ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 22 يونيو 2018 زيارة: 92

السجدة من أفعال التي يتوهم الوهابية أنها عبادة في كل حال

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الرؤية الوهابية للتوحيد وأقسامه ص159-163
تأليف: عثمان مصطفى النابلسي

لقد تبين بجلاء مما سبق معنى العبادة الاصطلاحية، والتي من أداها لغير الله تعالى أشرك وكفر، ومن أداها لله تعالى كان عابدا له، وقد اختلط الأمر على المخالفين في بعض الأفعال، فعدوا أداءها لغير الله تعالى عبادة بغض النظر عن اعتقاد ونية فاعلها، وبما أن هذه الأفعال قد صدرت من بعض المسلمين، قام الوهابية بتكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم، بل وتكفير من لم يكفرهم!، ومن هذه الأعمال السجود، وقد بدأت بمسألة السجود؛ لكونه أوضح وأجلى جزئيات العبادة، فقد قام بعض الجهلة من المسلمين – على قلتهم- ببدعة السجود للسلاطين أو لقبر النبي (صلى الله عليه وسلم) بقصد التحية والتكريم، ودون اعتقاد الإلهية أو شيء من خواص الربوبية في أولئك السلاطين أو في النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولم يقل أحد من المسلمين بأن سجودهم كفر يخرجهم من دين الإسلام، مع القطع بكون ذلك بدعة ومن كبائر الذنوب، لكن الوهابية يرون أن السجود لمخلوق سواء كان سجود عبادة أو سجود تکریم وتحية، إنما هو شرك أكبر، فمن سجد سجود تحية لسلطان أو للنبي (صلى الله عليه وسلم) عند قبره فقد أشرك، قال الشيخ ابن عثيمين في فتاويه (24/224): «ومن ذهب إلى قبر فسجد لصاحب القبر فهو مشرك سجد لغير الله، والسجود لا يكون إلا لله عز وجل».

ومن المعلوم أن السجود هو أجلى أفراد العبادة، وهو أجلى من الدعاء في كونه عبادة، فإن الدعاء يحصل من بعض الناس لبعضهم يوميا، ولا يمر يوم إلا ويستغيث بعض الناس ببعض في حاجاتهم، أما السجود فلا نرى الناس يسجد بعضهم البعض، والدعاء قد يكون من الأعلى لمن هو أدنی کدعاء الملك خادمه، أما السجود فلا يكون إلا من الأدنى إلى الأعلى، ودعاء الناس بعضهم في حاجاتهم اليومية ليس فيه تذلل وخضوع في الغالب، أما السجود فلا ينفك عن الخضوع والتذلل، فلذلك يعتبر السجود أبرز عمل متعبد به، فهل كل سجود وهو أبرز المظاهر العبادية – يعتبر شركا؟

إذا ثبت أن السجود لا يكون شركا إلا بقيد من القيود، فمن باب أولى أن تكون غيره من الأعمال العبادية ليست شركا دون ذلك القيد، فهو أوضح الأفعال العبادية وأجلاها، وأعظمها في التذلل والخضوع.

قد بینت سابقا أن العمل العبادي لا يكون شركا إلا إذا قصد به التعبد، أو اعتقد في المخلوق أحد خواص الربوبية والإلهية، والسجود داخل في هذه الأعمال، فالسجود إذا أدي لغير الله تعالى على سبيل التعبد والتعظيم كتعظيم الله، أو باعتقاد شيء من صفات الربوبية والإلهية في المسجود له كان شرکا، لأنه داخل في تعريف العبادة بالمعنى الأخص، أما إذا أدي لغير الله تعالى على سبيل التحية والتكريم لا بقصد التعبد فلا يعتبر شركا، وهذا النوع من السجود قد كان مشروعا في شرع من قبلنا، لكنه نسخ في شريعتنا المباركة، فمن قام بالسجود لغير الله تعالى تكريما له فقد وقع في محرم، ولا يقال أنه أشرك، ولا يقال عمن لم يحكم بشرکه أنه مشرك أيضا، بحجة أن من لم يكفر الكافر فهو كافر!، كما حكم الوهابية على معظم أهل الإسلام من العلماء والعوام.

أما كون السجود لغير الله تعالى بقصد التعبد شركا، فهذا ما يوافقنا فيه الوهابية فلا أحد ينكر أن من قام به أشرك مع الله تعالى في العبادة.

وأما كون السجود لغير الله تعالى دون قصد التعبد ليس شركا في شرع من قبلنا، فهذا يدل عليه السجود لأبينا آدم (عليه السلام)، وسجود إخوة سيدنا يوسف وأبويه له.

قال ابن كثير في تفسيره (1/ 232):

وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: (أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يأ أبت هذا تأویل رءياي من قبل قد جعلها ربي حقا) [يوسف: 100] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا، قال معاذ: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال: «لا لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها» ورجحه الرازي، وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال: (أقم الصلوة لدلوك الشمس) [الإسراء: 78] وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكراما وإعظاما واحتراما وسلاما، وهي طاعة لله عز وجل؛ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما كونه جعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف، والآخر: أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض، وهو ضعيف كما قال».

وأما كون السجود قد نسخ في شريعتنا، فقد جاءت نصوص كثيرة تدل على حرمته، وعليه فمن قام بالسجود لعالم أو حاكم أو قبر أو زوج فقد ارتكب أمر محرما من الكبائر، لكن هذه الحرمة ليست ناتجة عن كونه عبادة، بل لأن النص جاء بتحريم السجود للمخلوق، ومما يدل على ذلك:

ما رواه ابن ماجة في السنن (3/59) وغيره عن عبد الله بن أبي أوفى، قال: «لما قدم معاذ من الشام، سجد للنبي (صلى الله عليه وسلم)، قال : ما هذا يا معاذ؟ قال: أتيت الشام، فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه».

ومعلوم أن سيدنا معاذا من كبار علماء الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين)، وهو عالم بحدود العبادة والشرك ومعيار كل منهما، فلا يتصور أنه كان جاهلا بحقيقة العبادة وأن صرفها لغير الله تعالى شرك، إلا أنه سجد للنبي (صلى الله عليه وسلم) تكريما له، فلم يقل له النبي (صلى الله عليه وسلم) وأن يجدد إسلامه أو أن فعله شرك بالله، بل نهاه عن هذا الفعل بما يدل على حرمته فقط.

وروى الإمام أبو داود في سننه (1/ 650) والحاكم في المستدرك (2/ 204) وغيرهما، عن قيس بن سعد (رضي الله عنه) قال: «أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحق أن يسجد له، فأتيت رسول الله ؟ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم فأنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحق أن يسجد لك، قال: أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له، قلت: لا، قال: فلا تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد الأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل لله لهم علين من حق». .

ومعلوم أن من طلب الشرك والكفر فقد کفر، فلو كان مجرد سجود التكريم شرگا لكان هذا الصحابي قد أشرك، ولكان ينبغي على النبي (صلى الله عليه وسلم) له أن يأمره بالتشهد وتجديد إسلامه.

وقد عد الأئمة الفقهاء من المذاهب الأربعة سجود التحية من الكبائر، وجعله الأحناف کفرا صوريا لا حقيقيا[1]، لكنهم لم يقولوا بكفر الساجد للمخلوق كفرا أكبر يخرجه من الملة كما فعل الوهابية، وعلماء المذاهب الأربعة ذهبوا إلى تكفير الساجد للصنم أو الشمس لكونه أمارة من أمارات الشرك لا لكونه عبادة لذاته، إذ السجود لشيء قد عبد من دون الله تعالى دلالة كافية على كفر الساجد، ولو كان السجود عبادة ذاتية ما حل في شريعة أبدا، فلو سجد شخص للصنم أو للشمس كفر لكونه فعل فعلا يدل على اعتقاد إلهيتها، وكان ذلك دالا على استخفافه بشرائع الإسلام، فإن اتخاذ الصنم والشمس آلهة منتشر بين المشركين، وسجودهم لها ناتج عن اعتقادهم بإلهيتها.

وخلاصة الأمر أن السجود نوعان:

النوع الأول: سجود العبادة، وهو السجود بنية التعبد، أو باعتقاد الإلهية وشيء من خواص الربوبية، فأداء مثل هذا السجود للمخلوق شرك أكبر.

النوع الثاني: سجود التحية والتكريم، وهو السجود لا بنية العبادة، ودون اعتقاد الإلهية أو شيء من خواص الربوبية، فهذا السجود كان سائغا في الشرائع السابقة، لكنه محرم في شريعتنا.

_________________________________

[1]. انظر: البريقة المحمودية 2/ 190.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد