزيز: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [8]، ويقول لنبينا (صلى الله عليه وسلم): (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [9]، ويقول سبحانه: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [10].

 * * *

_____________________________________

[1] . النحل: 110.

[2] . الفرقان: 52.

[3] . ينظر: الجهاد في الإسلام للدكتور البوطي ص: 19 وما بعدها بتصرف واختصار.

[4] . المصدر السابق ص: 22 وما بعدها بتصرفي واختصار.

[5] . التوبة: 5.

[6] . أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) [التوبة: 5]، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.

[7] . فتح الباري: 1/ 76. ويراجع: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام للإمام ابن دقيق العيد 2/ 219).

[8] . البقرة: 256.

[9] . النحل: 82.

[10] . القصص: 56.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد