ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 22 مارس 2019 زيارة: 1691

المجاز في اللغة والقرآن الكريم

(غير مصنفة)
الكتاب: تأويل السلف لصفات الله تعالى (ص11-21)
تأليف: الأستاذ الدكتور محمد ربيع جوهري

درسنا في المعاهد الأزهرية ضمن المناهج الدراسية للسنة الأولى الثانوية في الستينات (علم البيان) أحد علوم البلاغة التي أسسها علماء المسلمين من أجل بيان أسرار بلاغة القرآن الكريم وكان من أهم مباحث هذا العلم مبحث (الحقيقة والمجاز).

وكل منهما إما عقلي أو لغوي:

والحقيقة العقلية هي: إسناد الفعل أو معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر.

والمراد بمعنى الفعل: المصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفصيل والظرف والجار والمجرور.

والمجاز العقلي هو إسناد الفعل أو معناه إلى غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر لعلاقة وقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

مثل قوله تعالى: (وإذا تليت عليهم ءايته زادتهم إيمانا) فالآيات لا تزيد الإيمان وإنما الذي يزيده هو الله تعالى بسبب الآيات والعلاقة هنا هي السببية والقرينة استحالة وقوع الفعل من الآيات.

وعلاقات المجاز العقلي كثيرة غير السببية.

منها: الزمانية مثل: زيد نهاره صائم. والمراد صائم في نهاره.

ومنها: المكانية مثل (تجري من تحتها الأنهار) والنهر لا يجري لأنه الفراغ بين الشاطئين وإنما يجري الماء في النهر.

ومنها: الفاعلية، مثل: (فهو في عيشة راضية) أسند الرضا للمعيشة وهو في الحقيقة لصاحبها. فهي عيشة مرضية، ومثل: (خلق من ماء دافق) أسند الدفق إلى الماء وهو مدفوق لا دافق.

ومنها: المفعولية بأن يسند الفعل المبني للمجهول إلى الفاعل كقولهم: (سيل مفعم) فقد أسندوا اسم المفعول وهو مفعم إلى الفاعل وحقه أن يسند إلى المفعول: وهو الإناء مثلا، يقال: أفعم الإناء: ملأه.

والحقيقة اللغوية هي: الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب.

والمجاز اللغوي هو: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب لعلاقة وقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

وهذه العلاقة: إن كانت غير المشابهة فهو المجاز المرسل وإن كانت المشابهة فهو الاستعارة فكل منهما مجاز بالمعنى العام.

والمجاز المرسل له علاقات كثيرة منها:

1- الكلية: مثل (يجعلون أصابعهم في ءاذانهم من الصواعق حذر الموت) فالمراد بالأصابع: الأنامل.

2- الجزئية: مثل: (فتحرير رقبة مؤمنة) فالمراد بالقربة: العبد كله.

3- الحالية: مثل: (إن الأبرار لفي نعيم) فالمراد بالنعيم: الجنة والنعيم حال فيها.

4- المحلية، مثل: (وما تخفي صدورهم أكبر) أي قلوبهم والصدور محل لها.

5- اعتبار ما كان، مثل: (وءاتوا اليتامى أموالهم) أي: من بلغ الرشد ممن كان يتيما.

6- اعتبار ما سيكون، مثل: (إني أراني أعصر خمرا) أي عنبا، سيكون خمرا.

7- السببية، مثل: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) المراد القصاص والسيئة سببه، أي وجزاء فعلة قبيحة عقوبة مثلها في القبح.

8- المسببية مثل: (وينزل لكم من السماء رزقا) أي مطرا، والرزق مسبب عنه. وهناك علاقات كثيرة أخرى.

وأما القسم الثاني من المجاز اللغوي وهو الاستعارة فقد عرفوها بأنها: الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة المشابهة بين المعنيين وقرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي.

فهي في الأصل تشبيه حذف أحد ركنيه. فإن حذفنا المشبه وصرحنا بالمشبه به، فهي (الاستعارة التصريحية) مثل قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) فقد شبه الضلال بالظلام في عدم الاهتداء وشبه الهدى بالنور لأن كلا منهما يوصل صاحبه إلى بغيته ثم حذف الضلال واستعير له الظلام وحذف الهدى واستعير له النور، فهي استعارة تصريحية.

وأما إذا حذف المشبه ورمز له أو كنى عنه بشيء من لوازمه فهي (الاستعارة المكنية) مثل قوله:

إذا المنية أنشبت أظفارها               ألفيت كل تميمة لا تنفع

شبه المنية بالسبع وحذفه ورمز له بشيء من لوازمه وهو الأظفار.

وإذا العناية لاحظتك عيونها            نم فالمخاوف كلهن أمان

شبه العناية بإنسان، وحذفه وكنى عنه بالعيون.

وقد ألحق البلاغيون بالمجاز ما سموه: (مجاز الحذف والزيادة) وهو الذي يحدث بسببه تغيير في الإعراب.

مثال الحذف: قوله تعالى: (وسئل القرية التي كنا فيها) فقد حذف لفظ (أهل) فتغير إعراب القرية فصارت منصوبة بعد أن كانت مجرروة فقد استعمل النصب في غير موضعه، لأن النصب في (القرية) كان في حق المضاف فهو من هذه الجهة يشبه استعمال الكلمة في غير ما وضعت له فساغ أن يسموه مجازا أو ملحقا به.

ومثال الزيادة: قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) الكاف هنا زائدة لأن نظم الكلام ليس مثله شيء وزيادة الكاف غيرت الحكم الإعرابي لكلمة مثل فبعد أن كانت منصوبة خبرا لليس صارت مجرورة بالكاف فهو من باب المجاز بالزيادة الملحق بالمجاز عموما.

هذه أهم القواعد التي درسناها ونحن صغار مما سجله علماء البلاغة في مبحث (الحقيقة والمجاز).

ثم درسنا العلوم الإسلامية والعربية التي نشأت لخدمة كتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فوجدنا علماءنا الأكابر (رحمهم الله وجزاهم خيرا) يسيرون على هذه القواعد البلاغية.

فها هم علماء التفسير على اختلاف اتجاهاتهم يستخدمون في بيان أسرار بلاغة القرآن الكريم.

وها هم شراح الحديث النبوي خلال القرون المتعاقبة يستعملونها في بيان معاني أحاديث من أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا (صلى الله عليه وسلم).

وها هم علماء التوحيد عندما يعرضون لصفات الله تعالى التي يوهم ظاهرها مشابهة الله تعالى لخلقه في ذاته أو صفاته أو أفعاله يقولون: إن في المسألة مذهبين:

مذهب السلف: وهو إمرارها كما جاءت: وتفويض معناها إلى الله تعالى.

ومذهب الخلف: وهو تأويلها بما يتفق مع تنزيه الله عن الجسمية وتوابعها ومع قواعد اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم.

فالمذهبان متفقان على أن ظاهر اللفظ المادي غير مراد، وهذا ما يعرف بالتأويل الإجمالي والخلاف بينهما في التأويل التفصيلي وهو تعيين المراد.

هكذا سارت الأمور معي، أو سرت معها إلى بداية السبعينات من القرن الماضي وأثناء اشتغالي بالدراسات العليا، اشتريت فيما اشتريت كتاب الإيمان للإمام ابن تيمية.

فلما اطلعت عليه عجبت كل العجب لإنكاره تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز وأن هذا لم يعرف عند السلف ورأيته بيني أراءه في العقيدة في كل ما كتب على هذا الأمر.

إنه يقول في كتابه الإيمان: “هذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة بعد انقضاء القرون الثلاثة لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم”.

ويقول: “لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف. وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه: لم يقسم هذا التقسيم لا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنية على العربية كلام معروف في الجامع الكبير وغيره ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز”.

وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا من كلام أحمد بن حنبل، فإنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله: (أنا ونحن) ونحو ذلك في القرآن: (هذا من مجاز اللغة). يقول الرجل: إنا سنعطيك، إنا سينفعل، فذكر أن هذا من مجاز اللغة.

بهذا احتج على مذهبه من أصحابه من قال: إن في القرآن مجازا كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهم.

وقد أنكر طائفة أن يكون في اللغة مجاز لا في القرآن ولا غيره”.

قرأت هذا الذي  كتبه ابن تيمية وقرأت ما ساقه من أدلة على ما زعم. ولم أطمئن إلى ما كتب وعزمت على دراسة الموضوع دراسة متأنية، ولكن انشغالي بإنجاز رسالة العالمية (الدكتوراه) صرفني بعض الشيء عن ذلك. وإن ظلت الرغبة في  الكتابة فيه تعاودني رغم انشغالي بتأليف ما ألفت من كتب طبعت عدة طبعات.

ومنذ سنوات اطلعت على كتابي فضيلة الأستاذ العلامة الأزهري الدكتور عبد العظيم إبراهيم المطعني” (المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذ بين الإنكار والإقرار)، و(المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع عرض وتحليل ونقد) والأخير يقع في أكثر من ألف صفحة.

فوجدت الشيخ (رحمه الله) قد شفاني في كثير مما كنت أتمناه بل وأنى على بعض ما كنت سجلته في بطاقات مما نقلته من كتب (السلف) خلال سنوات طويلة مضت كلما مررت بنص من نصوص السلف في أحد المراجع في موضوع صفات الله تعالى. وتأويلها وإن كان هذا ليس مقصدا أساسيا للشيخ فيما كتب فمست الحاجة إلى أن أكتب فيه.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد