ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 23 يناير 2019 زيارة: 160

النذر والذبح للأنبياء والصالحين

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: سعادة الدارين في الرد على الفرقتين الوهابية ومقلدة الظاهرية (ج2، 47-52)
تأليف: الشيخ إبراهيم بن عثمان السمنودي
الشبهة:

قالوا إن النذر والذبح لغير الله تعالى لا يجوز بل هو من جنس دین المشركين فإنهم كانوا يفعلون ذلك تقربا لأصنامهم فالذي ينذر أو يذبح شيئا للأنبياء أو الأولياء ولو باسم الله تعالى وقصد التصدق عليهم مشرك لأن ذلك من العبادة التي لا تصلح إلا الله تعالى وحده، انتهى.

الجواب:

وهو كما ترى كلام مجمل وفيه نوع زيغ عن الصواب وقد حققه وفصله علماء أهل السنة من أئمة المذاهب الأربعة وأتباعهم (رضي الله تعالى عنهم).

ولكن حيث أن هؤلاء الملحدين خارجون عن المذاهب فتستدل أولا على رد كلامهم وتبيين زيغهم من الكتاب والسنة كما يزعمون.

ثم نذكر إن شاء الله تعالى أقوال أهل المذاهب الأربعة في هذه المسألة فاسمع الآن قال الله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) [سورة البقرة: 270] وقال جل شأنه: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) [سورة الحج: 29].

وقال عز من قائل: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [سورة الإنسان: 7-8].

فذكر (سبحانه وتعالى) في هذه الآيات الشريفات أن النذر هو يعلمه أي يثبت عليه ومدح فاعله وأمره بالوفاء به وجعله من جنس النفقة وأما النهي عنه في حديث الصحيحين عن ابن عمر (رضي الله تعالى عنهما) وهو نهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن النذر.

وقال أنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل وفي رواية عند مسلم أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينهانا عن النذر ويقول أنه لا يرد شيئا إلى آخره وعنده لأبي هريرة (رضي الله تعالى عنه) أنه (صلى الله عليه وسلم) قال: “لا تبذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئا”.

وفي رواية لا يأتي بخير فمحمول على من علم من نفسه عدم القيام بما التزمه جمعا بين الأدلة كما هو أحد أجوبه عنه يأتي بعضها ومعنى لا يأتي بخير أنه لا يرد شيئا من القدر كما في الرواية الأخرى.

ومعنى يستخرج به من البخيل أنه لا يأتي بهذه القرية تطوعا محضا مبتدئا وإنما يأتي بها في مقابلة رضه الذي علق النذر عليه قاله المازري.

وفي شرح المشكاة قال الطيبي معنى نهيه (صلى الله عليه وسلم) عن النذر إنما هو التأكيد لأمره وتحذير التهاون به بعد إيجابه ولو كان معناه الزجر عنه حتى يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه وإسقاط لزوم الوفاء به إذ صار معصية.

وإنما وجه الحديث أنه أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعا ولا يصرف عنهم ضرا ولا يرد شيئا قضاه الله تعالى يقول: “فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدره الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم شيئا جرى القضاء به عليكم وإذا فعلتم ذلك فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم”.

ثم قال تحريره أنه علل النهي بقوله فإن النذر لا ينى من القدر ونبه به على أن النذر المنهي عنه هو النذر المقيد الذي يعتقد أنه يغني عن القدر بنفسه كما زعموا وكم نرى في عهدنا جماعة يعتقدون ذلك لما شاهدوا في غالب الأحوال حصول المطالب بالنذر.

وأما إذا نذر واعتقد أن الله تعالى هو الذي يسهل الأمور وهو الضار والنافع والنذور کالذرائع والوسائل فيكون الوفاء بالنذر طاعة ولا يكون منهيا عنه كيف وقد مدح الله تعالى الخيرة من عباده بقوله: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ) [سورة الإنسان: 7]، (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) [سورة آل عمران: 35]، (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) [سورة مريم: 26] لكن قوله: إن النذر المقيد هو المنهي عنه غير مستقيم لأنه يترتب عليه ما سبق من أنه يكون معصية لا يجب الوفاء به.

والحال أنه ليس كذلك فالظاهر أن يقال أن المنهي عنه هو القيد أعني الاعتقاد الفاسد من أن النذر يغني عن القدر.

وروى أبو داود بسنده إلى ثابت بن الضحاك (رضي الله تعالى عنه) قال: نذر رجل على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأخبره فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لصحابه هل كان فيها أي بوانة وثن من أوثان الجاهلية يعبد فقالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم.

قالوا: لا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، قال الطيبي وفيه: أن من نذرات يضحي في مكان أو يتصدق على أهل بلد الزمه الوفاء به”، انتهى.

وروى أبو داود أيضا عن عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف قال أوفى بنذرك زاد زرين في جامعه قالت: ونذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا مكان يذبح فيه أهل الجاهلية.

فقال هل كان بذلك المكان وثن من أوثان الجاهلية يعبد قالت: لا قال: هل كان فيه عيد من أعيادهم قالت: لا، قال: أوفى بنذرك مع أن الله تعالى مطلع على كل مكان وعالم بالنيات، فتعيين أماكن الصالحين للتصدق على من بجوارهم ليصل ثوابه لذلك الصالح مما عين المكان فيه وأن تعينه لازم وتعينه من النادر لا ضرر فيه في دين الإسلام أصلا.

وأما الذبح فهو تابع للنذر لأن من نذر حيوانا لابد من ذبحه واستدلال الخوارج بهذا الحديث على عدم جواز النذر في أماكن الأنبياء والصالحين زاعمين أن ذلك يجعلهم كالأوثان ويشبه أعياد الجاهلية إنما هو من ضلالهم وخرافهم وتجاسرهم على أحباب الله تعالى حتى حفزوهم مع أن من انتقص الأنبياء ولو بالكناية يكفر ولا تقبل توبته في بعض الأقوال.

كيف وقد دل الحديث المذكور على أن الناذر لو عين مكانا لنذره الزمه الوفاء به فيه ولو بعد لأن بوانة كان بأسفل مكة سواء كان المكان من أماكن الجاهلية أم لا بشرط خلوه عن وثن من أوثانهم وعيد من أعيادهم كما استفيد من الحديث المذكور.

وأما قول أولئك الخوارج أن النذر والذبح لغير الله لا يجوز فنقول أو لا يحتاج هذا الكلام إلى دليل من الكتاب والسنة على زعمهم ولن يستطيعوا له حصولا في النذر ولابد أن يأتوا بكلام الفقهاء وهم لا يرضون بالتقليد بل يدعون الأخذ بالكتاب والسنة.

ولعل عمدة استدلالاتهم في الذبح والله أعلم قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [سورة المائدة: 3] فيقال لهم: ما معنى هذا القول الشريف فسيقولون على مقتضی عقلهم ما ذبح لغير الله فنقول لهم بهذا التفسير يلزمكم تكفير أنفسكم وتكفير جميع المسلمين.

إذ في كل يوم يذبح الجزارون في بلاد الإسلام أكثر من مائة مليون وهذا الذبح ليس الله بل لكسب الدنيا وللاكلين فيصدق عليه أنه ذبح لغير الله وكذلك ما يذبح الناس لأمواتم فإنه يصدق عليه أنه ذبح لغير الله أيضا.

فإن قالوا مسألة الذبح للأموات مقصودنا ومقصود الناس الذبح لله والصدقة للأموات.

قلنا: وكذلك الذبح للأنبياء والأولياء ومن أطلعكم على نية الذابح والله تعالى هو العالم بالنيات لا غيره إلا من أعلمه الله تعالى من عباده المقربين عنده ثم تعلم هؤلاء الخوارج أن معنى قول الله تعالى.

إذ الإهلال رفع الصوت أريد هنا ذكر ما يذبح له من الأصنام فقد كان عبادها يقولون عند الذبح برفع صوت باسم اللات باسم العزی عوضا عن قول المسلم باسم الله فحرم الله تعالى ما ذكروا عند ذبحه باسم غيره تعالى بهذه الآية وبقوله: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) [سورة الأنعام: 121] يعني ما ذبح للأصنام.

فالآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحوها على اسم الأصنام كما قاله عطاء وسياقها دال على ذلك فانه سبحانه وتعالى قال: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) [سورة الأنعام: 121] والحال التي يكون الذبح فيها فسقا إنما هي الإهلال المذكور وما في حكمه.

قال تعالى: (أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [سورة الأنعام: 145] والذي في حكمه هو ما ذبح للأصنام بقصد تعظيمها بذبحه من غير ذكر اسمها عند الذبح لقوله تعالى: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) [سورة المائدة: 3].

أي على اسم الأصنام التي شأنها أن تنصب أي ذبح لتعظيمها فليس هذا مکررا مع ما سبق في الآية الأولى كما قد يتوهمه الغبي إذ ذاك فيما ذكر اسمه عليه كما علمت القرآن يفسر بعضه بعضا.

وحينئذ فمن قال من المسلمين عند  الذبح باسم الشيخ عبد القادر مثلا عوضا عن بسم الله فإن كان يعلم عدم الجواز فحرام فقط لقوله (صلى الله عليه وسلم) كما رواه مسلم لعن الله من ذبح لغير الله فإنه محمول على ما ذكر ونحوه مما مر كما قاله العلماء وسنذكره.

وأما إن كان لا يعلمه فيجب على العلماء إن يعلموه ولا يكفر مطلقا كما هو مر رأي أولئك الخوارج الضلالية لأن الكفر أمر باطني والحكم به صعب جلا كما مر غير مرة.

قال العلامة المحقق في كتابه الأعلام بقواطع الإسلام إطلاق الكفر مع الجهل وعدم العذر بعيد فإن عذر بجهله عرف الصواب فإن رجع إلى ما قاله بعد ذلك كفر انتهى.

نعم إن قال الشخص عند الذبح بسم الله واسم محمد مثلا وقصد التشريك كفر فإن أطلق حرم عليه فإن أراد وأتبرك باسم محمد كره وحلت الذبيحة في الصورتين وحرمت في الصورة الأولى من الثلاث فقط هذا كله من حيث الإجمال.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد