ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 31 ديسمبر 2018 زيارة: 116

السنة والبدعة في الإسلام

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الميزان العادل لتمييز الحق من الباطل (ص47-52)
تأليف: عبد القادر عيسى دياب

لننتقل إلى الكلام عن السنة والبدعة طالما أكثر صاحب الكتيب من ذكرهما وطالما اتخذهما الوهابيون أو السلفيون سلاحين يطلقونه متى شاؤوا، فأي فعل أو قول جاؤوا به اطلقوا عليه اسم السنة وأي فعل أو قول أنكروه على غيرهم، قالوا: بدعة وكل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار. لذا كان من الواجب بيان السنة وأنواعها فنقول وعلى الله التوكل: السنة في اللغة هي: الطريقة، وفي الاصطلاح الشرعي لها عدة إطلاقات فعند علماء الأصول تطلق على ما صدر عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الأدلة الشرعية مما ليس بمتلو ولا هو معجز من قول أو فعل أو تقرير. راجع الأحكام للأمدي ج1 ص87[1]

ويطلق أيضا لفظ السنة على ما عمل عليه الصحابة وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد راجع الموافقات للشاطبي ج4 ص4؛ وفي ذلك يقول عمر بن عبد العزيز كما أخرجه البيهقي عن مالك عنه: سن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكثار لطاعة الله وقوة على الدين من اهتدى بها فهو مهتد من استنصر بها فهو منصور ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، والله تعالى يقول: نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا. أهـ

والأصل في هذا الإطلاق قوله (صلى الله عليه وسلم): “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي..” قال الشيخ عبد الله دراز في حاشيته على الموافقات للشاطبي وضيحا للحديث هذا فقد أضاف النبي (صلى الله عليه وسلم) السنة إليهم كما أضافها إلى نفسه فسنتهم هي ما عملوه استنادا لسنته (صلى الله عليه وسلم). وإن لم نطلع عليها منقولة عنه وكذا ما استنبطوه بما اقتضاه نظرهم في المصلحة (راجع الموافقات وحاشيتها ج4 ص6 ص79) ويطلق لفظة السنة أيضا على فعل الخير أو الشر وتميز بالوصف وفي هذا يقول (صلى الله عليه وسلم): “من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها” وبذلك ترى أن للسنة إطلاقات عديدة. ولكنها عند العموم هي ما ورد عنه (صلى الله عليه وسلم) وعن أصحابه (رضي الله عنهم أجمعين).

وأما البدعة فهي في اللغة من بدع وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: (بديع السموات والأرض) وفي الاصطلاح لها عدة إطلاقات. قال الشاطبي: البدعة: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية. ونقل ابن القيم في إعلام الموقعين عن الشافعي ورواه أيضا عنه الربيع: أن الشافعي جعل البدعة هي ما خالف الكتاب أو السنة أو أثرا عن بعض الصحابة. حاشية الموافقات للشاطبي ج4 ص 78.

وذكر البهيقي في مناقب الشافعي عنه قوله: المحدثات من الأمور ضربان:

أحدهما: مما يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا فهذه البدعة الضالة.

والثاني: ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذه الكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع) وهذه محدثة غير مذمومة وقد قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في قيام رمضان نعمت البدعة هذه يعني أنها لم تكن وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى. الحاوي للسيوطي ج1، ص192-193.

وقال ابن الأثير: البدعة من الابتداع وهو: إذا كان من الله وحده فهو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود وهو تكوين الأشياء بعد أن لم تكن وليس ذلك إلا لله تعالى. وأما الابتداع من المخلوقين فإن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم والإنكار وإن كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه أو رسوله فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودا كنوع من المجد والسخاء وفعل المعروف فهذا فعل من الأعمال المحمودة لم يكن الفاعل قد سبق إليه ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد جعل له في ذلك ثوابا فقال: “من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها” وقال في ضده: “من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها” وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ويقصد ذلك قول عمر بن الخطاب (صلى الله عليه وسلم) في صلاة التراویح: نعمت البدعة هذه. لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح (سماها بدعة ومدحها وهي وإن كان النبي (صلى الله عليه وسلم) قد صلاها) إلا أنه تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس عليها فمحافظة عمر عليها وجمعه الناس لها وندبهم إليها بدعة محمودة ممدوحة. جامع الأصول ج1 ص280-281.

ونقل السيوطي في كتابه الحاوي عن النووي قوله في كتابه تهذيب الأسماء واللغات ما يلي: البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن في عهده (صلى الله عليه وسلم) وهي مقسمة إلى حسنة وقبيحة. ونقل عن العز بن عبد السلام قوله في القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. ثم قال: والطريق في ذلك أن نعرض البدعة على قواعد الشريعة فإذا دخلت في قواعد الايجاب فهي واجبة أو في قواعد التحريم فهي محرمة أو الندب فهي مندوبة أو المكروه فهي مكروهة أو المباح فهي مباحة. ثم ذكر لكل قسم من هذه الأقسام الخمسة أمثلة. الحاوي للسيوطي ج1 ص192-193.

ونقل الشوكاني عن ابن حجر قوله: قال في الفتح: البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع على مخالفة السنة فتكون مذمومة. والتحقيق أنها إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة أي كما ذكرها العز بن عبد السلام. نیل الأوطار ج3 ص60.

وبعد هذا الاستعراض لتعريف البدعة وإطلاقها عند العلماء يمكن أن أعرف البدعة في الشرع بما يلي: هي كل قول أو فعل لم يصدر عنه (صلى الله عليه وسلم) ولا عن أصحابه ولا يندرج تحت مضمون الكليات أو القواعد الاسلامية المتضمنة للوجوب أو الندب أو الإباحة. وعلى ذلك يحمل عموم قوله (صلى الله عليه وسلم): ” وكل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار” وقوله (صلى الله عليه وسلم): “كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد” أو قوله (صلى الله عليه وسلم): “من أحدث في أمرنا هذا ما لیس منه فهو رد”. لأن هذا المدلول هو الذي فهمه الصحابة (رضوان الله عليهم) ولذلك فقد صح عنهم أنهم فعلوا أشياء لم يفعلها الرسول (صلى الله عليه وسلم) كجمع عمر بن الخطاب الناس في صلاة التراويح على أبي بن كعب وكزيادة ابنه عبد الله على تلبية الرسول (صلى الله عليه وسلم) وغيره من الصحابة وكأخذ عمر وعثمان وزيد بن ثابت زكاة الخيل وغير ذلك كثير .

إذ لو كان فعلهم هذا بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار لكان يخالف فهم الصحابة وعملهم ويتعارض مع أخباره (صلى الله عليه وسلم) أنهم من أهل الجنة فقد وردت أحاديث صحيحة عديدة تبشر هؤلاء وأمثالهم بأنهم من أهل الجنة.

وقد عرف وتواتر بين الصحابة والمسلمين من هم العشرة المبشرون بالجنة. كما تواتر تبشير غير العشرة بالجنة. فكيف يكون فعلهم بدعة والبدعة ضلالة ثم يكونون من أهل الجنة كما أخبر الصادق الأمين (صلى الله عليه وسلم) ؟ فإما أن إطلاق الوهابيين اسم البدعة خاطئ (وهو الحق) وإما إخبار الرسول (صلى الله عليه وسلم) خاطئ (و حاشاه) وذلك لا يجوز ولا يقوله عاقل فضلا عن عالم. وفي ذلك يقول المناوي في فيض القدير : فكل بدعة وكل محدث الذي هو بدعة وضلالة ما لا أصل له في الشرع والحامل عليه مجرد شهوة أو إرادة بخلاف محدث له أصل في الشرع إما بحمل النظير على نظيره أو لغير ذلك وقوله وكل (الواردة في حديث كل بدعة ضلالة) إلى آخره في الحديث عام مخصوص. فيض القدير ج2 ص172 وبناء على ذلك لا يصح استدلال صاحب الكتيب بظاهر الحديثين كل بدعة ضلالة.. ومن أحدث في أمرنا هذا… الحديثين. لأنهما عامان خصصهما ماصدر عنه (صلى الله عليه وسلم) وعن أصحابه وكذلك لا يصح قوله و قول أمثاله:

السنة نوعان: سنة فعلية وسنة تركية ومخالفة السنة الفعلية بالترك كما أن مخالفة السنة التركية بالفعل والبدعة هي مخالفة السنة الفعلية أو التركية حيث جعلوا البدعة هي فعل ما ترکه.

أقول: لايصح قوله هذا المؤدي إلى إدخال كثير من الصحابة تحت اسم مبتدع وعلى رأسهم عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). وكذلك يؤدي إلى إدخال كثير من أعمالهم تحت اسم البدعة وكل بدعة ضلالة على زعمهم وكل ضلالة في النار والنتيجة إدخال عمر ومن تبعه من فعل شيئا لم يفعله (صلى الله عليه وسلم) أو ترك فعله (صلى الله عليه وسلم) في النار في حين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصادق الأمين المعصوم يقول عنهم: إنهم في الجنة ويقول لنا عنهم علیکم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين[2]… فلا يصح قولهم هذا معنى ولا استدلالا. أما معنى لأنه يعارض ما صح عنه (صلى الله عليه وسلم) وأما استدلالا فلأنه يخالف ما يقوله علماء الأصول. وإليك ما يقوله الشاطبي حول السنة التركية في ميدان علم الأصول: السنة ثلاثة أنواع: قول وفعل وإقرار بعد العلم والقدرة على الإنكار لو كان منکرا. وأما الفعل فيدخل تحت الكف عن الفعل لأنه فعل عند جماعة وعند كثير من الأصوليين أن الكف غير فعل ومع ذلك قد يقع الترك لوجوه:

1- منها ترکه (صلى الله عليه وسلم) للمباح بحكم الجبلة كتركه أكل الضب.

2- ترك المباح خوف الافتراض كما ترك القيام في المسجد في رمضان.

3- ترك المباح الصرف إلى ما هو أفضل: مثل ترکه (صلى الله عليه وسلم) الانتصار من ذي الخويصرة عندما قال له: اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله حيث ترك الانتصار وهو مباح وعمل ما هو أفضل منه وهو العفو.

4- ترك المطلوب خوفا من حدوث مفسدة أعظم کترکه (صلى الله عليه وسلم) هدم الكعبة وإعادتها على قواعد ابراهيم (عليه السلام).

5- ترکه (صلى الله عليه وسلم) قتل أهل النفاق لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.

الموافقات للشاطبي ج4 ص59-60-61 فأنت ترى في كلام الشاطبي الأصولي والمعبر عن رأي علماء الأصول ناحيتين هما:

1- إن الكف غير فعل عند جمهور الأصوليين.

2- أنه (صلى الله عليه وسلم) ترك أمورا وهي مباحة وقد يترك الفضيل إلى ما هو أفضل.

وبناء على هاتين الناحيتين تتضح صحة القول: أنه يجوز فعل أمور تركها (صلى الله عليه وسلم) أو لم تكن في عهده ما دامت هذه الأمور مباحة أو مطلوبة من قبل المفاهيم الإسلامية العامة. كما تتضح صحة تقسيم البدعة إلى خمسة أقسام، وتجدر الإشارة هنا إلى أن فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليس على الإطلاق سنة يطلب فعلها عند جمهور الأصوليين بل منها المباح وهو ما يستوي فعله وترکه و منها المحرم الواجب ترکه كخصوصیاته (صلى الله عليه وسلم) ومنها ما یندب فعله والقرائن تظهر كلا منها وإليك ما حققه الآمدي في ذلك: ما كان من الأفعال الجبلية كالقيام والقعود والأكل والشرب ونحوه فلا نزاع في كونه على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته وأما ما سوى ذلك مما ثبت كونه من خواصه التي لا يشاركه فيها أحد فلا يدل بذلك على التشريك بيننا وبينه فيه إجماعا. وأما ما عرف كون فعله بيانا لنا فهو دلیل من غير خلاف وذلك بصريح مقاله أو بقرائن الأحوال وما لم يقترن به ما یدل على أنه للبيان لا نفيا ولا إثباتا فإنه إن يظهر فيه قصد القربة أو لم يظهر فإن ظهر فيه قصد القربة فقد اختلفوا فيه فمنهم من قال أن فعله (صلى الله عليه وسلم) محمول على الوجوب في حقه وفي حقنا ومنهم من قال أنه للإباحة ومنهم من قال بالوقف وهو ألا نحكم بإيجاب ولا ندب إلى أن يقوم الدليل على ذلك وهو المختار. الأحكام للآمدي ج1 ص89-92 ملخصا.

وبذلك يتضح لنا أن فعل الرسول (صلى الله عليه وسلم) ليس دائما سنة يقتدى بها وتستدعي الفعل كما أن ترکه (صلى الله عليه وسلم) لا يستدعي دائما الترك. وبذلك يبطل إطلاق صاحب الكتيب وأمثاله اسم السنة على فعل كل ما فعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) وترك ما تركه. وإنما الحق أن من أفعاله ما يجوز وأحيانا يجب ترکه مثل خصوصیاته (صلى الله عليه وسلم) كما أن ترکه ما يجوز فعله، کتركه أكل الضب فيجوز أكله وترکه الانتصار من ذي الخويصرة فيجوز لغيره الانتصار لنفسه إن اعتدي عليه والله أعلم.

___________________________

[1]. راجع جامع الأصول لابن الأثير ج1 ص 280-281.

[2] . الترغيب والترهيب للمنذري ج1 ص78-79.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد