ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 13 أبريل 2018 زيارة: 108

العبادة شرعا ولغة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: المنح الإلهية في طمس الضلالة الوهابية ص41-51
تأليف: القاضي إسماعيل التميمي
العبادة شرعا ولغة:

وأما معنى العبادة شرعا فاعلم أن الله سبحانه لما نهى القوم عما هم مشتغلون به من عبادة غيره، ووبخهم على وضع الشيء في غير محله، وتعظيمهم غير أهله، وبين لهم بالدلائل الواضحة عدم صلوحية ما اتخذوه من دونه لما اتخذوه إليه، وكان الحامل للقوم على ذلك اتباع أهواءهم، والاسترسال مع أغراضهم، وذلك مناف لعبوديتهم، إذ العبد لا يتصرف في نفسه بمقتضی شهوته وغرضه، وإنما يتصرف على مقتضى أمر سيده ونهيه، قصد سبحانه أن يخرجهم عن داعية أهوائهم، واتباع أغراضهم، حتى يكونوا عبيدا لله تعالی اختیارا، كما هم عبيد له اضطرارا، فوضع لهم الشريعة المطهرة وبين لهم الأعمال التي تعبدهم بها، والطرق التي توصلهم إلى منافعهم ومصالحهم على الوجه الذي ارتضاه لهم، ونهاهم عن مجاوزة ما حد لهم حتى أن العبد إذا أخذ حظه من العمل المشروع المصلحته، فإنما أخذه من تحت الحد المشروع، وحصر الأعمال العبادية في أنواع تلك التكاليف فما كان منها مشروعا لمحض التعبد كانت صحته موقوفة على نية التقرب وما يساويها، وما كان مشروعا لتحصيل المصالح لم تتوقف صحته بمعنى الاعتداد به على ذلك لكنه لا يقع عبادة إلا مع النية المذكورة، ومن خرج عن هذا الحد وعبد الله تعالی بغير تلك التكاليف فعمله د وهذا هو المسمى بالبدعة لأنه اخترع طريقة في الدين لم يسبق لها مثال، وإنما بطل عمله لأنه لغير داعية الشرع بل لاتباع الهوى، وهو مخالف لقصد الشارع من وضع الشريعة، وهوالإخراج عن دائرة الهوى والرجوع والانقياد لله في جميع الأحوال، وما كان مخالفا لقصد الشارع فهو في حيز البطلان والإهمال.

معنی العبادة الشرعية:

فتبين من هذا أن العبادة الشرعية هي التكاليف التي اشتملت عليها الشريعة سواء منها ما كان معقول المعنى أو تغير معقول، إلا أن الثاني تتوقف صحته على النية بخلاف الأول فإنه يصح بمعنی يعتد به بدونها، وإنما يتوقف كونه عبادة عليها، وإن ما خرج عن التكاليف الشرعية ليس من العبادة في شيء وإن قصد فاعله به العبادة وإنما هو بدعة، ولهذا حد الشيخ زاده[1] في حواشي تفسير القاضي البيضاوي في سورة «لم يكن» العبادة فقال : هي عبارة عن الإتيان بالفعل المأمور به على سبيل التعظيم والتذلل له، ولذلك قيل إن صلاة الصبي ليست بعبادة لأنه لا يعرف عظمة الله فلا يكون فعله تعظيما له تعالى، وقيل أيضا فعل اليهودي مثلا ليس عبادة وإن فعله بقصد التعظيم لكون الفعل غیر مامور به اه.

وقال الفاضل البقاعي[2]: «العبادة امتثال أمر الله كما أمر على الوجه المأمور به من أجل أنه أمر مع المبادرة بغاية الحب والخضوع والتعظيم فاعتبر فيها ما يعتبر في اللغوية من الخضوع والتذلل والتعظيم إلا أن اللغوية لا تقيد بعمل مخصوص، وأما الشرعية فمقيدة بالأعمال المأمور بها فكانت جارية على الأعم الأغلب في الحقائق الشرعية من كونها أخص من اللغوية، ومن أجل اختصاصها بالمأمور به خرجت عبادة اليهودي مثلا لأنه وإن تمسك بشريعة إلا أنها لما كانت منسوخة كانت كأن لم تكن، فصار المتمسك بها لا فرق بينه وبين المبتدع الخارج من التعريف كما أسلفناه لأن كلا منهما متبع لهواه، ومن هنا يظهر لك أنه لا يصح جمع العبادتين الشرعية والوثنية في حد واحد كما صنعه بعضهم وصرح بأنها في عرف الشرع التذلل والخضوع لمن يعتقد له الخاضع بعض صفات الربوبية، وصرح بدخول الوثنية في هذا الحد، وهو مستدرك من وجوه :

أحدها أنه جمع بين المختلفين في الحقيقة في حد واحد وهو غير صحيح وذلك أن الشرعية محصورة في أعمال مخصوصة حسبما تقدم، والأخرى لا تنحصر، إلا فيما دل على الخضوع مما يحسنه العقل، وتحسين العقل لا ينضبط ولا ينحصر.

الثاني أن الوثنية عبادة لغة لا شرعا، فكيف يجعل الشرعية تتناولها لأن المراد بالشرعي الأعمال التي وضع لها اسم العبادة لا الأعمال السابقة على الشرع المسماة عندهم بهذا الاسم فإنها وإن ذكرت في لسان الشرع في مقام النهي والذم فالمراد بها المعنى اللغوي ولا يجري فيها الخلاف الواقع في النهي عنه إذا كان له معنيان لغوي وشرعی، فقيل يحمل على اللغوي وقيل الشرعي الشموله الصحيح والفاسد لأن النهي هاهنا وارد على شيء معين معلوم أن تسميته لغوية» اه.

الثالث أنه غير مانع لدخول البدعة وأعمال اليهود فيه. : الرابع أنه غير جامع الخروج عبادة أغلب العرب عنه إذ قد تقدم أنهم لا يعتقدون في أوثانهم الضر والنفع وما أوهم ذلك تقدم الجواب عنه وبها يجاب عما احتج به في هذا الفصل، وقد احتج على اعتبار قيد اعتقاد بعض صفات الربوبية بسجود الملائكة لآدم عليه السلام قائلا : لو كان بمجرده عبادة لما أمر الله تعالی به فلابد من قيد زائد، وهذا لايتم له إذ لا يدل على الخصوص ذلك القيد بل التحقيق إن القيد هو نية التقرب. فالسجود لايكون عبادة ولا كفرا إلا تبعا للنية، فسجود الملائكة عليهم السلام عبادة لأنه امتثال لأمر الله وتقرب وتعظيم الله، والسجود للصنم کفر إذا قصد به التقرب إليه إذ هو عبادة لغير الله، وكذا يحكم عليه به عند جهل قصده أو إنكاره لأنه علامة على الكفر، والسجود للتحية معصية فقط في شرعنا ثم إن هذا الحد لا يصلح للشرعية بانفرادها كما هو ظاهر ولا الوثنية لخروج عبادة أغلب العرب عنها فلو زاد فيه أو نفع جاه الانطبق على الوثنية، وقد أشار في أول كلامه إلى الجواب عن هذا بأنهم يعتقدون أنها مقبولة الشفاعة لا محالة، وذلك يوجب اعتقادهم نفوذ المشيئة لكن هذا لا يسلم له وهم أعقل من هذا. وقد تقدم للإمام الرازي والقاضي البيضاوي واصاحب «الكشاف» وهم أعرف بأحوالهم أنهم لا يزعمون أنها تخالف الله وتناويه فتأمل ذلك.

ولنرجع إلى الكلام على بقية ألفاظ التعريفين المذكورين، فقوله الإتيان بالفعل المأمور به أي من حيث كونه كذلك فيتوافق في المعنى ما قاله الآخر امتثال أمر الله تعالى إذا امتثال الأمر هو الإتيان بالمأمور به لأجل الأمر، ويتناول الفعل المشروع التعبد كالصلاة والصوم والحج وما أشبه ذلك مما ألزم الله به المكلف من حيث توجهه للواحد المعبود، والانقياد لأوامره والخضوع إليه والتعظيم لجلاله، ويسمى هذا النوع بالعبادات لأن الالتفات فيه إلى قهر النفس وتعظيم المولى فكان أولى بتلك التسمية، ويتناول أيضا الفعل المشروع لتحصیل مصالح المكلفين وهو ما يجري في الاكتسابيات وسائر المحاولات الدنيوية، ويسمى هذا بالعبادات والمعاملات، وإن كان صالحا للتعبد كما تقدم وكما نذكره بعد إلا أنه لما عقل معناه التي شرع لأجلها سمي بذلك الاسم، ويتناول أيضا ما كان من قبيل الترك[3] كالكف عن الزنی وسائر المحرمات فإنه صالح للتعبد كما ذكره أيضا.

وقوله في التعريف الثاني من أجل أنه أمر وتقدم إن هذا مراعي في الأول = أيضا يفيد أن النية شرط في العبادة فلا يقع الفعل عبادة إلا معها، ولا يصح الفعل = بمعنی ترتب أثره الأخروي عليه بدونها.

أما العبادات فظاهر أمرها، وأما المعاملات فإنها وإن صحت بدونها إلا أن الثواب لا يترتب عليها إلا بالنية، فمن نكح امرأة قضاء لحق الشهوة أو لرجاء – النسل لا يثاب على ذلك، وإن كان النكاح صحيحا بمعنى أنه معتد به، ومن نكح بنية امتثال ندب الشارع إليه أثيب، وكان نكاحه صحيحا بمعنى الاعتداد به وبمعنی ترتب أثره في الآخرة عليه، ومثله في هذا ما كان من قبيل الترك فمن كف نفسه عن محترم قاصدا امتثال أمر الله أثيب وإلا فلا ثواب ولا عقاب، وهذا الشرط من الوضوح بالمكان الذي لا يخفى فإن النية هي روح العمل، وبسببها يتعلق الحكم الشرعي بالعمل فإن الإنسان، إذا عمل عملا فلا يخلو أن يكون قاصدا لعمله أو لا فإن لم يقصده فلا تتوجه عليه الأحكام التكليفية إذ هو في هاته الحالة كفعل العجمي،، وقد قال عليه السلام : «غفر لأمتي الخطأ، وهو الفعل الذي لم يكن مقصودا، وإن قصد إيقاع الفعل فلابد من سبب يحمله على إيقاعه، فإن كان الحامل له عليه تلبية أمر الشارع وامتثاله كان عبادة، وإلا فلا.

فظهر أن النية المعتبرة في العبادة هي توجه القلب نحو الفعل بتلبية أمر الرب لا النية بمعنى القصد، ويعبر عن هذه باللغوية، وعن الأخرى بالشرعية لأن أدلة مطلوبيتها وشرطيتها مأخوذة من الشرع، كقوله تعالى : (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)[4] فاعبد الله مخلصا له الدين، فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ومن أدلتها المأخوذة من السنة الحديث المشهور الذي تلقته الأمة بالقبول، وعدوه من الأحاديث التي بني الدين عليها وهو قوله (صلى الله عليه وسلم): «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه»، إذ الظاهر منه أن المراد بالنيات فيه النيات الشرعية لا اللغوية لأنه عليه السلام عبر بالأعمال والأعمال تتضمن القصد، إذ ما كان عن غير قصد لا يقال فيه عمل غالبا وإنما يقال فيه فعل، قال الراغب[5]: ولم يستعمل العمل في الحيوان إلا في الإبل والبقر العوامل، فإذا كان العمل دالا على القصد فلا يكون المراد بالنية القصد، ويتعين حينئذ المعنى الآخر وهو نية التقرب وأيضا فالمسمى الشرعي في كلام صاحب الشرع مقدم على غيره، وأيضا فهو أشد مناسبة لتفريع، فمن كانت إلخ لأنه إذا أريد بالنيات نيات التقرب حسن التفريع في المذكور لأن مفاده فمن تقرب إلى الله بعمله اعتد به ومن لا فلا، فلا يكون التفريع المذكور دالا على أن المراد القصد كما حمله بعض العلماء، وال في في الأعمال استغراقية على ما هو المنقول عن جمهور المتقدمين، فتتناول جميعها عبادية أو عادية أوكا على ما قررناه آنفا. ولا يقال إن الحديث لابد فيه من إضمار ليستقيم الكلام وقد قدره كثير بلفظ الصحة فقال معناه إنما صحة الأعمال بالنيات.

وقد تقرر أن فقد النية لا يخل بصحة الأعمال العادية، وما كان من قبيل التروك وإنما يخل بترتب الثواب فكيف يصح الاستغراق لأنا نقول الصحة تطلق ويراد بها الاعتداد بالعمل، وهو الكفاية في سقوط التعبد في العبادات، وموافقة الوجه المشروع في غيرها وهذا هو الإطلاق المشهور، وعليه ينبني السؤال المذكور، وتطلق ويراد بها ترتب أثر العمل عليه في الآخرة بمعنى أن صاحبه و يثاب عليه، ففي العبادات وفي العادات يكون فيما نوی به امتثال الشرع وكذلك في المخير إذا عمله من حيث تخيير الشارع لا من حيث قصد مجرد حظه، فيقال : هذا عمل صحيح إذا كان بحيث يترتب عليه الثواب، وهذا عمل باطل إذا لم يكن بتلك المثابة، وهذا الإطلاق وإن كان غريبا لا يتعرض له الفقهاء، فقد تعرض له علماء التخلق كالغزالي[6] وغيره، وهو مما يحافظ عليه السلف المتقدمون كذا في «موافقات الأستاذ الشاطبی[7].

فإذا فسرنا الصحة المقدرة في الحديث فهذا بالمعنى اتضح الحال، واندفع السؤال، لا سيما والصحة بهذا المعنى وهو الاعتداد بالعمل في الدار الآخرة هو الذي ينبغي الإرشاد إليه، والتنبيه عليه، فحمل الحديث عليه اليق وقوله (صلى الله عليه وسلم): فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله أي مصروفة إليهما بمعنى أن نيته صرفت عمله إليهما أي إلى أمرهما. فالحامل عليهما حينئذ امتثال أمر الله وأمر رسوله، وامتثال أمر الرسول طاعة لله، فالعمل في الحقيقة لله وحده ولا تشريك فيه، ونكتة التعبير بالله ورسوله هو ما ذكرناه من أن المراد امتثال الأمر الذي بنسب إليهما معا، والله تعالى أعلم.

وفيه على هذا المحمل دليل على أن العبادة ينبغي أن تكون نيتها خالصة من شوائب الحظوظ، وأن العامل حقه أن يعمل طاعة لله وامتثالا للأمر الوارد منه على لسان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لا لرجاء ثواب، ولا لخشية عقاب، ولا لتحصیل غرض عاجل، ولاشك أن هذه أعلى مراتب العبادة، وأجل طرق السعادة.

وإنما الكلام هل هو شرط كمال أو شرط صحة، فذهب جماعة إلى الثاني وقالوا : من عبد الله تعالی طمعا في الجنة أو خوفا من النار لم يعبده لأنه جعل حظه مقصدا، والعمل وسيلة، والوسائل غير مقصودة لأنفسها إذ لو سقطت المقاصد أو توصل إليها بغيرها سقطت، وما كان هذا شأنه ليس يستقيم أن يكون عبادة، ولذلك عد جماعة من السلف العامل للأجر عبد السوء وخديم السوء واستدلوا بهذا الحديث لقوله : «ومن كانت هجرته إلخ وعلى هذا المذهب درج الشيخ زاده والبقاعي لقولهما في التعريف من أجل أنه أمر صراحة في الثاني، وإشارة في الأول بل وصرح الأول بهذا المعنی قبیل كلامه على التعريف، وذهب جماعة، منهم شهاب الدين القرافي والأستاذ الشاطبي إلى أن مراعاة الحظ العاجل أو الآجل مع مراعاة المقاصد الأصلية التي راعاها الشارع إما بعد فهمها وإما لمجرد امتثال الأمر لا يضر وإنما المضر انفراد مراعاة الحظ عن امتثال الأمر لأنه عمل بالهوى المحض، وهذا هو الذي يدل عليه : «ومن كانت هجرته إلى دنیا» إلخ وكأنهم حملوا ما يفهم من قوله «إلى الله ورسوله» على أنه إرشاد إلى المرتبة الكاملة إذ لاشك أن عدم مراعاة الحظ أكمل وأتم.

واستدل صاحب «الموافقات» لهذا المذهب وقواه غاية، وأجاب عما استدل به الأولون، ولابد من تخلص کلمات مما ذكره في مسائل متفرقة وأوراق ذوات العدد لتمام الفائدة وللاحتياج إليها فيما نحن بصدده، قال : مراعاة الحظ لا تضر في العاديات والعباديات إلا إذا انفردت بالمراعاة، أما إذا كانت تابعة للمقاصد الأصلية بالفعل كان يقول هذا المأكول أو الملبوس أباح لي الشرع الانتفاع به فأنا آخذه من هذا الطريق، أو بالقوة كان يتوصل إليه من الطريق المأذون فيه من غير أن يخطر الإذن بباله فلا تضر واستدل على ذلك في العاديات بأنه لو لم يكن كذلك لما جاز لأحد أن يتصرف في أمر عادي حتى يستحضر هذه النية. وهذا غير صحیح باتفاق، ولم يأمر الله ولا رسوله بذلك ولا نهى عن قصد الحظوظ في الأعمال العادية مع قصده الإخلاص فيها، فدل على أن تلك المراعاة لا تنافی الإخلاص، فإن قيل فإذا كان كذلك فبأي وجه يقع الإخلاص فيها. قيل بأن يكون معمولا على مقتضى المشروع، لا يقصد به عمل جاهلي، ولا اختراع شيطاني، ولا تشبه بغير الملة كشرب الماء والعسل في صورة شرب الخمر، وأكل ما صنع التعظيم أعياد اليهود والنصارى وإن صنعه المسلم أو ما ذبح على مضاهاة الجاهلية وما أشبه ذلك واستدل عليه في العبادات بأن القرآن قد جاء بأن من عمل جوزي، ومن يعمل كذا جوزي بكذا، وهذا بلاشك تحريض على العمل بالحظوظ. فلو كان قادحا لكان القرآن مذكرا بما يقدح في العمل، وذلك باطل باتفاق، وأيضا فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) ليسأل عن العمل الذي يدخل الجنة ويبعد من النار فيخبر به من غير احتراز ولا تحذير من طلب ذلك.

وقد أخبر الله تعالى عمن قال : (إنما نطعمکم لوجه الله)[8] بقولهم: (إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا)[9]، وفي حديث بيعة الأنصار قولهم لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): «اشترط لربك واشترط لنفسك» فلما اشترط قالوا : فما لنا؟ قال : الجنة. الحديث، فهذا كله يدل على أن العمل المراعي فيه دخول الجنة أو النجاة من النار عبادة مخلصة صحيحة بالمعنى الذي ذكرناه، وأجاب عما استدل به الأولون بأن الحظ في العبادة لا يخلو من أن يكون أخرويا كما نحن فيه أو دنيويا.

فأما الأول فإن الشرع اعتبره، فمن راعاه لم يتعد حد الشارع ولا أشرك مع الله في العمل، ولا قادحا في الإخلاص أيضا لأنه تعالی رتبه عليه في قوله : ( إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم) [10] إلى قوله (في جنات النعيم) فتعين أن الجزاء لا ينافية، وأيضا الإخلاص أن لا يشرك معه غيره.

وطلب الحظ ليس بشرك إذ لا يعبد الحظ وإنما يعبد من بيده الحظ، وأما إن كان الحظ دنيويا فتارة يرجع إلى صلاح الهيأة وحسن الظن عند الناس واعتقاد الفضيلة للعامل بعمله، فإن كان هذا القصد متبوعا فلاشك أنه رياء لأن الباعث له على العمل قصد الحمد، وأن يظن به الخير وينجر مع ذلك كونه يصلي فرضه أو نفله وإن كان تابعا بأن كان الحامل على الصلاة مثلا أداء الفرض فيعرض له في أثنائها أنه يحب أن يلقى في طريق المسجد وأن يعلم به فهو محل نظر وقد كرهه ربيعة[11] وألغاه مالك وعده من الوسوسة أي أن الشيطان يأتي له إذا سره مرأى الناس له على الخير فيقول: إنك مرائي وليس كذلك وإنما هو أمر يقع في القلب لا يملك فلا يؤاخذ به ولا يؤثر، وتارة يرجع الحظ الدنيوي إلى ما يخص الإنسان في نفسه مع الغفلة عن غيره كالصلاة في المسجد للتأنس بالجيران، والصلاة بالليل لمراقبة أو مراصدة أو مطالعة أحوال، والصوم توفيرا للمال أو استراحة من عمل الطعام أو احتماء لمرض يجده أو يتوقعه أو بطنة تقدمت له، والصدقة للذة السخاء، والحج لرؤية البلاد، والاستراحة من الأنكاد، أو للتجارة والهجرة مخافة الضرر وتعلم العلم للاحتماء من الظلم، والوضوء للتبرد وما أشبه هاته الأمور، فهذا أيضا محل اختلاف إذا كان القصد تابعا القصد العبادة. وقد التزم الغزالي فيها أنها خارجة عن الإخلاص بشرط أن يصير العمل عليه أخف.

وأما ابن العربي[12] فذهب إلى ذلك وكان مجال النظر فيها يلتفت إلى انفكاك القصدين وعدمه، فابن العربي يلتفت إلى الانفكاك فيصحح العبادة وهو أوجه لأن القرآن الكريم يقول : (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) [13] يعني في مواسم الحج، وقال ابن العربي في الفرار من الأنكاد بالحج أو الهجرة إنه من دأب المرسلين فقد قال الخليل عليه السلام : (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) [14] وقال الكليم (صلى الله عليه وسلم): (ففررت منكم لما خفتکم) [15] وقد كان (صلى الله عليه وسلم) جعلت قرة عينه في الصلاة، فكان يستريح إليها من تعب الدنيا، وكان فيها نعيمه ولذته وفي الصحيح : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» وأطال في هذا فراجعه إن شئت.

وقال أبو عبد الله البقوري[16] في القاعدة الثانية والعشرين من «جامع ترتيب القواعد والفروق» ملخصا لكلام القرافي : «وأما مطلق التشريك فلا يضر كمن جاهد ليحصل له الأجر والغنيمة وهذا جائز بالإجماع، ثم ذكر مسألة الحج مع قصد التجارة والصوم لصحة الجسد، والوضوء للتبرد، فانظر حكايته الإجماع مع ما ذكره الشاطبي.

وتحصل أن الراجح الذي يعول عليه أن مراعاة الحظ في العبادة لا يوهنها أخرويا كان أو دنيويا إلا إذا بلغ حد الرؤيا كما تقدم ونذكره الآن، وإن الأكمل عدم مراعاتها.

ونقل بعض شراح الأربعين النووية[17] عن شيخ الإسلام في شرح الرسالة القشيرية[18] «أن العبادة لها ثلاث درجات، عليا ووسطی وسفلية العليا أن يعمل امتثالا للأمر قياما بحق الربوبية، والوسطى أن يعمل لثواب الآخرة، والسفلى أن يعمل للإكرام في الدنيا، وهذا متنزل على ما ذكرناه من أن مراعاة الحظ الأخروي الدنيوي لا تضر” غير أنه رتبها في الكمال، ومراده بالعمل الإكرام ما قررنا آنفا، فاللام للعلة لا للعاقبة كما توهمة ناقله إذ هو غير صحيح لعزم منافاة الثالث في القسمين قبله حينئذ لصلوحية كل، لأن تكون عاقبة الإكرام، ومراده بالعمل الثواب الآخرة والإكرام مشاركته لامتثال لأمر كما هو موضوعنا إذ قد تقدم أن انفراد الحظ عن امتثال مضر من غير توقف، وهو دليل قوله (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الذي نحن بصدده : «ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه» فذكر عليه السلام أن من عمل لمصلحة نفسه فعمله مقصور على تلك المصلحة لا يتجاوزها إلى العبادة، ولا يضرب له بسهم فيها، وهذا هو الذي تحرز منه صاحبا التعريفين باشتراط التعظيم في العبادة لأن الفاعل لحظه غير معظم لربه ضرورة أن العمل ليس له.

ومثله في ذلك الرياء وهو أن يعمل عملا لا يريد به الله البتة بل الناس، وهو أعلى مراتبه، وهو الذي كان عليه المنافقون في الصدر الأول فإن إيمانهم وسائر أعمالهم لا يقصدون بها الله البتة وإنما قصدوا بها حقن دمائهم، وعصمة أموالهم، ويليه أن يعمل لوجه الله والناس بأن يعظموه فيصل إليه نفعهم، ويندفع عنه ضرهم. ويسمى هذا عوار الشرك، وهو عمل أكثر المرائين، قال شهاب الدين القرافي : أما الأول فلا عمل له ينظر فيه بأنه فاسد أم لا، وأما الثاني فباطل لا اعتداد به لقوله تعالى في الحديث : «أنا أغني الأغنياء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته له»، قال وأغراض الرياء ثلاثة : التعظيم وجلب المصالح ودفع المضار، والأول هو الأصل فإذا حصل جاءت المصالح واندفعت المضار» اه.

وإنما قلنا إن الرياء مثل من عمل لدنيا في بطلان العمل ولم نجعلهما قسما واحدا للفرق بينهما وذلك أن الرياء لابد أن يكون المعمول له ممن يرى ويسمع، والدنيا ليست كذلك وبهذا فرق القرافي بين الرياء الذي فيه ملاحظة أمر الله، وبين الجهاد الله وللغنيمة، قال لأن المال المأخوذ منها لا يرى ولا يسمع.

فتحصل مما قررناه في هذا الفصل أن الأعمال في حد ذاتها متساوية الأقدام، وأن النية هي المهينة لها لقبول الأحكام الفارقة بين الحلال منها والحرام، والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان. فالفعل إذا وقع من غير قصد لا اعتداد به في الأحكام التكليفية وإن قصد إيقاع فاعله فإن كان الحامل له على ذلك تلبية أمر الشارع وامتثاله معظما له بذلك كان من أعلى مراتب العبادة وإن شرك مع ذلك حظا أخرويا أو دنيويا لا يبلغ حد الرياء فالمرجح من القولين أنه عبادة، وصاحبه مرتکب لطريق السعادة، فإن قصد به تعظیم غير الله وإذلال نفسه إليه والتقرب منه بعمله لاعتقاده فيه النفع والضر بالتأثير أو الجاه في الدنيا والآخرة كان كفرا من غير إشكال، اذ هو عابد لغير مولاه، متبع لهواه.

واعتبر ذلك بالسجود فإنه فعل واحد ويختلف بالنية فإن قصد به التقرب إلى الله تعالى كان عبادة وإيمانا وإن قصد به تعظيم الصنم كان كفرا أو طغيانا، وهذان طرفان وبينهما وسائط وهي ما إذا قصد بعمله التقرب إلى الله وخلا عن امتثال الأمر فإن كان العمل ثم يأمر به الله ويخص هذا باسم البدعة وحكمها معلوم، وهي بهذا المعنى لا تكون إلا ضلالة كما ورد في الحديث وفيه : «وكل ضلالة في النار، وما إذا قصد بعمله دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها من غير ملاحظة أمر الله ويسمى هذا شرك أغراض، ومثله في ذلك المرائي الذي لم يتعلق الرياء بنفس إيمانه كالمنافق، وقد تقدم أن عملهم باطل شرعة، وأما الخروج عن الدين بذلك فلا.

وقد حكى بعض الفضلاء الإجماع على أن شرك الأغراض لا يكفر مرتكبه، وتبين من هذا أيضا الفرق بين العبادة والبدعة، وما كان معمولا الغرض دنيوي والرياء والشرك، والفرق بين هذه الأمور مهم غاية ومحتاج إليه في هذا المقام، وبه يظهر لك أن ما هو من جنس العبادة من الأعمال لا يلزم أن يقع عبادة على كل حال بل تارة يقع عبادة لله يثاب عليها وتارة يقع باطلا لا يترتب فيه ثواب ولا يلزم فيه كفر إلا إذا بلغ حد العبادة اللغوية ويدل على هذا الحديث الكريم لأن الهجرة من خصال العبادة وقد بين أنها تقع غير عبادة في قوله: “ومن كانت هجرته لدنيا”.

ولم يبلغنا أنه (صلى الله عليه وسلم) كفر الرجل المعروف بمهاجر أم قيس وهو رجل هاجر ليتزوج امرأة يقال لها أم قيس وفي شأنه ورد الحديث المذكور فدل على ما قلناه من أن من عمل ما هو من جنس العبادة لغير الله لا يكفر حتى يبلغ بها عبادة غيره تعالى على ما بيناه من حدها فبطل الأصل الذي تخيله هذا المبدع وبنى عليه التكفير وخالف بسببه الجماهير وهذا آخر الكلام على ما أوردناه من تعريفي العبادة الشرعية والحديث الدال على شرطها وهو النية. وبه تم الكلام على العبادتين وحصل المقصود من إبطال أعظم الجهالتين.

_____________________________

[1]. القاضي زاده: شيخ الإسلام محمد بيري زاده، (ت 1162 هـ/1749 م) ترجم أوائل مقدمة ابن خلدون إلى التركية.

[2]. البقاعي هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر، أبو الحسن برهان الدين، أصله من البقاع في سورية، سكن دمشق ثم بيت المقدس والقاهرة، له «عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران» في 4 مجلدات، ومختصره «عنوان العنوان»، و«نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» في 7 مجلدات ويعرف بمناسبات البقاعي أو تفسيره، و«جواهر البحار في نظم سيرة المختار» و«مصرع التصوف» و«مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور».

[3]. في الأصل التروك، ولعله المتروك، وهو ترك الشيء رغبة عنه أو عدم فعل مالا قدرة عليه.

[4]. البينة 5.

[5]. الراغب الأصبهاني أو الأصفهانی، حسین بن محمد بن المفضل، أبو القاسم المعروف بالراغب (ت 502ه/ 1108 م) سكن بغداد واشتهر حتى كان يقرن بالغزالی من كتبه «محاضرات الأدباء»، و«الذريعة إلى مكارم الشريعة»، و«جامع التفاسیر» و«المفردات في غريب القرآن» و«حل متشابهات القرآن».

[6]. الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد بن محمد (ت 505 هـ/1111 م) من كتبه «إحياء علوم الدين» و«تهافت الفلاسفة» و«مقاصد الفلاسفة».

[7]. الشاطبي الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسی اللخمي الغرناطي (ت 790 هر 1388 م) كتابه «الموافقات» من كتب أصول الفقه التي تبين مقاصد الشريعة، بسط فيها القول، ووضح أن الشريعة مبنية على مراعاة مصالح البشر وأنها نظام عام لجميع الناس في جميع الأمكنة والأزمنة.

[8]. الإنسان : 9 (إنما نطعمکم لوجه الله لا تريد منكم جزاء ولا شكورا).

[9]. الإنسان : 76.

[10]. الصافات : 41 و43 (أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مکرمون في جنات النعيم).

[11]. ربيعة بن فروخ التيمي بالولاء (ت 136 هـ/ 136 م) إمام، حافظ، فقيه، مجتهد، من أصحاب الرأي عند أهل الحديث، لقب بربيعة الرأي، كان صاحب الفتوى بالمدينة، وبه تفقه الإمام مالك.

[12]. ابن العربي : القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله المعافري الاشبیلي (ت 543 هـ/1148 م) صاحب كتاب «أحكام القرآن»، وهو من التفاسير الفقهية يتعرض فيه لآيات الأحكام، وهو من أهم المراجع الفقهية في المذهب المالكي.

[13]. البقرة 198.

[14]. الصافات 99.

[15]. الشعراء 21.

[16]. البقوري، محمد بن إبراهيم أبو عبد الله (ت 707 هـ/1307 م) نسبة إلى بقورة بالأندلس، عالم بالحديث والأصول، له «إكمال الإكمال» للقاضي عياض على صحیح مسلم، وحاشية على كتاب شهاب الدين القرافي في الأصول عنوانه «جامع ترتيب القواعد والفروق»، وفي بعض المصادر اليقوري وهو تحریف.

[17]. هو كتاب الأربعين حديثا النووية، اختارها النووي وهو محيي الدين أبو زکریا، يحيى بن شرف النووي الشافعي (ت 676 هـ/1277 م)، من كتب «تهذيب الأسماء واللغات» وهو في تراجم الرجال الواردة أسماؤهم في كتب الشافعية، «المجموع في شرح المهذب» وهو في فقه الشافعية، وهو شرح كتاب المهذب لأبي اسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (ت 476 ه) في الفقه الشافعي وأبوابه وأحكامه وفروعه، يذكر فيه آراء العلماء في مسائله ويستعمل الترجيح بينها.

[18]. القشيري: عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري، أبو القاسم، زين الإسلام (ت 465 هـ/1072 م)، أقام في نيسابور وتوفي فيها، له «الرسالة القشيرية» في التصوف شارحها القاضي زاده، و«التيسير في التفسير، ويسمى التفسير الكبير، و«لطائف الإشارات» في التفسير في ثلاثة أجزاء.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد