ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 29 سبتمبر 2018 زيارة: 28

الكلام في بيان قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا”

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: درس الجمعة بالأزهر (2/ 136-141)
تأليف: الشيخ صالح بن محمد صالح الجعفري

المسلمون الذين يحضرون إلى القاهرة لزيارة سيدنا أبي عبد الله الحسين في مولده (رضي الله عنه) عملهم هذا مقرر شرعا، لأن زيارة القبور سنة قولية وفعلية، لقوله (عليه الصلاة والسلام): “كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها” ومن باب أولى زيارة قبر المصطنی (عليه الصلاة والسلام)، خلافا لما ذكر ابن تيمية من تحریم شد الرحال إليها.

وقد أنصف الحافظ ابن حجر الهيثمي (رحمه الله) حين رد على ابن تيمية هذا[1]، مقررا أن أبن تيمية يخطئ ويصيب، وما من معصوم بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ثم إن عامة المسلمين الذين خصصوا يوما في العام يأتون فيه من بلادهم لزيارة سيدنا ومولانا الحسين تشهد لهم أحاديث عديدة من السنة، وقد مكثت أبحث طوال عشرين سنة حتى وصلت إلى الآتي:

روى الحافظ ابن سيد الناس في كتابه «عيون الأثر» في باب مناقب أهل بدر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يزور شهداء بدر کل عام مرة.

هذا الحديث يؤخذ منه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يخصص يوما في السنة لشهداء بدر – يزورهم فيه، كما يؤخذ منه أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه كانوا يشدون الرحال، ويأخذون معهم المال والزاد، مثل أهل مصر حينما يحضرون لزيارة الإمام الحسين ومعهم زادهم وطعامهم فيزورون ثم يرجعون.

وعندما طالعت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خصص يوما لزيارة الشهداء من الصحابة فرحت فرحا شديدا.

والإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنه) يقول: العمل بالحديث الضعيف أحب إلي من آراء الرجال.

هذا مذهبه، والحمد لله، فإن الحديث الذي ذكرته حسن بأسانيده، فهو أولی بالاتباع.

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يخصص يوم السبت لزيارة مسجد قباء. فهذه الأماكن بعيدة عن المدينة، يحتاج المرتحل إليها إلى ركوب الدواب وشد الرحال إليها، وإذا كان هذا قد ثبت وصح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو واجب الاتباع، ولا عبرة بمخالفة ابن تيمية في هذا، لأنه ليس معصوما، بل هو عالم يجتهد ويخطئ.

وأيضا فإن علماء نجد يذهبون بالسيارات لزيارة قبر سیدنا حمزة وشهداء أحد كل حول مرة، وهناك حديث آخر عن تخصيص يوم في العام للزيارة مثلما يفعل المصريون الآن عندما يزورون سيدنا الحسين (رضي الله عنه).

قال لي قائل: سيدنا الحسين (رضي الله عنه) شهد في الجنة، فلمن يأتي الزائرون في هذا الضريح ؟

فقلت له: نحن نصدق بأن سيدنا الحسين في الجنة، وحيث إنه قد ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد زار مقابر الشهداء – وهم في الجنة – فنحن نقتدی بفعله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزر الشهداء فقط، بل خاطب أهل القليب[2]: فجعل يناديهم بأسماتهم وأسماء آبائهم: «يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان يسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا رينا حقا فهل وجدتم ما وعد ریکم حقا؟! فقال عمر (رضي الله عنه) يا رسول الله: ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها ؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم” رواه البخاري.

فسيدنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تكلم مع أموات الكفار بكلام الحي مع الحي فكيف إذا وقفنا أمام القبر الشريف، وتكلمنا مع سيد العالمين، بل نتكلم معه بما تحب أن نكلمه به، فهو يسمعنا، ویرانا، ويعرف كلامنا، وعلى هذا سار من قبلنا من العلماء والصالحين، ونحن بسیرهم نسير (إن شاء الله).

قاعدة شرعية:

وهناك قاعدة شرعية، أقرها العلماء، وهي تقول: ما يوصل للواجب فهو واجب، وما يوصل إلى السنة فهو سنة.

نعم يا أخي! أليس الحاج مهاجرا؟ فالمال الذي يدفعه أجرة للسفر واجب ويثاب عليه ثواب الواجب، ومصاريف العمرة ثوابها كثواب السنة. وهكذا ولو أن مسلما دفن والده في مكان بعيد عنه، ورغب في فعل سنة “زيارة قبر والده”، فما يدفعه من مال – أجرة المواصلات يأخذ حكم السنة ويثاب عليه ثواب السنة فهو حينئذ يأخذ ثواب السنة وثواب الوسيلة التي توصل إليها. ولما كانت الصلاة فرضا وكان الوضوء هو الوسيلة إليها أخذ الوضوء حكم الواجب لأنه لا يصلى إلا بوضوء فجعله الله فرضا وهكذا زيارة المقابر أما كلام ابن تيمية السابق فلكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة.

قال الإمام مالك (رضي الله عنه): “كل ابن أنثى يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر (صلى الله عليه وآله وسلم)”.

بيان شاف:

قال العلماء: (شد الرحال) خرجت مخرج الغالب كقوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم)[3] فهي محرمة ولو لم ترب، أما شد الرحال للصلاة وهو المقصود في هذا الحديث فمعناه: لا ينتقل أحدكم من مسجد إلى مسجد آخر معتقدا بأن الصلاة في المسجد المنتقل إليه أفضل. فلو أنني ذهبت إلى الصلاة في مسجد الإمام الشافعي لأجل حاجة لي عند أحد الأصدقاء فالذهاب لهذا الغرض لا شيء فيه.

ويستثنى من هذا العموم ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فمعنى الحديث: المساجد كلها متساوية في الفضل فلا ينتقل أحدكم من مسجد إلى مسجد معتقدا أن الصلاة فيه أفضل ما لم يكن المنتقل إليه أحد المساجد الثلاثة وقد أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما وشرح الحفاظ هذه الكتب ولم يقل واحد منهم بأن الحديث وارد للنهي عن شد الرحال لزيارة القبور فيجوز أن تنتقل من مسجد إلى مسجد لموعد مع أصحاب أو لسماع درس أو لسماع خطيب محبوب لا لأفضلية في هذا المسجد عن غيره.

فالذين جاءوا لزيارة سيدنا الحسين فعلهم هذا سنة، والمال الذي دفعوه في القطار في حكم السنة يثابون عليه ثواب السنة، ومن يعترض عليهم مخطئ لأنه يعترض على أمر فعله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

_________________________

[1]. في كتابه “الدر المنظم في زيارة القبر المعظم“.

[2]. مكان منخفض ببدر أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإلقاء جثث الكفار فيه.

[3]. النساء: 23.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد