ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 31 أكتوبر 2017 زيارة: 28

المجاز عند ابن تيمية

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: بعض أفكار ابن تيمية في العقيدة ص48-55
تأليف: الدكتور محمد سالم أبو عاصي

وبعد هذا كله نقول: ما دفاع ابن تيمية عن مذهبه حيال مكابرته هذه في إنكار المجاز في نصوص الشرع.

إن دفاعه يتمثل في حجتين اثنتين:

الحجة الأولى: سلف الأمة وهم خيرتها لم يجنحوا إلى أي تأويل تفصيلي ولم يزيدوا على أن أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه.

الحجة الثانية: أن اقتحام المجاز والاستعارة في نصوص الصفات لا يعدون كونه لونا من ألوان التعطيل.

إن مهمتنا هنا أن نتساءل في موضوعية مطلقة أصحيح أن السلف الصالح لم يجنح إلى أي تأويل تفصيلي؟ وعلى فرض ذلك أصحيح أن تأويل هذه الصفات بما يتفق وأصول الدلالات اللغوية نوع من التعطيل؟

ونبدأ بنقص الحجة الأولى فنقول:

1- إن الصحابة على فرض أنهم قد سكتوا في هذا الأمر لكن لم ينقل عنهم نفي للتأويل والحجة في النفي لا في السكوت إذ لا ينسب إلى ساكت قول. وعلى ما سبق بيانه فإذا كانت العبارات المروية تدل على التفويض فليس في العبارات المروية إقرار للجهة.

2- ما أكثر من ذهب من علماء السلف إلى التأويل التفصيلي في نصوص الصفات. من ذلك ما صح من تأويل الإمام أحمد (جاء) في قوله: (وجاء ربك) [الفجر: 89/22] بمعنى وجاء أمر ربك، كما قال تعالى: (أو يأتي ربك) [النحل: 16/33] [1].

ومن ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “لقد ضحك الله الليلة من فعالكما” في حديث طويل تضمن قصة الأنصاري الذي أكرم مثوى ضيف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وبات هو وزوجته طاويين وقد أخرجه البخاري ومسلم كل منهما عن طريق فقد أول البخاري الضحك بالرحمة[2].

وأول ابن عباس قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق) [القلم: 68/42] فقال: يكشف عن شدة، نقل ذلك عنه بسند صحيح ابن حجر في فتح الباري والطبري في تفسيره[3].

وكذلك نجدهم أولوا (المعية) مثل قوله: (وهو معكم أين ما كنتم) [الحديد 57/4] فالمأثور عن مفسري السلف: أن معناها: هو معكم بعلمه وإحاطته وهذه هي المعية العامة.

وأما المعية الخاصة، مثل قوله تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هو محسنون) [النحل: 16/128] فمعناها التأييد والعون من الله.

وهذا ما قرره ابن تيمية نفسه، وإن كان لا يسميه تأويلا[4].

ومن ذلك أيضا ما نقله الإمام البيهقي في الأسماء والصفات عن حماد بن زيد من تأويله لنزول الله تعالى إلى السماء الدنيا الوارد في أحاديث النزول بإقباله (جل جلاله) إلى عباده [5].

ومن ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح والبغوي في تفسيره عن عبد الله بن عباس وأكثر المفسرين أنهم تأولوا (استوى) في قوله عز وجل: (الرحمن على العرش استوى) [طه: 20/5] بمعنى ارتفع. ومثله ما ذكره ابن حجر عن ابن بطال من كلام طويل عن معنى الاستواء في الآية المذكورة إلى أن قال: “… أما تفسير (استوى): علا فهو صحيح وهو المذهب وقول أهل السنة[6].

ومن ذلك ما ذكره ابن تيمية نفسه عن جعفر الصادق (رضي الله عنه) من تأويله (الوجه) في قوله: (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص: 28/88]. وما رواه الضحاك من تأويله (الوجه) بذات الله. أما هو – أي ابن تيمية – فقد رجح أن يؤول (الوجه) بمعنى الجهة … ثم قال: وهكذا قال جمهور السلف.

وبعد، فهذه طائفة من النصوص الواردة في مسألة الأسماء والصفات قد تأولها كثير من رجال السلف تأويلا تفصيليا.

أما نقض الحجة الثانية:

وهي أن التأويل لون من التعطيل فلا جرم أن الأمر ليس على هذا المنوال البتة.

كيف ولو تنبه هؤلاء التميميون إلى ما ذكرناه آنفا من تأويلات السلف التفصيلية إذن لعلموا بطلان دعواهم هذه.

فإذا سلمنا أن هذه التأويلات غير واردة ولا واقعة من سلفنا الصالح (رضوان الله عليهم) فإن ذلك لا يكون حجة على منع التأويل وتجريمه على ما سبق بيانه.

يقول شيخنا العلامة الدكتور البوطي (حفظه الله) مبينا علل إحجام السلف عن التأويل:

“منها التهيب من الخوض فيما لا يرون من أنفسهم القدرة على الخوض فيه، مع العلم بأن موجب هذا التهيب قد لا يكون جهالة ولا عجزا في الملكة العلمية وإنما هو على الأرجح وفي الأغلب من آثار فرط مخافة الله وجلاله في القلب.

ومنها الظرف المحيط بهم والحالة التي كانوا عليها، فإنهم لم يكونوا يجدون من حولهم ما يدعوهم على أن يقتحموا هذا المخاطر ويوجعوا رؤوسهم بما لهم عنه بد وغنى.

ومنها الانطلاق من موقف اجتهادي لا يلزم غيرهم، لا سيما الذين يتمتعون بملكة علمية تؤهلهم للنظر والاجتهاد ونحن من يرى أن مذهب الصحابي ليس حجة بحد ذاته فكيف بمذاهب التابعين وتابعيهم؟

فإذا كانت هذه الأسباب كلها محتملة فإن الاحتجاج بموقفهم اعتمادا على احتمال وجود سبب آخر هو حرمة التأويل ووجوب الوقوف عند ظاهر الصفات، هذا الاحتجاج يصبح باطلا لا وجه له لأنه اعتماد على دليل أعم من المدعى. ومن المعلوم أن قيام الاحتمال يسقط الاستدلال …

ثم يقول: فالاجتهاد في تأويل هذه الكلمات ضمن الدلالة اللغوية وأصولها وضمن ما تقتضيه كليات العقيدة الإسلامية ومبادئها المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة اجتهاد مقبول”[7].

والعجب كل العجب أن ابن تيمية يصر على التوكيد بأن ما يقوله في هذه المسألة هو رأي السلف وأنه في ذلك متبع لا مبتدع.

ونحن نقول له: هل العبارات المروية عن السلف صريحة في إثبات جهة العلو والاستواء بمعنى الجلوس إن العبارات المروية عنهم هي إلى التفويض أقرب منها إلى التفسير. ودونك العبارة المأثورة عن الإمام مالك (رضي الله عنه):

“الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة”. إن العبارات بفحواها ومعناها لا تدل على أن الاستواء من جنس الجلوس الذي نعلمه إنه بلا شك معلوم بالذكر في القرآن والإيمان بما جاء بالقرآن واجب، ولكنه بعد ذلك نهى عن السؤال عنه، واعتبره بدعة أليست الكلمة في ذاتها دالة على التوقف لا على النص وإن ابن الجوزي يحكي عن السلف التوقف ولا يحكي عنهم البت بقول في الموضوع ويعتبر الإمام أحمد متوقفا.

وإنه قد روى أن الإمام أحمد (رضي الله عنه) لما سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم قال: “نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى” ولقد روى الخلال في مسنده عن الإمام أحمد أنهم سألوه عن الاستواء فقال: “استوى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف” وهذا تفويض وتنزيه وليس فيه تخريج اللفظ على الظاهر ولا غير الظاهر.

بل إنه قد روى حنبل ابن أخي الإمام أحمد أنه سمعه يقول: “احتجوا علي يوم المناظرة فقالوا: تجيء يوم القيامة سورة البقرة، وتجيء سورة تبارك، قال: قلت لهم إنما هو الثواب، قال الله جل ذكره: (وجاء ربك والملك صفا صفا) [الفجر: 89/22] وإنما تأتي قدرته” وهذا بلا شك تفسير للمجيء بمجاز الحذف وهو ظاهر ولكن ابن تيمية (رضي الله عنه) يقول المجيء مجيء الله !!.

_________________________

[1]. ينظر الأسماء والصفات ص (292)، مع تعليق الإمام العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري.

[2]. ينظر فتح الباري (7/82)، والأسماء والصفات (70).

[3]. جامع البيان (29/38)، وفتح الباري (13/428).

[4]. ينظر مجموع الفتاوى (6/21-23).

[5]. ينظر الأسماء والصفات (456).

[6]. ينظر فتح الباري (13/315)، وتفسير البغوي عند قوله: (الرحمن على العرش استوى) [طه: 5].

[7]. ينظر السلفية مرحلة زمنية لا مذهب إسلامي ص138.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد