ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 23 أغسطس 2019 زيارة: 305

الزيارة والاستمداد من أهل القبور في غير الأنبياء عليهم السلام

(1 تصویت, معدل: 5.00 من 5)
مقتبس من كتاب: لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (4/ 214-218)
تأليف: الشيخ عبد الحق بن سيف البخاري الدّهلوي الحنفي

زيارة القبور[1] مستحب؛ فإنه يورث رقة القلوب، ويذكر الموت والبلى إلى غير ذلك من الفوائد، والعمدة في ذلك الدعاء للأموات والاستغفار لهم، وبذلك وردت السنة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأتي البقيع ويسلم على أهلها ويستغفر لهم.

وأما الاستمداد من أهل القبور في غير النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الأنبياء عليهم السلام فقد أنكره كثير من الفقهاء، وقالوا: ليست الزيارة إلا للدعاء للموتى والاستغفار لهم وإيصال النفع إليهم بالدعاء وتلاوة القرآن، وأثبته المشايخ الصوفية قدس الله أسرارهم، وبعض الفقهاء رحمة الله عليهم، وذلك أمر مقرر عند أهل الكشف والكمال منهم، لا شك في ذلك عندهم، حتى إن كثيرا منهم حصل لهم الفيوض من الأرواح، وتسمى هذه الطائفة أويسية في اصطلاحهم.

قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه: قبر موسى الكاظم ترياق مجرب لإجابة الدعاء، وقال حجة الإسلام محمد الغزالي: كل من يستمد به في حياته يستمد به بعد وفاته، وقال أحد من المشايخ العظام: رأيت أربعة من المشايخ يتصرفون في قبورهم كتصرفهم في حياتهم أو أكثر، الشيخ معروف الكرخي، والشيخ عبد القادر الجيلي -رضي الله عنهما-، وذكر رجلين غيرهما، وقال سيدي أحمد بن زروق شارح (كتاب الحكم)، وهو من أعاظم الفقهاء وعلماء الصوفية من ديار مغرب قال: قال لي شيخي أبو العباس الحضرمي يوما: هل إمداد الحي أقوى أم إمداد الميت؟ فقلت: إنهم يقولون: إمداد الحي أقوى، وأنا أقول: إمداد الميت أقوى، فقال: نعم، لأنه في بساط الحق، والنقل في ذلك كثير عن هذه الطائفة، ولم يعرف في الكتاب والسنة وأقوال السلف ما ينافي ذلك ويرده، كيف وقد ثبت في الدين أن الروح باقية، ولها علم وشعور بالزائرين، ولأرواح الكاملين قرب ومكانة من جناب الحق تعالى، كما كان في الحياة أو أتم من ذلك، وهم يثبتون الكرامات، والتصرف في الأكوان للأولياء، وليس ذلك إلا لأرواحهم المقدسة، وهي باقية، والمتصرف الحقيقي ليس إلا الله سبحانه، والكل بقدرته، وهم فانون في جلال الحق في الحياة وبعد الممات، فلو أعطى لأحد بوساطة أحد من أوليائه ومكانته عنده شيئا كما كان في حالة الحياة لم يبعد، وليس الفعل والتصرف في الحالتين إلا لله تعالى وتقدس، وليس في الحالتين ما يوجب الفرق، ولم يدل عليه دليل في الشرع[2].

وقال الشيخ ابن حجر الهيثمي المكي في شرح حديث: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد): هذا إذا صلى إلى القبر تعظيما له؛ فإنه حرام، وأما اتخاذ مسجد بجوار نبي أو صالح، وصلاة عند قبر لا لتعظيمه، أو التوجه نحوه، بل لحصول مدد منه حتى يكمل عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح الطاهرة، فلا حرج في ذلك، وسيجيء في آخر الباب ما يتعلق بذلك، ويتم هذا البحث إن شاء الله تعالى في (كتاب الجهاد) في قضية قتلى بدر.

ومن آداب الزيارة أن يقوم مستقبل القبر، مستدبر القبلة، حذاء الوجه، وأن يسلم، ولا يمسح القبر، ولا يقبله، ولا ينحني، ولا يعفر الوجه على التراب، فإن ذلك عادة النصارى، وقراءة القرآن مكروه عند أبي حنيفة، وعند محمد لا يكره، وأخذ الصدر الشهيد أحد مشايخنا الحنفية بقول محمد وعليه الفتوى، وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل: إنما كره قراءة القرآن عند المقبرة جهرا، وأما المخافتة فلا بأس بها وإن ختم، وعن الشيخ محمد بن إبراهيم: يقرأ على المقابر سورة الملك أخفى أو أجهر، ولا فرق بين المخافتة والجهر في ظاهر الرواية؛ لأن الأثر ورد به.

وحكي عن أبي بكر بن سعد أنه قال: المستحب عند زيارة القبور قراءة سورة الإخلاص سبع مرات، ووهب ثوابه للميت، والأصح أنه يصل إلى الميت. والزيارة يوم الجمعة أفضل خصوصا في أوله، وهو المتعارف في الحرمين الشريفين، يخرجون إلى المعلى والبقيع للزيارة، وجاء في الروايات أنه يعطى للميت في يوم الجمعة الإدراك أكثر مما يعطى في سائر الأيام، حتى إنه يعرف الزائر أكثر مما في الأيام الباقية، وما اشتهر بين عامة الناس المنع عنه في يوم الجمعة مع ما ينقلون في ذلك أثرا فلا أثر له.

وكره وطء القبور بالإقدام بلا ضرورة، ويستحب أن يتصدق عن الميت بعده إلى سبعة أيام، والصدقة عن الميت ينفعه بلا خلاف بين أهل العلم، وفيه وردت الأحاديث الصحيحة خصوصا الماء، قال بعض العلماء: لا يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء، وقد جاء في بعض الروايات أن روح الميت تأتي داره ليلة الجمعة فينظر هل يتصدق لأجله، والله أعلم[3].

________________________________

[1] . قال الشيخ محمد بن العلوي المالكي في كتابه “الزيارة النبوية بين البدعية والشرعية” (ص: 11 – 12): مسألة الزيارة مسألة فقهية تتعلق بها الأحكام الشرعية من حلال وحرام ومكروه ومندوب، ولا صلة لها بحديث: “لا تشد الرحال” وليست من القضايا العقدية.

وقد جعلها بعض المتنطعين -هداهم الله إلى الصراط المستقيم- قضية اعتقادية مثل ما فعلوا تماما بقضية التوسل بالنبي -صلى الله عليه وسلم- حيث جعلوها قضية اعتقادية توحيدية، وبنوا عليها الحكم بالشرك والكفر والإخراج عن الملة، مع أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقرر في رسائله أنها -يعني قضية التوسل- قضية فقهية.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فكون البعض يرخص التوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه، وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور من أنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.

وهذا يدل على جواز التوسل عنده، غاية ما يرى أنه مكروه في رأيه عند الجمهور، والمكروه ليس بحرام فضلا عن أن يكون بدعة أو شركا.

والحاصل أن الخلاف في مسألة الزيارة والتوسل هو خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يشنع أخ به على أخيه أو يعيبه به، وأن من قال به متمسك بأدلة ثابتة ثبوت الجبال الرواسي، وردها لا يجيء إلا من متعنت أو مكابر، فإن لم تقنع فاسكت وسلم ولا تشنع؛ فالخلاف في الفروع لا يحتمل هذا الإفراط، سلك الله بنا سواء السبيل.

[2] . قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله في “اقتضاء الصراط المستقيم” (ص: 373 – 374) في معرض كلامه عن اتخاذ القبر مسجدا أو وثنا يعبد: ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قوما سمعوا رد السلام من قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة، ونحو ذلك.

ثم قال في موضع آخر: وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها، وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها، فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه، وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، ولكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، انتهى.

[3] . انظر لمسألة زيارة القبر: “شفاء السقام في زيارة خير الأنامللعلامة تقي الدين السبكي، و”إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر في زيارة النبي -صلى الله عليه وسلم-لابن عساكر، و”الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي الشريف المكرملابن حجر الهيثمي.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد