ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 12 فبراير 2019 زيارة: 19

السلفية الجهادية ….. أو الفرقة الناجية

(غير مصنفة)

يرافق مصطلح السلفية الكثير من الغموض من حيث دلالاته المعرفية أو بيان نشأته والتطورات التي داخلته. وكما هو الحال مع الكثير من المصطلحات التي يزداد غموضها كلما أصبحت شائعة ومتداولة بين فرقاء مختلفين، أصبح مصطلح السلفية مجال تجاذب ونقاش زاد من غموضه وتعقيداته تشابك المسائل السياسية والعقائدية والمعرفية في هذا المجال وتداخلها.

السلفية لغة، نسبة إلى السلف أو الجماعة المتقدمين، كما في “لسان العرب” لابن منظور. أما المفهوم الإسلامي الشائع للسلفية والمستقر نسبياً فهو الاتجاه الذي يدعو إلى الإقتداء بالسلف الصالح واتخاذهم قدوة ونموذجاً في الحاضر. والسلف الصالح هم أهل القرون الثلاثة الأولى من عمر الأمة الإسلامية، عملاً بقول النبي (ص): “خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه, ويمينه شهادته”.

هذا المفهوم العام والشائع للسلفية ينطبق على أغلب المسلمين، فهم جميعاً سلفيون بهذا المعنى, إلا أن التطور التاريخي ساهم في توليد سلفيات متعددة تختلف في ما تتبنَّاه من قضايا وأولويات، وتتباين في درجة التسلف أو شدّته في العبادات وفي المعاملات، في المقاصد وفي الوسائل.

في البعد التاريخي للسلفية:

من الضروري الغوص في التاريخ من أجل فهم السلفية كتيار وعقيدة. وقبل إلقاء نظرة على القرن الثامن عشر وقراءة محمد بن عبد الوهاب والتجربة السلفية المعاصرة، لا بد من العودة إلى القرن التاسع مع الإمام أحمد بن حنبل الذي اضطلع بدور مهم في صناعة الأحداث في بغداد في الربع الأول من ذلك القرن، حيث كان يشدِّد أكثر من غيره على العودة كلياً إلى النص والسير على خطى السلف الصالح، رغبة منه في تطبيق النموذج الذي نشأ في المدينة مع النبي (ص). ومع أن نموذج “المدينة”، وهو شكل مقتطع من التاريخ الحقيقي الذي شهد صراعات وحروباً بعد انقضاء سنوات قليلة على وفاة صاحب النموذج، تمثل في أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين قضوا اغتيالاً، وأن حروباً وفتناً نشبت حتى بين الصحابة، وسادها الكثير من الاحتجاجات والسجالات المتبادلة حول شرعية كل واحد منهم، ما دفع بابن حنبل إلى السعي لتهدئة واستيعاب تلك المواجهات وآثارها والعداوات التي انقسم المسلمون حولها باكراً، فعمد، لذلك، إلى التخفيف من أحكامه على من ضلّ خلال الفتنة الأولى ساعياً إلى رأب الصدع وتحقيق أوسع إجماع داخل الأمة حول الحقيقة الواحدة للدين، ولكي يتم تجنب أي صراعات مستقبلية نصح بعدم الاحتكام إلى “الرأي” الذي قالت به المذاهب الفقهية الأخرى، وأن تكون قراءة القرآن حرفية متجنِّبة أي تأويل مجازي، وخاض في سبيل ذلك مواجهات فكرية وفقهية عديدة.

الحلقة الوسطى بين ابن حنبل وابن عبد الوهاب يمثلها ابن تيمية (ت 1328)، الفقيه الحنبلي السلفي الذي عاش أيضاً فترة عصبية مرّ بها الإسلام تمثلت بالغزو المغولي، ونهب بغداد وسقوط الخلافة، في وقت كان فيه الخطر الصليبي ما زال ماثلاً في الأذهان. تلك الحالة ولَّدت إحساساً شعر معه المسلمون أن دينهم مهدَّد حتى في وجوده. وقد صرف ابن تيمية حياته بما أوتي من جهد وصبر لرصد أي ثغرة تمس نقاوة العقيدة وصفاءها، فتصدَّى لكل ما صادفه من انعكاسات للفلسفة اليونانية ومؤثراتها على الإسلام، وساجل المذاهب الباطنية معتبراً أنها من البدع بسبب ما توليه من أهمية للتأويل, وأنكر مفهوم وحدة الوجود التي قال بها الصوفيون ومارسوها بعدما رأى فيهم خطراً أشد من المسيحيين على دين قائم على عقيدة التوحيد. وألَّف كتاباً صار مرجعاً لكل السلفيين, هدفه تنقية الرسالة المحمدية من كل شائبة، حمل عنوان “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية”، وهو كتاب صغير الحجم كبير التأثير، ما يزال يطبع حتى الآن, ما يدل على مدى الانتشار الذي يحظى به، وهو يتناول علاقة الأمير برعيته في ظل الشريعة، ويشدِّد على تطبيق الحدود بشكل حرفي، لكنه يولي موضوع الجهاد اهتماماً مميزاً ويساوي بينه والصلاة، حتى ليبدو أنه يضعه فوق الأركان الشرعية الأربعة (الشهادة والصوم والزكاة والحج). فالدين جذعه الصلاة وتاجه الجهاد. وهو بذلك يجعل محاربة الكفّار أحدى وظيفتي وليّ الأمر، حيث الأولى تتمثل بتكريس طاقته لخدمة الدين بتأمين انتصار الفضيلة داخل الأمة من خلال إقامة الحدود, والأخرى خوض الجهاد المقدس خارج دار الإسلام. وهو بذلك يريد أن يحقق الإسلام أكبر نجاح ممكن سياسياً ودينياً. وبذلك يصبح السياسي والديني شيئاً واحداً لا يمكن تقسيمه إلى قسمين منفصلين. فالسلطة التي لا تهتم للشأن الديني، والدين الذي لا يهتم إلا لذاته متخلياً عن القوة والعظمة, مكتفياً بالتقوى والخشوع، يخسر في الحالتين وينتهي الإثنان إلى الفشل والخراب, وتلك هي حال المسيحية واليهودية اللتين أصيبتا بهذا المرض الذي منعهما من إقامة الصرح الديني. هكذا تحوَّل ابن تيمية من فقيه إلى مجاهد يحثّ على الجهاد في العقيدة، وهو ما يعمل الأصوليون والسلفيون المعاصرون على إحيائه(1).

مع محمد بن عبد الوهاب (1703-1792)، مؤسس التيار الوهابي السلفي الذي انطلق من عمق الجزيرة العربية في مسقط رأسه نجد، والذي التحق به آل سعود، انطلقت حركة تطهيرية ستسهم بعد قرنين في ولادة المملكة العربية السعودية, لكنها في البداية تعرَّضت لضربات أجهضت مشروعها على يد والي مصر محمد علي (1769 – 1849) حيث تمكَّن من طرد الوهابيين من الحجاز (1812 – 1817). كذلك فشلت محاولة أخرى لإقامة الدولة الوهابية أواسط القرن التاسع عشر. لكن مع مطلع القرن العشرين تضافرت الظروف لإعادة إحياء المشروع، وبعد ثلاثين عاماً نجحت قبيلة آل سعود الملتزمة هذه العقيدة في فرض هيمنتها على جميع القبائل ووحّدتها لتنشأ المملكة العربية السعودية العام 1932.

في البعد المعرفي للسلفية- الوهابية

يمكن اعتبار كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب أول الكتابات التأسيسية الحديثة في الإلهيات الإسلامية، بعيداً عن المدوَّنات والقوالب الكلامية الجاهزة طوال عصور عديدة من تاريخ الإسلام. وقد حظي هذا الكتاب بالشهرة والانتشار والجاذبية في وقت واحد. وعلى الرغم من غياب أي تجديد جذري فيه، فهو مليء بالاستشهادات والاقتباسات التي تؤكد مرجعيته الحنبلية المتشدِّدة, حتى ليبدو معلمه أحمد بن حنبل في الواقع أكثر تسامحاً في مسألة التكفير. ويعترف ابن تيمية نفسه بأن معلمه كان متشدداً في ما يخص العبادات، ومتحرراً تماماً في ما يخص “العادات”, حتى أن ابن حنبل تغاضى عن التوسل بالأولياء وزيارة القبور, وإن لم تكن الفرق الصوفية قد تشكّلت بعد في عصره.

انطلق ابن عبد الوهاب في صياغته من اعتبار عقائدي, وهو أن التوحيد أساس الإسلام, وهو يعني إفراد الله بالعبادة دون سواه. فالمجتمع يجب أن يكون حقلاً تطبيقياً لهذا التوحيد الإلهي، ويعبَّر عن ذلك من خلال التمييز والتكامل المعرفي الذي يقيمه بين فكرتي توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. فعلى توحيد الربوبية يترتَّب توحيد الألوهية, وبالتالي فإن القبول بتعدُّد الآلهة هو إدخال الشرك في الحياة الدينية. وبالعكس لا يمكن التسليم بتوحيد الربوبية، وفي الوقت نفسه الإيمان والولاء لغير الله, ما يعني أن توجيه جزء من العقيدة التي يدان بها لله نحو نبي أو وليّ أو حاكم سياسي … الخ هو بمنزلة وقوع بغير وعي في الشرك والكفر. ولا يمكن تحقيق المبدأين: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، و تجسيد الإيمان الحقيقي بالله إلا من خلال ما يسمُّونه عقيدة  الولاء والبراء، وهما شرطان من شروط الإيمان،.ومعنى الولاء هو حب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحِّدين ونصرتهم, والبراء هو بغض من خالفهم من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفسّاق, ومعاداتهم وجهادهم بالقلب واللسان. الولاء والبراء إذن من أعمال القلوب، لكن يجب أن تظهر مقتضياتهما على اللسان والجوارح , استناداً إلى الآية القرآنية: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولّهم منكم فانه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) – المائدة : 51

في الخلاصة نشهد في هذا المجال تدرّجاً في الحدة بين الحلقات الثلاث التي تبلورت خلالها العقيدة السلفية، فهي حلقات انتقلت من التساهل النسبي مع ابن حنبل إلى الانتقاد النظري الجذري من جانب ابن تيمية, وصولاً إلى استخدام العنف وهدم الأضرحة ومكافحة التصوّف والتوسل, ومنع كل الممارسات التي تسيء إلى صفاء العقيدة مع الوهابيين، بحيث لم يتبقَّ في المملكة العربية السعودية، التي تبنَّت تحت قيادة عبد العزيز بن سعود (1902 – 1953) العقيدة السلفية الوهابية, أيّ قبر من قبور الصحابة والأولياء باستثناء قبر النبي.

في الممارسة

يفتح مفهوم التوحيد، كما تقدِّمه الوهابية، الباب واسعاً أمام ضوابط شديدة الصرامة. فعندما تقوم العقيدة على مفهوم التوحيد بشقَّيه، كما سبق وأشرنا، فإن السلوك والممارسة ينبغي ان يتطابقا مع هذا المفهوم بشكل لا يكون فيه أي مجال أو شبهة إشراك وكفر بأي طريقة, سواء أكانت عبادة أو تقرباً أو دعاءً أو سلوكاً اجتماعياً, وهذا ما حوّل الدعوة الوهابية من خطاب ديني لاهوتي إلى أيديولوجيا تنقض الواقع وتتتبع مصادر الشبهات الشركية والكفرية فيه, وتقدم البدائل عنها.

وبحكم تركيزها على الجانب المعتقدي التوحيدي، فإن العالم ينقسم وفق هذه المنظومة بشكل ثنائي استقطابي متضاد: عالم كافر مشرك، وعالم مسلم صحيح الإيمان يمثله أهل التوحيد. وقد قادت هذه الرؤية إلى توسيع دائرة ما يعرف بمفهوم “الولاء والبراء”، وبالتالي التوسع بتكفير الآخر على ضوء ما عرف في أدبيات الوهابيين بنواقض الإسلام أو قواعد التكفير العشر الآتية:

  1. الشِّرك في عبادة الله ومن ذلك دعاء الأموات والاستغاثة بهم والذبح لهم.
  2. من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة ويتوكل عليهم فقد كفر إجماعاً.
  3. من لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحَّح مذهبهم.
  4. من اعتقد أن هدى غير النبي (ص) أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.
  5. من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول (ص).
  6. من استهزأ بشيء من دين الرسول.
  7. السحر، ومنه الصرف والعطف، من فعله ومن قبله ورضي به.
  8. مظاهرة المشركين أو مناصرتهم ومعاونتهم على المسلمين.
  9. من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج على شريعة محمد (ص).
  10. الإعراض عن دين الله لا يتعلَّمه ولا يعمل به(2).

وفق هذا الفهم لا يمكن اعتبار كل الحركات الإسلامية سلفية, فالمعايير التي تضعها السلفية الوهابية شديدة الصرامة، ومثال على ذلك أن حسن البنّا في تعريفه للإخوان المسلمين يقول إنها “طريقة سلفية وطريقة صوفية ودعوى إصلاحية”، ويجمع بين متناقضات حسب القراءة السلفية المتشددة, فاعتباره الاستشفاع بالأولياء ليس من المسائل الاعتقادية بل من المسائل الفرعية, أمر يتناقض كلياً مع ما يتشدَّد السلفيون الوهابيون في مكافحته باعتباره كفراً، وهم يصفون أهل الصوفية وأتباعهم بالقبوريين.

السلفي والأصولي

لا يميِّز البعض بين السلفية والأصولية، وهذا خطأ معرفي ومنهجي، فالسلفية في دعوتها الأصلية، كما سبقت الإشارة، قامت على تطهير المجتمع من البدع والعادات والتقاليد المخالفة للشريعة، كزيارة المقابر والإيمان بالأولياء والسحر والتنجيم والتعاويذ والتصوُّف الشعبي وتقديس الموتى … وبهذا المعنى لا تبدو السلفية مذهباً شبيهاً بالمذاهب الإسلامية القديمة، بقدر ما تبدو كفرقة حنبلية جديدة، على الرغم من أنها تدعو إلى تجاوز كل المذاهب الإسلامية التي سبقتها والعودة إلى الاجتهاد اعتماداً على الكتاب والسنّة فحسب.

في المقابل نشأت الأصولية في بيئة مختلفة، فهي ظهرت في مجتمعات مدنية متقدِّمة (مصر وبلاد المشرق العربي), وفي ظل ظروف وتحديات بالغة التعقيد (سقوط الخلافة ونكبة فلسطين والاستعمار الأجنبي). ورداً على هذا الخطر دعوا إلى مقاومة التحديث وتقويض الدولة الوطنية, مؤسسين لخطاب يتحدث عن الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية(3).

الأصولية بهذا المعنى خطاب إسلامي مؤدلج يقدِّم منظومة أفكار تنطلق من الحاضر إلى المستقبل، وذلك على خلاف السلفية التي تنظر إلى الحاضر لتخليصه من شوائب الماضي وممارساته، متَّخذة من سيرة السلف الصالح ومعتقداته وممارساته عقيدة لتطهير الدين من جاهلية الماضي ووثنيته, في حين تعتبر الأصولية أن المجتمع الإسلامي القديم قد زال وحلّ محله التحديث والتخريب والكفر والطاغوت, وعلينا أن نتصدَّى لذلك كله لإقامة المجتمع الإسلامي الأصيل على أنقاض المجتمع القائم الملوّث.

ولادة السلفية الجهادية

لا شكَّ في أن البيئة الفقهية للسلفية المدرسية الوهابية التي تحوَّلت إلى سلطة في شبه الجزيرة العربية والتي فيها ولدت عقيدة الولاء والبراء، تختلف عن البيئة الفقهية الإسلامية الأزهرية في مصر التي ولدت فيها حركة الأخوان المسلمين، والتي منها نبتت وخرجت نظرية الحاكمية الإلهية. وكلاهما يختلفان عن البيئة الهندية حيث كان أبو الأعلى المودودي يرى أن التحديات التي تواجه المسلمين هناك تتمثل في قهر الأغلبية الهندوسية، وحملات التغريب وتذويب الهوية والشخصية الإسلامية، والاستعمار الإنكليزي، إنه مناخ الحصار الذي يعيش فيه “الفقيه المسلم” بين مطرقة الاضطهاد الاستعماري وسندان الأغلبية الهندوسية الرافعة لشعار السيادة للأمة والدولة الديمقراطية. وهذه الشعارات إذا ما طبِّقت كان يرى أنها ستحوّل المسلمين الهنود إلى أقليات وجاليات مقهورة ومغلوبة.

في ظل هذا المناخ أنتج المودودي مفهوم الجاهلية الجديدة و”الحاكمية الإلهية”(4)، وعلى وقع الصدام مع ثورة 23 تموز/يوليو وجمال عبد الناصر، وداخل السجون المصرية انقسم الإخوان المسلمون بين وسطية حسن الهضيبي التي عبّر عنها في كتابه “دعاة لا قضاة”، وبين جذرية سيِّد قطب التي عبّر عنها في كتابه الذي أصبح أكثر الكتب شهرة بين الأصوليين “معالم في الطريق”, والذي وظّف فيه مفاهيم المودودي كسلاح معرفي وعقائدي لإسقاط ثورة 23 تموز/يوليو، والانقلاب على حكم جمال عبد الناصر. وعلى أرض الجزيرة العربية التي شهدت عصر النبوّة قامت الوهابية والسلفية المدرسية لتقاوم أشكال الوثنية والانحراف التي بدأت فعلاً في التسرّب إلى عقيدة التوحيد وقواعد التعبّد.

والحقيقة أن مختلف التيارات والحركات الإسلامية التي بدأت بالظهور منذ السبعينيات من القرن الماضي والتي تبنّت العنف المسلح (من “الجهاد” إلى “الجماعة الإسلامية” إلى “التكفير والهجرة” وغيرها …..) بقيت تتجنَّب الدخول في المسائل الاعتقادية والفقهية والخلافية التي أثارتها السلفية الوهابية, إلا مسالة واحدة ناقشت فيها بعمق وهي قضية تكفير الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله، وهي فكرة للسلفية المدرسية فيها قراءة تتعلق بمفهوم طاعة أولي الأمر، حيث تضع شروطاً قاسية للخروج على الحاكم ومنها إعلانه الصريح برفض الشريعة والحكم بما أنزل الله، فضلاً عن نقاط خلافية فقهية تتعلَّق بمصطلحات الجاهلية الجديدة وحاكمية الله وبعض القضايا الفقهية الفرعية التي يشدِّد عليها الوهابيون في الممارسة والسلوك. والواقع أن السلفية المصرية, القطبية الجذور, والتي تبنَّت العنف، كانت أكثر تسيّساً وأقل تفقهاً, في حين كانت السلفية المدرسية الوهابية على العكس من ذلك أقل تسيّساً وأكثر تركيزاً على المسائل الفقهية والعقائدية.

لكن التطوُّر الذي ساهم في بروز السلفية الجهادية كتيار جديد، نتج عن امتزاج عناصر أساسية من المنظومة الوهابية السلفية بعناصر أساسية من المنظومة الأصولية القطبية الأكثر تسيّساً. حدث هذا الأمر على عدة مراحل، أولاها كان عندما استقبلت السعودية الآلاف من كوادر الإخوان المسلمين المصريين والسوريين وغيرهم من الهاربين من أنظمتهم ووفَّرت لهم الملاذ الآمن، حيث نجح هؤلاء في تبوؤ مراكز مهمة في المنظومة التعليمية والتربوية السعودية. وفي عملية التواصل هذه بين ضفتي البحر الأحمر التي بلغت أوجها في العهد الناصري ثم الساداتي، الذي فتح أبواباً واسعة لهؤلاء بهدف ضرب الاتجاهات الناصرية واليسارية، وذهب هو ضحية لهم في النهاية. في عملية التواصل هذه حدث نوع من التوافق والتكيُّف بين المدرستين، ونتج عنها بداية ما يعرف بـ “الاتجاه السلفي السروري” نسبة إلى محمد سرور بن نايف زين العابدين الذي مزج السلفية الوهابية بالقطبية الأصولية.

كان الرجل قريباً من عصام العطَّار، الإخواني الدمشقي المعروف، ثم تحوَّل عنه إلى مروان حديد قائد “كتائب محمد”، والإخواني السوري (الذي واجه النظام السوري بشدة). كان محمد سرور يرى أن ما ينقص السلفية هو أن تكون مسيّسة وثورية، ووجد أن فكر سيِّد قطب يتكفَّل بهذه المهمة. وقد تأثر بآرائه جهيمان العتيبي، القائد العسكري للمجموعة التي احتلَّت الحرم المكّي العام 1979، والذي كان يعتبر حكم آل سعود وإمامتهم باطلة.

إرتكزت عملية التوفيق والتكيُّف بين طرفي المعادلة الجديدة (الوهابي-القطبي) على ترسيخ عقيدة “الولاء والبراء” وتشريعها بعد إعادة إنتاجها وتشكيلها، فحلَّت محل فكرة الحاكمية التي اتكأ عليها طويلاً التيار القطبي الأصولي.

وحيث أن فكرة الحاكمية ملوَّثة بشبهة الخوارج التي رفعوها شعاراً لهم في أثناء “الفتنة الكبرى” في وجه الإمام علي، وحيث أن المنظومة الفكرية التي طرحها سيد قطب، منظّر الحاكمية، تحتوي على قابلية كبيرة لتقبل عقيدة “الولاء والبراء”، خصوصاً لجهة تفسيراته وتأويلاته للعلاقة مع الآخر غير المسلم. وأخيراً حيث أن السعودية تطبِّق الشريعة وتتبنَّى الإسلام منهجاً للحياة ونظاماً للحكم، ولا مجال للمزايدة في هذا المجال، لذلك كله وجد الطرفان، ولأسباب عقائدية وعملانية، ضرورة استبدال فكرة الحاكمية,التي بقيت كمضمون, بعقيدة “الولاء والبراء”، التي تؤدي إلى المفاصلة مع مجتمع الجاهلية: فالولاء كل الولاء للإسلام، والبراءة من المشركين وغير المسلمين. ولا يكتمل إسلام المرء عندهم إلا باعتناق هذه العقيدة التي نجحوا في إدخالها في صميم المناهج الدراسية، بل أصبحت عماد هذه المناهج، وتمَّ زرعها وترسيخها في عقول الناشئة بعمومياتها وتفصيلاتها.

أدَّت عملية المزاوجة بين مفهوم الحاكمية وعقيدة “الولاء والبراء”, بين المنظومة الفكرية القطبية والمنظومة الفقهية الوهابية، إلى ديناميكية حركية وفكرية تمثلت في شحن الموقف من “الآخر” مسلماً أو غير مسلم، بمضامين عقيدية، فضلاً عن المحتوى السياسي، والموقف من الحاكم المسلم الذي لا يقيم حكم الله ولا يطبق شريعته. وقد نشأ عن هذه المزاوجة تيار فكري جديد وتيار حركي جديد، الأول عبَّرت عنه كما سبق وقدَّمنا, مجموعة من المفكِّرين من دعاة السلفية الجهادية النظرية، ومنها مجموعة من الكتّاب والدعاة حازوا شهرة واسعة، وبنتيجة هذا المزج أو المثاقفة خرج ما يعرف بتيار الصحوة في السعودية الذي استقطب مجموعة واسعة من الشباب المتديِّن أمثال الدكتور عوض القرني وسلمان العودة وسفر الحوالي وناصر العمر ومحسن العواجي وسعد الفقيه ومحمد المسعري وناصر الفهد وعلي الخضير.

أما التيَّار الحركي الجديد فقد اتجه نحو المزيد من التبلور، بتأثير العشرات من الدعاة الجدد، لهذا التيار الجديد في مصر والسودان والكويت والأردن وسوريا وغيرها. وقد نتج عن عملية المزج هذه المزيد من “تحنبل” الإخوان – نسبة إلى ابن حنبل –  “وتوهّب” القطبيين – نسبة إلى سيِّد قطب – , و”قطبنة” تيار الصحوة الوهابي وتسيّسه, وسار بعض أوجه هذا التيار باتجاه “الطلبنة” – نسبة إلى حركة طالبان الأفغانية – حتى قبل ظهور هذه الحركة في أفغانستان وتسلّمها زمام الحكم.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد