ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 7 أبريل 2019 زيارة: 174

العالم من منظار داعش

(غير مصنفة)
الكتاب: داعش إلى أين؟ جهاديو ما بعد القاعدة (ص35 – 43)
تأليف: الدكتور فواز جرجس

رغم أن الصعود الصارخ لـ “داعش” يجب أن يوضع في سياق ظروفه وشروطه الاجتماعية والمادية القائمة في العراق وسورية وغيرهما، فإن مواقفه المعلنة وأيديولوجيته يجب أن تؤخذ بجدية أيضا. فالأيديولوجيا هي المرهم اللاصق المثالي الذي يجمع مع الناشطين والمقاتلين السلفيين الجهاديين، ويسمح للحركة بتجديد نفسها والوقوف على قدميها من جديد بعد التراجعات المؤلمة. فقد نجحت السلفية الجهادية، كأيديولوجيا منتشرة ومتوسعة، في اكتساب منضوين جدد وفي الإمساك بخيال جماعات سنية صغيرة حول العالم؛ وقد طور التنظيم طقوسه ومرجعياته وأنتج أبطاله ومنظريه الأيقونيين الذين قدموا الإرشاد الفكري والزاد الديني.

وهكذا، نافست حركة اجتماعية هامشية، السلفية الجهادية، والإسلام التقليدي، والإسلام الراديكالي معا على النفوذ الشعبي وقدمت للجمهور خطابة بديلا من خطابهم. وقد صدح دعائيو التنظيم ومبشروه عاليا أن اتجاه التاريخ بات إلى جانبهم. وكائنا ما كان مصير الأيديولوجية تلك، نصرة أم لا، فهي هنا لتبقى، وتستمر على الأرجح، وبات التحدي كيفية الإضاءة على هذه الأيديولوجية واكتشاف معناها. فغالبا ما أهمل الباحثون السلفية الجهادية أو قللوا من قيمتها وأهميتها.

و”داعش” أولا وأخيرا هو امتداد للحركة الأيديولوجية السلفية الجهادية العالمية. إلا أن البغدادي ومعاونيه يمثلون موجة جديدة من الحركة تلك وجيلا جديدا من المجاهدين السلفيين الجهاديين أو الناشطين الدينيين الثوريين. (سيتفحص الفصلان الثاني والثامن في العمق مرجعيات داعش” الأيديولوجية وتركيبه العقلي كما نقاط التشابه والاختلاف مع الجماعات السلفية الجهادية الأخرى). وقد نجح “داعش” اليوم – كأيديولوجيا وكحالة أمنية وعامة – في فرض أجندته في صراع هويات شرس بين المسلمين السنة والمسلمين الشيعة في الشرق الأوسط وسواه. ورغم أن “داعش” تنظيم سلفي – جهادي إلا أن له توجهه الخاص والمغالي في حملته الشاملة ضد الشيعة وتحت عنوان رومانسي طوباوي هو: إحياء الخلافة.

إذا قارنا بين نشأة تنظيم القاعدة المركزية ونشأة تنظيم “داعش”، أمكننا تمييز الخيوط الأيديولوجية التي أدت دورة في أرجحية “داعش”.

فقد نشأ تنظيم القاعدة المركزية من تحالف بين السلفية السعودية المحافظة إلى أقصى حد (أو الوهابية) والإسلام الراديكالي المصري المعروف بالسلفية الجهادية. أما “داعش” فقد ولد من زواج بين تنظيم القاعدة في العراق، (السلفي الجهادي) وتشكيلة من سياسات الهوية. يشكل النسب الأيديولوجي للتنظيم، أي انتسابه إلى السلفية الجهادية، جزءا فقط من العدة الأيديولوجية عنده، بينما الجزء الآخر من طبيعته الأيديولوجية هو هويته السنية المغالية؛ تقودها أيديولوجية داخلية معادية بل قاتلة للشيعة. لقد تسبب غزو العراق واحتلاله الذي قادته الولايات المتحدة بتهشيم إضافي في نسيج المجتمع العراقي الممزق أصلا؛ فتدمير أمريكا مؤسسات العراق، وخصوصا تسريح الجيش وحل حزب البعث الحاكم، فتح الباب لصراع شرس على السلطة، وفق خطوط مذهبية بشكل رئيسي، خالقة شقوقا واضحة في المجتمع. وشكلت هذه التمزقات المكان المناسب لفاعلين من خارج الدولة ولميليشيات متمردة، بما فيها “القاعدة”، للتسلل والعبث بسياسات الجسم المريض في عراق ما بعد 2003. وكانت استراتيجية داعش” وفق تصميم مخططيه هي استغلال أزمة الهوية في الدولة العربية بالزعم أنهم يسعون إلى خلق إطار اجتماعي – اقتصادي في وسعه منافسة الحداثة الغربية. وبالرغم من إصرار “داعش” على أنه يعمل من خلال نظام قيم مختلف عن ذاك الذي تروجه الليبرالية الغربية، إلا أن خطاب التنظيم لا يتضمن أي تجديد خلا في سياسات الهوية وقطبها الصارخ دیني بامتياز. يستطيع الدين التأثير كإطار ضمني للهوية الاجتماعية، وبخاصة في بيئات الحرب حيث يغدو الخطر عاليا، ويدفع باتجاه ولاء جمعي من خلال تقديم الإطار ذاك باعتباره الحقيقة والطريق يجري اتباعه.

وبتقديم “داعش” بنية صافية من خلال مجموعات محددة من القواعد والاعتقادات ونظرة عامة تجمع الحياة على الأرض والحياة اللاحقة، يوفر التنظيم لأفراده الوعد بانتماء أبدي للجماعة، أثبت على وجه الخصوص أنه جاذب للناس الذين يشكون قلقا وجوديا. أكثر من ذلك، يشير الباحثون الأكاديميون إلى عناصر عدة في نظرة التنظيم تنحدر في الحقيقة من الأيديولوجية الإبراهيمية الأصولية، ومن ضمنها الثنائية (الخير المطلق في مواجهة الشر المطلق)؛ السلطة (كتاب أو زعيم قائد)؛ الانتقائية (انتقاء معتقدات أو ممارسات معينة وترك سواها)؛ والأخروية الحتمية (الثقة في آخرة وفق إرادة الله). بين العناصر تلك كافة، هناك وجه يبدو ظاهرة بقوة فيها: هو رجعيتها. وتأخذ الرجعية تلك شكل العداء تجاه الحداثة العلمانية؛ عداء ليس موجها فقط ضد أناس من خارج معتقدهم الأصولي بل حتى ضد أفراد من الجماعة الدينية نفسها لا تنطبق عليهم مواصفات المؤمنين الحقيقيين”.

يمكن النظر، في ضوء ذلك، إلى تطوير داعش، أيديولوجية صافية كجزء من استراتيجية تعزيز أصولية أعضائها من خلال تأكيد خصوصيتهم، من دون أن يتناقض ذلك مع تزويدهم برؤية شاملة.

على سبيل المثال، فإن استعمال الجماعات السلفية الجهادية الواسع، بما فيها “داعش”، الأفراد الانتحاريين يؤلف أسلوبا محدثا في الإسلام لا علاقة له بالعودة إلى الجذور. وواحدة من الفرضيات المقنعة التي يمكن صوغها هي أن المسلمين يخوضون الآن حرب الذاتيات أو الخصوصيات الناتجة من سلسلة من التمزقات التي بدأت مع عصر النهضة وهي تتخذ شكل حرب أهلية إسلامية – إسلامية حول الهوية الإسلامية نفسها. والعرب أنفسهم منغمسون أيضا في نزاع فكري حول وجودهم في عالم يدور النقاش فيه حول كل ما تعلق بالوطن العربي والعالم ككل.

والصعود الحالي للسلفية الجهادية وللإرهاب ممثلين بتنظيمات كـ “داعش، لا يمكن اعتباره نتيجة للطائفية المتزايدة ولأزمة الدولة الحديثة فحسب، بل هو أيضا نتيجة للعدمية المتزايدة التي لا تقيم اعتبارا للسلام والقيم التقدمية التي تؤمن بهما البشرية.

مع ذلك، وبعيدا من أن يكونوا نوعا جديدا تماما، ينتمي “داعش” نسبة وأيديولوجيا إلى العائلة السلفية الجهادية (الجهاد العالمي)، مع أنه يضع بصمته على مرحلة جديدة في التطور، أو التحول في البركة الأيديولوجية الواحدة. فلم يرث زعيمه، أبو بكر البغدادي، الإرث الدموي لسلفه أبو مصعب الزرقاوي، مؤسس القاعدة في العراق، فحسب، بل عمل وفق موديل بن لادن “الشهيد” في أدبيات السلفيين الجهاديين وزعيمهم الجانب المستمر من دون منازع لحركة الجهاد العالمي. كان لحركة الجهاد العالمي في خمسين سنة من عمرها مخزون من الأفكار، وإطار مرجعي، ومنظرون، والاف الأتباع، و”شهداء” كانوا دائما الملهمين للمتطوعين الجدد الذين يؤمنون بقاءها. وعليه، كان في مقدور “داعش” أن تبني على هذا المخزون، فتكرر المفاهيم القديمة وتقدمها في صيغة جديدة أو ثورية. يستخدم “داعش” خطاب الأيديولوجيا الدينية ليقارب سياسات الهوية. وكان الدين بالنسبة إلى السلفيين الجهاديين، في الحقيقة، وعند الحاجة، المرهم اللاصق الذي يوفر التجانس، وليس بالضرورة الوحدة، بين مختلف الفصائل والفرق، والحجة لممارسة العنف الزائد. وما انفك هؤلاء يلجأون إلى الآيات القرآنية ليختاروا منها، على نحو انتقائي، التبرير لهجماتهم الجهادية ولوصفها بـ “المباركة”.

تجمد العالم، عند “داعش”، في الزمان والمكان، عند القواعد والقوانين التي كان معمولا بها في الجزيرة العربية في القرن السابع، وهي التي يجب أن تطبق في القرن الحادي والعشرين. ويصور   البغدادي ومساعدوه أنفسهم بأنهم يقاتلون “المعادين للمسيح”، ويفتحون الطريق أمام الانتصار الأخير لـ “المهدي” في الإسلام، الذي سيملا الأرض يوم ظهوره عدلا وقسطا. هذا التفكير الآخروي هو في قلب أيديولوجيا خلافة “داعش” والأيديولوجية الجهادية العالمية عموما.

ليس السؤال، إذا، إن كان “داعش” إسلاميا أم لا. وهو كذلك، مع أن المسلمين حول العالم ينأون بأنفسهم عنه ويتبرأون من أفعاله – بل هو فهم كيفية أخذ التنظيم بكثافة، ولكن بانتقائية، من الشرع الإسلامي، ثم بفرضه الماضي على الحاضر ومن دون تمييز. يقفز البغدادي ومساعدوه الدعائيون فوق قرون من التفاسير والتفاسير المضادة الإسلامية فيحصرون أنفسهم في قراءة شكلية، حرفية، ضيقة، بائدة، للعقيدة الإسلامية، في خطوة غامضة، مربكة، تتعارض مع مبادئ الإسلام الشعبي العادي المعيش. لذلك، وبالرغم من صوته العالي، يبقى خطاب “داعش” ظاهرة هامشية بعيدة جدا من الرأي العام الإسلامي، إلا أنه مع ذلك يرن بقوة في أذني قاعدته الاجتماعية. وتستمر تلك القاعدة في مد “داعش” بمنتسبين مريدين في درجاتهم كافة، وبمقاتلين وقنابل بشرية انتحارية. ومن جديد، يصدم السياسيون والمراقبون الذين يضعون حركة الجهاد العالمي في عداد الأموات بمرونتها وبقدرتها على تجديد نفسها. والأيديولوجيا عامل حاسم في هذه العملية، وهي التي توفر الشرعية لعمليات “داعش”. وإذا عدنا إلى الأصول الاجتماعية والأيديولوجية لـ “داعش” وقارناها بالموجتين الجهاديتين للسبعينيات والتسعينيات من القرن الماضي، لاستطعنا قياس مظاهر الاستمرار والتغيير في سجل عمليات الجماعة الوحشية السيئ الصيت.

لا وقت أو مكان لدى “داعش”، المأخوذ بالطريق السلفي الجهادي لحراك اجتماعي أو لتنظيم سياسي. فخطابه شمولي، آخروي، يلغي التعددية السياسية، والتنافس، والتنوع في الفكر.

والبغدادي، وأركانه، وهم يجزمون بل يجتثون كل فکر حز، وفكرة “آخر” غريبة على أيديولوجيتهم الرسالية. إن أي مسلم – أو حتى جهادي – لا يقبل تفسير “داعش” للعقيدة الإسلامية فهو مرتد ويستحق الموت. وبالمثل، فكل مسلم أو جهادي يرفض الخضوع لسلطة الخليفة الجديد مصيره إما النفي من أرضه وإما الموت. ويحتاج المراقب هنا إلى أن يستذكر بيان مسؤول الدعاية الأول في “داعش” والناطق باسمه لدى تأسيسه أبو محمد العدناني، واسمه الحقيقي طه صبحي فلاحة، إذ يطالب كل الجهاديين، أفرادا وفصائل، وفي كل مكان، بإعلان البيعة للخليفة الجديد البغدادي. وعليه فشرعية جميع الأمراء والجماعات والدول والمنظمات باتت فارغة ومن دون أساس، يقول “الأرض الآن من حلب إلى ديالا خاضعة لسلطته”، أوضح العدناني بجلاء أن هناك الآن دولة إسلامية واحدة وخليفة إسلامية واحدا ولا مكان للمعارضين، يقول في الحقيقة إنها الدولة، الخلافة. حان الوقت لإنهاء الخلاف والتشتت والانقسام، فهذا ليس ما نص عليه شرع الله أبدا. أما إذا تمردتم على الدولة أو أعلتم الحرب عليها، فأنتم لن تؤذوها بل ستؤذون أنفسكم. هو تحذير واضح أن على المسلمين كافة طاعة الخليفة الجديد، “قائد المؤمنين” بمن فيهم الآخرون الذين يحملون ألقابا مشابهة، ومن لا يفعل فدونه “فصل الرأس” أو “ضرب العنق”.

في رأي “داعش” الخلافة ليست، إذا، كيانا سياسيا فقط، بل هي إلزام شرعي جماعي (واجب كفائي)، طريق للخلاص: فالمسلمون ارتكبوا حين تركوا الخلافة من الآثام ما يكفي، ولم تذق الأمة بعده طعم “الشرف” أو “النصر”. وعليه فرسالة “داعش” إلى المسلمين هي تكرارا تأدية الطاعة للخليفة الصحيح، “البغدادي”، وأن يحيوا حياة إسلامية صحيحة.

ومن جديد، يتضح أن خلف هذه الفكرة الرومانسية للخلافة تكمن سياسات الهوية، وهي جوهر الإطار الأيديولوجي لـ “داعش” المتضمن تأكيد هوية الإسلام السني وإعادة تعريف الإسلام الصحيح. ربما يوهم خطاب العدناني أن إعادة إحياء “الدولة الإسلامية” يعني القطع مع نظام الدولة الحالي. لكن الأمر ليس كذلك في حقيقته، فكما كان الأمر بقيادة صدام هو كذلك الآن بقيادة البغدادي، حيث الدولة الإسلامية في العراق دولة شمولية، يحكمها زعيم مطلق، لا يتسامح مع أي معارضة. وفي الحقيقة، لا يختلف تصور “داعش” للحكم من النمط الاستبدادي الذي يسود بعض البلدان العربية منذ عقود.

استخدم “داعش” أيديولوجيته الرسالية لتبرير قمعه الوحشي للإسلاميين والقوميين (البعثيين) معا في المناطق الخاضعة لسيطرته. وحجته إجبار كل فرد على التحول إلى قضيته، بمن فيهم الجهاديون المنافسون الذين لا يختلفون منه كثيرا. وعلى سبيل المثال، ينتقد العدناني ويتوعد أيمن الظواهري، زعيم القاعدة المركزية، وأعلى الجهاديين كعبا، لتجرئه وأخذ جانب زعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، ضد البغدادي في الصراع على السلطة الجاري بينهما في سورية. ويذكر العدناني الظواهري بشدة أنها أراضي الدولة الإسلامية وأن على الجولاني إعلان البيعة للبغدادي والخدمة كجندي في جيشه. ومنذ انتماء البغدادي إلى القاعدة سنة 2010 فتلك أقسى إهانة يتوجه بها للظواهري.

أدت مواقف “داعش” المتشددة إلى اضطراب في حركة الجهاد العالمي، وقادت من ثم إلى انشقاق واسع بين “داعش” و”النصرة”، والتي كانت تأسست بأوامر من البغدادي. والسبب الرئيس للنزاع بين الطرفين هو رفض الجولاني سنة 2013 أمر البغدادي بإعادة دمج النصرة في “داعش”.

فاعتبر البغدادي رد الجولاني خيانة وأعلن عليه وعلى حلفائه من الفصائل السورية القومية حربا شاملة. وقد قتل في الحرب الداخلية بين الجهاديين أنفسهم الآلاف من المقاتلين المحترفين من الطرفين، وتخللها مختلف أنواع الكراهية وأشكال العنف وقطع الرؤوس والصلب. كانت الحرب بين الجهاديين أنفسهم وحشية تماما كتلك التي تشن على الأعداء الخارجيين. وأتباع كل من الدولة الإسلامية والقاعدة المركزية يكفر بعضهم بعضا ويستحضرون الخطاب الديني نفسه باعتبارهم الجهاديين الحقيقيين لإبادة أخصامهم باعتبارهم مرتدين. وفي سورية لا يتعايش “داعش” مع النصرة أو أي فصيل إسلامي آخر لأن في ذلك من وجهة نظره انتقاصا من شرعيته كما لاحتكاره مشروع الجهاد العالمي.

لكنه محكوم على “داعش”، في النهاية، كحركة شمولية – دينية، أن تدمر نفسها بنفسها، ليس فقط لارتكابها كل الأفعال الشريرة فحسب، بل لأنه ينقصها أيضا الخيال السياسي ولتعارض أيديولوجيتها مع طرائق عيش المواطنين العاديين والجماعات المحلية (وهو أمر نعود إليه في الخاتمة). وبالإضافة إلى اتقان “داعش” صنع الأعداء المحليين والدوليين فهو يشطب السياسة من قاموسه أيضا، وجهده موقوف لبناء مجتمع معاصر وفق خطوط طوباوية خالصة من الجزيرة العربية في القرن السابع، نظرة تفرض الماضي البعيد بالقوة على الحاضر.

وعليه؛ فلا عجب أن يتورط “داعش” في حملات تطهير ديني وثقافي للأرض التي يسيطر عليها من كل تأثير غريب أو كافر، بما فيها الممارسات السنية التقليدية التي تتعارض مع تفسيره الأصولي والخارج عن الزمن للعقيدة الإسلامية. ومع أن فكرة تطهير بلاد المسلمين متجذرة بقوة في خيال الجهاديين الإسلاميين، إلا أن “داعش” هو أول حركة مجتمعية تحاول ترجمة الأيديولوجيا إلى واقع. فمع تمدد مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق وسورية دمروا أو خربوا أو لوثوا مواقع ومجسمات ثقافية عديدة معتبرينها مجرد أصنام. أكثر من ذلك، يحتفل “داعش” بممارساته الوحشية على نحو مشهدي، باعتبارها مظاهر إخلاص مقاتلي الدولة الإسلامية بالأفعال لا بالكلمات في تطهير أراضي الدولة واستعادة الخلافة. ولكن في الوقت الذي يبدو الخطاب الدعائي لـ “داعش”، مكروها خارجه، فإن قاعدته الاجتماعية تفاعل معه بالترحاب. وبعض غاية “داعش” من إنتاجه أفلاما تظهر التطهير الثقافي ذاك، ليس فقط التذكير والتعزيز للحمة الداخلية في التنظيم، وباستراتيجية الانتصار لديها، وإنما أيضا لحرف الانتباه بعيدا من تراجعاته العسكرية في الميدان.

وفي سبيل استعادة الدولة الإسلامية الأصلية، يعتقد مقاتلو “داعش”، أنه يجب تطهير الأراضي الإسلامية من المرتدين والهراطقة، بمعزل عن الثمن الإنساني أو الحضاري لذلك. ما يعنيهم أكثر من ذلك هو إظهار التزامهم بأيديولوجيا متشددة وصافية. وفي محاولتهم تنظيف المجتمع السني من المؤثرات الثقافية الغريبة، لا يتردد مقاتلو داعش، في تدمير كل ما أنتجه افراد سنة وشيعة وکرد وأيزيديون ومسيحيون من إرث ثقافي وحضاري في آلاف السنين وجرى حفظه على الدوام باعتباره حضارة بلاد ما بين النهرين القديمة والتي تخص العالم أجمع. إلا أن انتقامهم يبدو أكثر شدة تجاه الأقليات التي ينظر إلى أفرادها باعتبارهم كفرة ويجب ألا يتمتعوا بأي حقوق. ولعل بطشه الوحشي بالأقلية الأيزيدية خير مثال يوضح أيديولوجية “داعش” في التطهير. فالأقلية التي تشكل أقل من 1.5 بالمئة من سكان العراق البالغين 34 مليونا وفق التقديرات، والتي لم تكن عائقا أمام أي مشروع في العراق، أصبحت هدفا لأساليب “داعش” في التطهير، ويتهمة أنهم هراطقة. فبعد احتلاله الموصل والمدن القريبة منها صيف 2014، بما فيها سنجار قرب الحدود السورية، لجأ “داعش”، إلى التطهير الثقافي، طاردة عشرات الألوف من أبناء الأقليات من منازلهم، بل واستخدم الاعتداءات الجنسية ضد الفتيات والنساء الأيزيديات وسيلة شائعة لإرهابهن والتعجيل في التطهير الثقافي للأقلية تلك. هاجم “داعش” الأيزيديين بعنف بالغ، قتل الرجال والأولاد الذين يحتمل أنهم في سن القتال. ووفق منظمات حقوق الإنسان، ومسؤولين في الأمم المتحدة، وقادة محلين، فقد اغتصب مقاتلو “داعش”، ما لا يقل عن 5270 فتاة وامرأة أيزيدية (ثلثاهن لا يزلن هناك لحظة هذه الكتابة) وأخضعوهن بالقوة لاستعباد جنسي. بل أكثر من ذلك، أدخلت الفتيات والنساء أولئك جزءا من التجارة الجنسية، حيث كانت الفتيات والنساء يبعن ويشترين وفق إرادة “قسم الغنائم الحربية” في التنظيم، وبتوقيع محاكم “إسلامية”، حسب وثائق عثر عليها بعد غارة للقوات الأمريكية الخاصة على قاعدة لـ “داعش” قتل فيها مسؤوله المالي، أبو سياف. واستخدم التنظيم الاغتصاب الممنهج وسيلة لجذب الرجال إلى التنظيم في بيئة إسلامية تقليدية محافظة وإلحاقهم بصفوف داعش.

وبحسب هيومان رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، وتقارير من المنطقة، فقد دمر “داعش” ومن دون شفقة حياة مئات النساء الأيزيديات. وقد تحدثت مستشارة الأزمات في منظمة العفو الدولية، دوناتيلا روفيرا، إلى أربعين امرأة أيزيدية أمكنهن الفرار من أسر “داعش”، وخلصت إلى أن ما فعله “داعش”، بهن يرقى إلى مستوى جرائم الحرب. تقول “لقد دمرت أهوال العنف الجنسي والاستعباد الجنسي حياة مئات النساء والفتيات الأيزيديات”. وتؤكد زينب بنجورا، مبعوثة الأمم المتحدة التي حققت في حالات العنف الجنسي والاستعباد الجنسي في النزاع ذاك، أن هناك فعلا “لائحة أسعار” حدد “داعش” فيها أسعار بيع النساء “كما لو کن براميل بترول”. وذكرت بنجورا أن سعر طفل أو طفلة ما بين سنة واحدة و 9 سنوات قد حدد بـ 165 دولارا أمريكيا، والفتيات تحت العشرين بـ 124 دولارا، وأقل من ذلك لمن هن فوق العشرين من العمر. ووفق تصريح لـ “بلومبرغ نيوز” (Bloomberg News)  تقول، “لديهم ماكينة، وبرنامج، ولديهم مدونة في كيفية معاملة النساء اللواتي يُشرَين”.

الأيزيديون – بحسب أيديولوجية “داعش” – “لا يؤمنون بإله واحد، وأسوأ من ذلك، هم عبدة للشيطان”. ولذلك، وفي زعم “داعش”، هم لا يستحقون أن يعاملوا كما يعامل “أهل الكتاب”، من المسيحيين واليهود، الذين في وسعهم الاستغفار عن آثامهم وتركهم أحرارا من ثم بدفعهم “الجزية”. على نقيض ذلك، يقتل “الأيزيديون”، أو يحولون بالقوة عن دينهم وتستعبد نساؤهم، عقوبة يفرضها، وفق ادعاء التنظيم، خبراء في القضاء الإسلامي. إلا أن تورط “داعش” في تجارة الجنس، واستعباده الفتيات والنساء من الجماعة الأيزيدية الصغيرة، ليست بدافع ممارسة السلطة أو الهيمنة الذكورية فحسب، وإنما بادعاء الحمية الدينية أيضا. فالبغدادي ومجلس الشورى لديه، أي حكومته، يريد نیل سبق التمايز عن منافسيه من الجماعات الجهادية الأخرى بمحاولته إحياء التقاليد والطقوس والممارسات التي كانت سائدة قبل ألف سنة في التاريخ الإسلامي. وهم يزعمون أنهم بذلك يطبقون تکليفا شرعيا في محاولة لإظهار نقائهم الديني وأصوليتهم. وكيما يظهروا “شرعية” أفعالهم فقد لجأوا إلى تعميم مدونة حملت عنوان “قواعد الخالق حول أسر السجناء والاستعباد”، يدعون فيها إلى معاملة السجناء والمستعبدين باللين والحزم معا. ومن بين تلك القواعد؛ عدم فصل النساء عن أطفالهن. لكن المدونة تسمح أيضا لمقاتلي التنظيم بممارسة الجنس مع الإناث المستعبدات.

ويتطرق “داعش” إلى استعباده النساء في مقالات تظهر في مجلته دابق كما في أفلامه الدعائية، يجهد “داعش” إلى تبرير أفعاله وفق نصوص شرعية يزعم أنها موجودة في آيات القرآن الكريم أو في السنة. لكنه يفعل ذلك بطريقة انتقائية استنسابية، فيختار عامدة ما يناسب غاياته الإجرامية ويغض الطرف في المقابل عن أخرى تنهاه عن فعل ما يرتكبه. ففي مقالة بعنوان “إحياء الاستعباد قبل قيام الساعة”، يزعم التنظيم أنه يمكن استعباد النساء الأيزيديات، بخلاف نساء المرتدين [الشيعة] حيث يفتي غالب العلماء أنه بالإمكان منحهم فرصة التوبة فإذا أبوا فدونهم السيف، ويکمل مزاعمه بالقول، “بعد الأسر تقسم النساء والأطفال الأيزيديين وفق الشرع بين مقاتلي الدولة الإسلامية الذين شاركوا في عمليات سنجار، ويرسل خمس العبيد إلى سلطات الدولة الإسلامية …”.

بالنسبة إلى المسيحيين فحالهم ليست أفضل كثيرا. فبعد احتلال الموصل ومدن أخرى في العراق وسورية، وضع “داعش” المسيحيين أمام خيارات: التحول إلى الإسلام؛ دفع الجزية؛ أو المغادرة فورا مع تجريدهم مما يملكون أو يرثون. وتظهر تقارير واردة، أنه رغم دفع الجزية، فقد تعرضت نساء وفتيات مسيحيات لاغتصاب ممنهج من قبل عناصر “داعش”. وفي ضوء ذلك، تعرض المسيحيون لموجة جديدة من النفي. وكانت موجة سابقة قد حدثت على أيدي تنظيم “القاعدة في بلاد ما بين النهرين” ما أجبر مليون مسيحي، من بين مليون ونصف المليون من أهالي العراق، على مغادرة بلادهم بين 2003 و 2010.

وهناك خطر حقيقي في أن يكمل البغدادي ما بدأه سلفه، الزرقاوي – الذي قتل سنة 2006 على أيدي الأمريكيين – من ممارسات ستفضي إلى إخلاء العراق من جماعة آشورية قديمة عمرها ما يقرب من 2000 سنة. لكن أيديولوجية “داعش” لا تستهدف الأيزيديين والمسيحيين وحدهم، بل المسلمين كذلك، وعلانية. ففي محاولته تمييز نفسه بالمزيد من التطرف الديني من سابقيه من المتطرفين الإسلاميين، مثل القاعدة المركزية، لا يتردد البغدادي في قتل المسلمين أيضا، إذ يعتبر “داعش” أن المسلمين الشيعة مرتدون، وعقابهم استباحة دمهم، إسوة بالسنة الذين يعارضون مواقفه أو ممارساته.

في الحقيقة، كان “داعش” المستفيد الأكبر من السياسات التقسيمية في العراق وسورية، ومن تدمير مؤسسات الدولة في المنطقة العربية عموما. ومنذ البدء قدم البغدادي وأركانه أنفسهم باعتبارهم المدافعين وحدهم عن الجماعات السنية المستبعدة والمقهورة من الأنظمة التي يهيمن عليها الشيعة، أولا في بغداد، ثم في دمشق. وكما أوضحنا في المقدمة، فـ “داعش” حركة ثورية تتناول العدو القريب، وتركز على العالم العربي – الإسلامي، رغم أنها بدأت حديثا بتوفير موارد أكثر لشن هجمات على العدو البعيد، بما فيها روسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، وجنوب شرق آسيا. هو تنظيم طوباوي: حركة سنية مغالية تمتلك أيديولوجية قتل ضد أخصامها، ومنهم الشيعة، ما يعني أن الشيعة المئة والعشرين مليونا تقريبا هم مشروع قتل. تمدد “داعش”، بعد انطلاقه من “موطنه الأصلي” (العراق)، إلى سورية في 2012، مع طموح إضافي بالتمدد إلى دول مجاورة أخرى. ولم يخف البغدادي، في ثاني خطاب توجه به إلى العالم في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، أن طموحاته التوسعية ليست محدودة بحدود العراق وسورية، وإنما أضاف إليها ليبيا والسعودية ومصر واليمن والجزائر وتونس والمغرب وسواها.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد