ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 10 يناير 2019 زيارة: 80

الصراع على الخلافة الإسلامية

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: السعودية والإخوان المسلمون (ص45-53)
تأليف: الدكتور محمد أبو الإسعاد

في 3 مارس 1924 أعلن مصطفى كمال أتاتورك إلغاء الخلافة العثمانية فكان لهذا الحدث التاريخي أصداء واسعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي فقد كان المستقر لدى المسلمين حتى ذلك الحين أن الخلافة الإسلامية ضرورة دينية وركن من أركان الإسلام حتى اعتقد البعض بأن من مات بغير خليفة أو إمام فقد مات ميتة جاهلية.

وقد وجدها حكام البلدان الإسلامية فرصة لتحقيق طموحاتهم السياسية العبيطة فمن أغاخان في الهند حتى ملك المغرب مرورا بملك الأفغان وشريف مكة وسلطان نجد وملك مصر تطلعوا جميعا إلى عرش الخلافة.

وكان أبرز المتطلعون إلى الخلافة الإسلامية الشريف حسين بن على ملك الحجاز الذي تصور أن سيطرته على الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة ونسبه الشريف الذي يمتد إلى بني هاشم وتزعمه الثورة العربية ضد العثمانيين منذ عام 1916 وعلاقته بالإنجليز تؤهله لتولي منصب الخلافة ولذلك بادر الملك حسين بن على في 12 مارس 1924 بإعلان نفسه خليفة للمسلمين بدعوى عدم جواز بقاء المسلمين أكثر من ثلاثة أيام بلا إمام أو خليفة لكن هذا الانقضاض الهاشمي على عرش الخلافة ووجه بمعارضة شديدة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي الذي كان قد انصرف آنذاك عن الشريف حسين بعد أن أسفرت سياساته منذ عام 1916 عن فشل ذريع بعد أن تخلي الإنجليز عنه وغدروا به.

وأتاح ذلك للملك فؤاد في مصر أن يتطلع إلى عرش الخلافة اعتمادا على مركز مصر الحضاري في العالم الإسلامي وعلى القيمة الدينية التي يمثلها الجامع الأزهر، وبدأ الملك فؤاد يمهد لذلك بالاتصال بالإنجليز لكسب تأييدهم كما استخدم الأزهر ورجال الدين في هذه اللعبة السياسية لتهيئة الرأي العام الإسلامي لتقبله كخليفة للمسلمين في الوقت الذي استمرت اتصالاته السياسية مع القوى المحلية والإسلامية والدولية وصولا إلى هذه الغاية وبدأت أجهزته تعد لعقد مؤتمر إسلامي يعقد في القاهرة يحضره ممثلون عن مختلف البلاد والشعوب الإسلامية ليفصل في مستقبل الخلافة الإسلامية.

ووفقا لذلك المخطط وجه شيخ الأزهر في 25 مارس 1924 بيانا إلى العالم الإسلامي ضمنه دعوة رسمية لمؤتمر في القاهرة ثم عقده بعد عام – أى في مارس 1925 – لبحث مستقبل الخلافة الإسلامية واختيار خليفة للمسلمين.

بيد أن هذه الخطة ووجهت بمقاومة من جانب العلمانيين المصريين دعاة الدولة المدنية الرافضين لفكرة الخلافة والدولة الدينية وقد وصلت هذه المواجهة ذروتها بصدور كتاب الشيخ على عبد الرازق في أبريل 1925 عن الإسلام وأصول الحكم الذي انتهي فيه إلى أن الخلافة ليست أصلا من أصول الحكم في الإسلام وأن الإسلام لم يقرر نظاما بعينه الحكم بل ترك المسلمين مطلق الحرية في تنظيم الدولة وفقا للأحوال الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي يكونون عليها مع مراعاة التطور الاجتماعي ومقتضيات الزمن.

وكان هذا الهجوم على الخلافة الإسلامية في ظل هذه الظروف وما أدي إليه هذا الهجوم من تداعيات محاكمة الشيخ على عبد الرازق وفصله من زمرة رجال الأزهر ومن وظيفته كقاضي شرعي وما ترتب على ذلك من مؤثرات على الرأي العام الذي فقد حماسه للخلافة ومن ثم لم يعد وصول الملك فؤاد إلى عرش الخلافة الإسلامية بالأمر الهين خاصة مع ظهور منافسه شديدة على عرش الخلافة من جانب عبد العزيز آل سعود سلطان نجد.

فقد كان عبد العزيز آل سعود يتطلع منذ وقت مبكر إلى عرش الخلافة الإسلامية يساعده على ذلك طبيعة الدولة التي أقامها على أساس ديني وميليشياته العسكرية التي أعدها بشكل ديني عقائدي لتحقيق هذه الغاية.

لكن مركز عبد العزيز آل سعود كسلطان لنجد لم يكن يؤهله لبلوغ هذه الغاية ومن ثم قرر أن أول خطوة للوصول إلى عرش الخلافة الإسلامية هي الاستيلاء على الحجاز ووضع الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة تحت قبضته وعندئذ يمكن له أن يتطلع إلى عرش الخلافة وينافس عليه ويفوز به.

الغزو السعودي للحجاز (1924/ 1925)

وفي إطار ذلك الهدف بادر السلطان عبد العزيز آل سعود إلى عقد مؤتمر في الرياض في يوليو 1934 حضره شيوخ القبائل وفقهاء المذهب الوهابي وزعماء جماعة الإخوان الوهابية وأعلن في هذا المؤتمر ضرورة غزو الحجاز لتخليص بيت الله الحرام من أيدي الهاشمين الذين اتهمهم بأنهم يحولون بين مسلمي نجد وبين أداء فريضة الحج.

وقبل أن يوجه عبد العزيز آل سعود قواته لغزو الحجاز أعلن أنه لا يريد فتح الحجاز لكي يحكمه وإنما ليتنزعه من أيدي الهاشميين ويسلمه إلى المسلمين جميعا ليقرروا مستقبل الأراضي المقدسة ومصير الحجاز.

وبذلك أخفي عبد العزيز أغراضه الحقيقية ثم وجه قواته من جماعة الإخوان الوهابية برئاسة سلطان بن بجاد وخالد بن لؤي نحو الحجاز واندفعت هذه القوات في سبتمبر 1924 حيث تم احتلال الطايف بعد معركة دموية أعقبها استحلال المدينة بذبح رجالها وسبي نسائها وتهب أموالها.

وأصبح الموقف في الحجاز ينذر بخطر جسيم يهدد استقرار الأوضاع في الحجاز وسلامة الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة ما يرتبط بذلك من أداء الشعائر الدينية وبذلك أصبح الموقف في الحجاز محل اهتمام المسلمين في كل أنحاء العالم .. وكان لابد من البحث عن مخرج.

وتصور أهالي الحجاز أن المخرج هو في تنازل الشريف حسين عن حكم الحجاز إلى ولده على وتصوروا أن ذلك يمكن أن يرضي الهاشميين والسعوديين معا وينقذ بلادهم من الدمار والخراب ويحافظ على الأماكن المقدسة ويسمح بأداء شعائر الحج ومن ثم أجبروا الملك حسين في 3 أكتوبر 1924 على التنازل عن عرش الحجاز لولده علي.

بيد أن شيئا من ذلك لم يتحقق فقد كان السلطان عبد العزيز آل سعود متمسكا بتحقيق أهدافه في التخلص من الهاشميين نهائيا والاستيلاء على الحجاز كخطوة أولي نحو عرش الخلافة الإسلامية ومن ثم عاش العالم الإسلامي لأربعة عشر شهرا فيما بين (أكتوبر 1924 ديسمبر 1925) في حالة من القلق الشديد حول مستقبل الأماكن المقدسة في مكة والمدينة.

وأدرك عبد العزيز أن هذا القلق الذي يعم العالم الإسلامي يمكن أن يؤدي إلى تدخلات إسلامية ودولية تحول بينه وبين تحقيق أهدافه في الاستيلاء على الحجاز ولذلك بادر إلى الخداع وأعلن أن مكة للمسلمين كافة ويجب أن يكون أمر إدارتها وتنظيمها وفق رغبة العالم الإسلامي بحيث يظل بيت الله الحرام بعيدا عن الشهوات السياسية وأكد أنه لا يطمع في امتلاك الحجاز وأنه سيترك للعالم الإسلامي أمر تقرير مستقبل الأراضي المقدسة وتعهد في منشور أصدره في سبتمبر 1924 أن أمر الحرمين الشريفين سيكون شورى بين المسلمين لكل شعب من الشعوب الإسلامية ولكل فرد من أفراد العالم الإسلامي حق فيه.

وقد أدت هذه التأكيدات بتدويل الأراضي المقدسة إسلاميا وإعلان عبد العزيز التزامه بعقد مؤتمر يمثل فيه جميع الشعوب والدول الإسلامية يكون له وحده حق تقرير مستقبل الأراضي المقدسة في الحجاز إلى تخفيف حدة المعارضة والتخوفات الإسلامية من استيلاء الوهابيين المتعصبين على الحجاز ومن ثم وجد الهاشميين أنفسهم بمعزل أمام القوة السعودية التي استطاعت فتح مكة في ديسمبر 1924 ثم المدينة وجده ديسمبر 1925 وسقط الحكم الهاشمي في الحجاز التي أصبحت في قبضة القوات السعودية.

وكان الملك عبد العزيز في هذه الأثناء قد أرسل مستشاره حافظ وهبه إلى مصر في ديسمبر 1925 حيث التقي بالملك فؤاد وأبلغه أن عبد العزيز آل سعود يأمل في تأييد الملك فؤاد له في صراعه مع الهاشميين وأنه في المقابل يؤيد دعوة الملك فؤاد إلى مؤتمر الخلافة في القاهرة ويري أن الملك فؤاد أحق بهذا المنصب عن غيره من حكام المسلمين.

بيد أنه ما أن استتب الأمر لأبن سعود في الحجاز في مطلع عام 1926 حتى تراجع عن كل وعوده وأعلن ضم الحجاز إلى حكمه وتم تتويجه ملكا على الحجاز في 10 يناير 1926 الأمر الذي أثار سخط العالم الإسلامي وغضبته.

وفي مصر على وجه الخصوص أحس الملك فؤاد بأنه قد خدع من جانب الملك البدوي، ومن ثم اشتعل الصراع المصري السعودي منذ يناير 1926 واستمر لعشر سنوات قادمة حتى عام 1936.

مؤتمر الخلافة بالقاهرة (مايو 1926)

واضطر الملك فؤاد إزاء سيطرة السعوديين على الأراضي المقدسة في الحجاز إلى أن يسرع بعقد مؤتمر القاهرة للخلافة الإسلامية رغم أن الظروف لم تكن مواتية لذلك خاصة بعد أن تصدي العلمانيين في مصر لفكرة الخلافة وصدر كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ على عبد الرازق وما ترتب عليه من تداعيات أضعفت من فكرة الخلافة الإسلامية ومن أهمية الدولة الدينية.

ولذلك بادر شيخ الأزهر قبل مضي شهر واحد على تنصيب عبد العزيز آل سعود ملكا على الحجاز فأعلن في فبراير 1926 الدعوة لعقد مؤتمر الخلافة في القاهرة في 13 مايو 1926 حضره عدد من ممثلي البلدان الإسلامية.

إلا أن الملك السعودي قاطع المؤتمر تأكيدا على أنه لن يسمح للملك المصري بالحصول على منصب الخلافة، ودعي الملك السعودي إلى مؤتمر إسلامي آخر يعقد في مكة وساعد ذلك على تصاعد المعارضة داخل المؤتمر لتولي الملك فؤاد عرش الخلافة ومن ثم فشل مؤتمر القاهرة في تحقيق أهداف الملك فؤاد في الخلافة وانتهي المؤتمر إلى الدعوة إلى مؤتمر إسلامي أخر تمثل فيه الشعوب الإسلامية تمثيلا تاما حتى يتم اختيار خليفة للمسلمين.

المؤتمر الإسلامي في مكة (يونيه 1926)

وعلى صعيد آخر كان الملك السعودي قد اهتم بعد استيلائه على الحجاز وتعبئة ملكا عليه في يناير 1926 بالدعوة إلى مؤتمر للمسلمين يعقد في مكة بغرض إكسابه الشرعية في الحجاز وتحسين صورته في العالم الإسلامي وضمان الموارد الاقتصادية التي تأتي إلى الحجاز من العالم الإسلامي وأوقافه مع توفير ضمانات الحج.

ولذلك أرسل عبد العزيز آل سعود في مارس 1926 دعوة إلى الشعوب والحكومات الإسلامية للاشتراك في مؤتمر مكة لخدمة الحرمين الشريفين وتسهيل الحج وعقد المؤتمر في يونيه 1926 لكن عددا كبيرا من الدول الإسلامية قاطعت المؤتمر.

وكانت مصر قد رفضت بادئ الأمر المشاركة في المؤتمر ثم أرسلت بعد ذلك الشيخ الظواهري الذي مثلها في المؤتمر.

وقد نجح الشيخ الظواهري في إحداث انشقاق داخل المؤتمر عندما هاجم تعصب الوهابيين وتكفيرهم لكل من توسل بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام وندد بهدمهم للأضرحة والأماكن المقدسة الإسلامية وأثبت أن هذه الأعمال لا تمت إلى الدين ولكنها نبت التعصب الأعمى للوهابية ورتب على ذلك عدم صلاحية الوهابية للإشراف على الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة والمدينة بسبب تعصبهم الأعمى ضد غيرهم من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى.

ورفض بشدة أن يكون لابن سعود باعتباره حاكما للأماكن المقدسة الإسلامية في الحجاز أى سيادة نوعية على العالم الإسلامي كما رفض الاعتراف بحكم آل سعود للحجاز وتمكينه من الأوقاف الإسلامية الخاصة بالحرمين الشريفيين وآثار مخاوف المسلمين من تستر تعصب الوهابية السعودية تحت ستار تطبيق الشريعة الإسلامية لإرهاب الحجاج المسلمين من مختلف بقاع العالم الإسلامي وتعريضهم للقتل أو الضرب ونحوه من وجوه التعذيب الشرعي السعودي لمجرد شربهم للدخان أو توسلهم بالنبي الكريم ونحو ذلك مما لا يجيزه المذهب الوهابي ونعي على ابن سعود أن ارتباطاته بالإنجليز ومعاهداته معهم من شأنها أن تهدد الأماكن الإسلامية المقدسة بالتدخل الأجنبي الإنجليزي في شئون الحجاز.

وفشل ابن سعود في أن يحصل من المؤتمر الإسلامي في مكة عن اعتراف بشرعية حكمه للحجاز وأعلن المؤتمرون أنه لا ثقة لهم بحكم ابن سعود للأراضي المقدسة.

ومن ثم فإن ما توصل إليه هذا المؤتمر من مقررات انصبت على مسائل فرعية تتصل بتوطيد الأمن وتوفير وسائل الصحة والمواصلات ونحو ذلك من الأمور المتصلة بتسهيل الحج.

وهكذا فشل الجميع في الوصول إلى عرش الخلافة الإسلامية.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد