ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 15 مايو 2018 زيارة: 15

الغاء الخلافة

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: أشكالية الدولة الإسلامية، تصور الحركات الإسلامية المعاصرة، ص55-60
المؤلف: معين محمد الرفاعي

استغلت الدول الغربية «الثورة» التي قامت بها «جمعية الاتحاد و الترقي», فضمت النمسا «البوسنة والهرسك», وضمت اليونان جزيرة «كريت», وأعلنت بلغاريا استقلالها التّام بمعاونة روسيا، وقامت الثورات في ألبانيا والمناطق العربية؛ فأعلن السلطان عبدالحميد الثاني أنّ الحكام الجدد في اسطنبول ليسوا أتراكاً ولا مسلمين, بل هم يهود وماسونيون، هدفهم القضاء على الإسلام والخلافة، داعياً الجنود ورجال الدين إلى إسقاطهم؛ فقام الجنود بقتل ضباطهم وأعلنوا ولاءهم للإسلام وللسلطان خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

غير أنّ قائد الجيش العثماني المتمركز في مقدونيا، وهو عربي يدعي محمود شوكت باشا، زحف نحو اسطنبول، وأسند إلى مصطفى كمال قيادة أركان الحرب، فأخمد الثورة المضادة، وخلع السلطان عبدالحميد وجنه في مدينة سالونيك.

وفي عام (1330م/ 1912م)، تمكن أتاتورك من صدّ 9 هجمات قام بها البلغار الذين حاولوا الدخول إلى اسطنبول، وصمد أمامهم في معركة جن غاليبولي. كما تمكن عام (1333ه/ 1915م) من الصمود في وجه محاولات الإنجليز السيطرة على مضيق الدردنيل، حتى يئسوا من ذلك.

وفي عام (1335ه / 1917م)، وبعد رجوع أتاتورك من الجبهة السورية إلى اسطنبول، وجد أن قوات الحلفاء كانوا قد سيطروا على كل شيء: استولت البوارج البريطانية على البوسفور، واحتلوا العاصمة وكل قلاع الدردنيل وسائر المواقع العسكرية المهمة، كما دخلت فرنسا اسطنبول، واحتلت الجيوش الإيطالية «بيرا» وسيطروا على خطوط السكك الحديدية، وأشرف ضباط الحلفاء على شؤون الشرطة والحرس الوطني، وعلى الميناء، وعلى تجريد القلاع من أسلحتهاء وتسريح الجيش، وكانت قد تألفت حكومة برئاسة توفيق باشا، المعروف بصداقته للإنجليز، رغم أنه كان من رجال عبد الحميد.

توجه أتاتورك إلى الصدر الأعظم السابق، عزت باشا، ليقنعه بالعودة إلى الحكم، وأن يختاره هو وزيرا للحربية، غير أن محاولته باءت بالفشل، وعندها توجه نحو الأناضول، بقرار من الحكومة، لإخماد الثورة فيها، غير أنه استخدم «المساجد» للحض على الثورة، واتخذ من أنقرة مركزاً لمن معه، وعقد في 23 نيسان 1920 (4 شعبان 1338 ه)، مؤتمراً وطنياً، أسفر عن إعلان حكومة جديدة اعتبرها الحكومة الشرعية الوحيدة في البلاد، كونها خارج سيطرة الحلفاء، وشكل برلماناً جديدة، وطالب الخليفة بالاعتراف بهما وإقرار سلطتيهما.

استغل أتاتورك توقيع حكومة اسطنبول، برعاية الخليفة وحيد الدين خان (الملقب بمحمد السادس : 1336 – 1341ه / 1918 – 1922م)، على معاهدة «سيفر»، التي ضمنت بقاء السلطان، مقابل تقسيم تركيا، ووضع المضائق تحت مراقبة لجنة دولية، ومنح الأكراد استقلالا ذاتيا، واستقلال أرمينيا، ومنح اليونان تراقيا وأزمير، والتخلي عن سوريا والعراق وولاية الموصل، وإقرار الاحتلال البريطاني لمصر، وضم قبرص إلى انجلترا، والاعتراف بالاحتلال الفرنسي على مراكش وتونس، وضم ليبيا إلى إيطاليا، إضافة إلى تحديد قوات السلطان بخمسين العظمى ألف رجل منهم خمسة وثلاثون ألفا من الدرك، وإعادة العمل بامتيازات ادول العظمى.

انفجر الغضب التركي في الشارع، واستغل أتاتورك الوضع، فأقر المجلس الوطني الكبير سلطة مطلقة لرئيسه أتاتورك، وأقر دستوراً خوله القيام بمهام السلطتين التشريعية والتنفيذية، إضافة إلى رفض معاهدة «سيفر» المذلة.

خاض جيش أتاتورك مواجهات عنيفة استطاع خلالها استعادة اسطنبول من البريطانيين، وتحرير إزمير من اليونانيين، ودحر الإيطالين من قونيا وهزيمة الفرنسيين في كيليكيا، ما أجبر الحلفاء على عقد هدنة اعترفوا فيها بعودة اسطنبول وباقي المناطق التي سيطر عليها أتاتورك إلى السيادة التركية. وكانت الحاجة ملحة لدى الحلفاء لعقد معاهدة جديدة، بدلا من معاهدة «سيفر»، فعمدوا إلى توجيه الدعوة إلى حكومتي تركيا اسطنبول الشرقية وأنقرة الوطنية لحضور مؤتمر لوزان. عندها عمد أتاتورك إلى إقناع النواب بخلع السلطان وحيد الدين خان، وإلغاء السلطنة. وصعد إلى المنصة واقترح عليهم الفصل بين الخلافة والسلطنة، فتبقى الخلافة، ولكن يتم خلع وحيد الدين كسلطان. فتشكلت لجنة قانونية لدراسة الاقتراح.

ولما وجد أتاتورك معارضة وسط نقاشات حادة، صعد المنضة وصاح بالنواب: اسواء وافقتم أم لم توافقوا فسوف يحدث هذا… كل ما في الأمر أن بعض رؤوسكم سوف تسقط في غضون ذلك!

وبعد أسبوع واحد، في الأول من تشرين الثاني عام 1921 م (29 صفر 1340 ه)، تم إعلان فرار السلطان وحيد الدين خان، بعد أن نقلته بارجة بريطانية إلى سويسرا، ونودي بابن أخيه عبد المجيد الثاني خليفة للمسلمين (1341 – 1342ه/ 1922 – 1924م).. خليفة فقط لا سلطانا !

وبعد التوقيع على معاهدة لوزان، واستتباب الأمر لأتاتورك الذي نادى بأن تصبح تركيا جمهورية، وبعد أن أسس «حزب الشعب»، مسيطراً على كل الصلاحيات، وبعد أن فرغ من تنظيم لجان الحزب في المدن والمناطق المختلفة، واطمأن إلى أن الجيش والحزب بيديه، بدأ هجومه على النواب، نطالب بإلغاء حصانتهم من الاعتقال والمحاكمة، وفرض رقابة صارمة على الصحف، وأمر الشرطة بمنع أي اجتماع أو خطاب عام!

حاول النواب التفاهم معه، وسعوا إلى إقناعه بالفصل بين رئاسته للدولة ورئاسة الحزب، فرفض ذلك. وذهب أبعد من ذلك حين وضع دستوراً جعل منه رئيسا للجمهورية والمجلس الوزراء وللمجلس الوطني معاً!

غير أن خصوم أتاتورك، وقد وجدوا أن الفرصة باتت سانحة له للفتك بهم، أثاروا المعارضة ضد الجمهورية والحكم المطلق، فغادروا أنقرة إلى اسطنبول والتفوا حول الخليفة عبد المجيد الثاني، وعرضوا عليه خطة ترمي إلى تنصيبه سلطاناً دستورياً. وبذا، أصبح الخليفة سلاحا للمعارضة في وجه أتاتورك، التي تحركت لإثارة الشعور الديني لدى الأتراك، فخشي أتاتورك من ذلك، ولا سيما أن الخليفة بدأ يحيي تقاليد أسلافه من السلاطين العظام، وتسير وراءه الجموع مهللة مكبّرة أثناء توجهه لصلاة الجمعة في مسجد «أيا صوفيا»، وأخذ يستقبل علية القوم، وكذلك السفراء والمبعوثين الأجانب.

في البدء، أرسل أتاتورك إلى والي اسطنبول أمراً حازماً بمنع الخليفة من مظاهر الأبهة واستقبال الوفود، كما أحضر المعارضة إلى أنقرة وأجبرهم على قسم يمين الولاء للجمهورية وله هو شخصياً. غير أن هذه الإجراءات زادت من غضب رجال الدين والرأي العام، وبدأت الجماهير تهاجم مراكز ولجان حزب الشعب. ولم يجد أتاتورك بدأ من إخماد تلك الثورة أو التراجع أمامها، وإلا أطاحت به.

واستغل أتاتورك خطابة أرسله له الزعيمان الهنديان المسلمان أغا خان وأمر علي يطالبانه فيه باحترام مقام الخليفة الذي هو خليفة على كل المسلمين وليس خليفة على الأتراك وحدهم. فأثار الأمر في المجلس الوطني، متهمة أغا خان بانه عميل لبريطانيا التي استخدمت صنيعتها أغا خان كي يظاهر الخليفة ويشطر الأتراك إلى معسكرين. غير أن المجلس الوطني انقسم بدوره إلى معسكرين، فوقف أتاتورك قائلا: «أليس من أجل الخلافة والإسلام ورجال الدين، قاتل القرويون الأتراك وماتوا طيلة خمسة قرون؟ لقد آن الأوان أن تنظر تركيا إلى مصالحها، وتجاهل الهنود والعرب وتنقذ نفسها من تزعم الدول الإسلامية».

وفي 3 آذار 1924 م (26 رجب 1342 ه)، تقدم أتاتورك بمرسوم إلى المجلس الوطني يقضي بإلغاء الخلافة وطرد الخليفة وفصل الدين عن الدولة.. وخاطب النواب المنفعلين بقوله: «بأي ثمن يجب صون الجمهورية المهددة وجعلها تقوم على أسس علمية متينة؟ فالخليفة ومخلفات آل عثمان يجب أن يذهبوا، والمحاكم الدينية العتيقة وقوانينها يجب أن تستبدل بها محاكم وقوانين عصرية، ومدارس رجال الدين يجب أن تخلي مكانها لمدارس حكومية غير دينية.

أقر المجلس الوطني القانون دونما مناقشة. وفي الليلة ذاتها، أصدر أتاتورك قرارا يقضي بخروج الخليفة من الجمهورية التركية قبل بزوغ فجر اليوم التالي. وأرغم الخليفة على ركوب سيارة نقلته عبر الحدود.. إلى سويسرا!

كان أتاتورك يعتقد أن الإسلام، هو سبب ضعف تركيا وتمزقها. وكان مما قاله : «إن غلطة آل عثمان وآل سلجوق من قبلهم، كانت نسيانهم لتركبتهم لانتمائهم إلى الجامعة الإسلامية ونسيانهم جنسيتهم، فكانت النتيجة أنها (تركيا) ارتضت الذل والأسر وتدحرجت إلى هدف حقير جعلها مستعبدة في سبيل الله».

وبعد أن أصبح «الغازي» مصطفى كمال أتاتورك مطلق الصلاحيات، وبعد إزالة منصب الخليفة، وجد أن الطريق بات مفتوحة أمامه للمضي قدما في حملة «التحديث / التغريبة» التي كان السلاطين العثمانيون قد اختطوا طريقها منذ ما يقرب من قرن من الزمن على أقل تقدير. في الواقع، ثمة من يرى أنّ مشروع أتاتورك التغريبي «جاء تعبيراً عن تراث العلمنة والتغريب في الإمبراطورية العثمانية، والذي تصاعد خلال عصر التنظيمات، كاستجابة  للتحدي الذي فرضه صدام الغرب في طوره الاستعماري مع الشرق الإسلامي منذ نهاية القرن الثامن عشر».

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد