ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 14 فبراير 2018 زيارة: 20

الوهابية تتناسل.. سلالات التكفير هل أنجب «داعش» وحشه المُطوَّر؟

(غير مصنفة)

في التنافر الإيديولوجي يكمن مكر التاريخ، فما حقّقه «داعش» بالتكفير» يخسرة بالأداة ذاتها، أي بالتكفير. رداء المشروعية يتمزق على أيد حرّاسٍ لم يعودوا أمناء على الفضيلة التي وهبتهم هالة قداسة في زمن تخبو القداسات بأشكالها. تجربة «داعش» أوحت بأن «الخلافة»، في إعادة خاطفة ومباغتة للنموذج المعياري، تبعث أحلاماً مغمورة في ذاكرة المحبطين من الواقع البائس والطامحين لماض تليد..

أفول دولة داعش

أفلت مرحلة التمكين الداعشية. والعودة الى الوراء باتت حتمية، وفرضت نفسها على دولة «الخلافة»، استراتيجياً وإيديولوجياً. ومع تآكل الأرض من تحت أقدام جند الخلافة في العراق والشام، بات في حكم المؤكد أن مرحلة التمكين قد أفلت، وأصبح من المنطقي التخلي عن شعار «تتمدّد» ذات الصلة بالتقدّم الميداني، وتالياً بمرحلة التمكين، والاكتفاء، في نهاية المطاف، بمجرد إثبات الوجود «باقية».

مسار العودة الى مرحلة «النكاية» بات إلزامياً، بما يفرض تراجعاً عن فكرة «الدولة/الخلافة» التي تتحقق في مرحلة «التمكين»، وإن كانت الأدبيات الجهادية تبطن قناعة راسخة بأن كل أرض مهما صغرت مساحتها وأمكن إقامة الحدود وأحكام الشريعة عليها تكتسب سمات مرحلة «التمكين» وتكون هي أرض «الدولة/الخلافة»، وإن بعدت المسافة بينها وبين مركز «الخلافة».

على أية حال، فإن ديناميات تفكّك «الدولة» تفوق قدرتها في الحفاظ على وحدتها وتماسك أطرافها. إن «الجغرافيا» التي كانت مصدر تميّز «داعش» ووهبتها نعت «الدولة» تحوّلت الى مقتلها. وبدت الخسارة الميدانية وخروج مناطق شاسعة عن السيطرة الكاملة عاملاً راجحاً في بداية «أفول» الدولة، ولكن الخسارة، بحسب أدبيات التنظيم، تضعها كنتيجة لـ «الخصام الداخلي» الذي ذهب بريح «الخلافة».

وفيما يعمل قادة «داعش» على إبقاء الحد الأدنى من الوجود، والرابطة العضوية (التنظيمية) بين عناصرها، وشبكة التواصل الداخلية بين خلاياها، والأهم إبقاء حافزية الأيديولوجية المشرعنة لوجودها، والمحصّنة لكيانها، والمحرّضة على قتال خصومها، فإن ثمة واقعاً جديداً تعيشه «الدولة» وعليها التعايش معه، والمتمثل في «الهجرة المضادة» لآلاف من عناصرها، الأجانب على وجه الخصوص.

لاريب أن مشروع «الخلافة» سوف يبقى حلماً يراود عناصر «الدولة»، ممن كانوا معها أو انقلبوا عليها، وقد تتحول هي الى خط بداية لجماعة أخرى جديدة تستلهم تجاربها، وتراجع مواطن إخفاقها، وتبني على مكاسبها. ولاريب أيضاً أن الجماعة الجديدة سوف تعيد توظيف أدوات الجذب والتجنيد المعمول بها في تجربة «داعش». إن العوامل التي ألهمت وألهبت مشاعر الآلاف كي يجدوا في «القاعدة»، وتالياً «داعش» مأوى لتوقعاتهم وأحلامهم، سوف تكون هي ذاتها بالنسبة لجماعات أخرى، مثل: فشل مشروع الدولة في المشرق العربي، وفقدان الثقة في أنظمة الحكم، وفشل سياسات إدماج المهاجرين في المجتمعات المحلية في الغرب، وأزمة الهوية والانتماء، والحرمان الاقتصادي والاجتماعي، العولمة المتوحشة.

إن التوترات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتعدّدة في الشرق الأوسط وغيرها والمسؤولة عن إنجاب «داعش» وقبلها «القاعدة» لا زالت قائمة، وسوف تكون حكماً مسؤولة عن إنجاب منظّمات مماثلة، وسوف تهدد المفاهيم المؤسسة للحكومة، والسيادة الوطنية، والهوية الوطنية في كثير من الدول العربية والاسلامية.

إن حوافز العودة المضادة بالنسبة لكوادر ومقاتلي «الدولة» الى الأوطان تبدو متعدّدة. على سبيل المثال، كان هناك سببان رئيسيان وراء عودة المقاتلين الأردنيين: «خيبة الأمل مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وخسارة معقلي الموصل في العراق والرقة في سوريا”. وقد أشار محللون إلى عدد من العوامل التي تساعد في انتشار التطرف، من الفقر إلى تعزيز الفكر الراديكالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.

تقول آن سبيخارد في تقرير عن أسباب التطرف في الأردن نشره المركز الدولي لدراسة التطرف العنيف: «فقد سئل الخبراء عن دوافع التطرف العنيف في الأردن وذكروا الظلم والفساد”.

يجدر الالتفات الى أن تنظيم «الدولة» اعتنق سردية في الاسلام خاصة لاستقطاب الأنصار وتجنيد العناصر، وكرّس ذلك عبر الصوت والصورة، على الرغم من نقاط الضعف في النهج الحرفي للنصوص الدينية المعتمدة. هي ذات السردية التي أصيبت بصدوعات خطيرة مع بروز تيار الحازمي الذي أنتج سردية مناقضة، وهدّد بذلك ليس سردية «الدولة» فحسب بل ومشروعيتها الدينية، ووحدتها الداخلية، وبنيتها الأيديولوجية، وجيشها العقائدي.

انفردت «الدولة» في سرديتها لسنوات، فكانت رسالة أقوى، وأوضح، وأكثر اتساقاً من رسالة خصومها، ولكنها اليوم هي تواجه رسالة أخرى منبعثة من داخلها، بل من صميم العقيدة التي تعتنقها، ولكن وفق منهج تفسيري مختلف. يبقى أن جاذبية البديل سوف تبقى على المحك، لأن «الدولة» لم تكن مجرد إيديولوجية جاذبة، بل كانت صورة برّاقة، وقدرة تسويقية فريدة، ومأوى لهوية، وأحلام، وتطلعات جحافل من الشباب المحبطين في أرجاء متفرقة من العالم.

وفيما يحتار العالم لجهة إبطال مفعول «المغنطة» التي يتمتّع بها تنظيم «الدولة» لآلاف الشباب، فإن البديل جاء من «الدولة» نفسها، ولكن على غير ما يأمله خصومه في الغرب والشرق.

ان عزوف الدول التي خرج منها عناصر «داعش» عن الاصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي، يبقي على فرص تجنيد تنظيمات غير حكومية متطرّفة لأعداد كبيرة من الشباب في بلدان متفرقة من العالم.

أسئلة أولية وتلقائية تفرض نفسها مع بداية غروب شمس «الدولة»، وتبعثر كوادرها في الآفاق: إلى أين سوف تكون وجهة العناصر التي غادرت قواعدها في «الدولة»، هل الى الأوطان التي ينتمون اليها، أم الى ساحات بديلة يقاتلون فيها، أم يدخلون مرحلة كمون احترازي مؤقت، والأهم هل ثمة رغبة مؤكّدة لدى عناصر التنظيم لإعادة تنظيم الصفوف، والدخول في تجربة جديدة، من أجل تعويض الخسارة التي تكبّدوها، أو حتى البحث عن جماعة بسقف يعانق تطلعاتهم التي لم تعد «الدولة» قادرة على تلبيتها.

علاوة على ذلك، هل اجترح «داعش» دروباً جديدة للتعويض عن خسائره في معاقله الرئيسة، ومن ثم القيام بعملية إعادة انتشار وإعادة تموضع في قارات أخرى تبدو مرشّحة للعمل وتحقيق مكاسب عاجلة.

أسئلة بصلاحية زمنية غير مفتوحة الى أمد بعيد، ولكنها الأسئلة التي تستدعي إجابات حاسمة. ومن وحي تجارب سابقة، إن الذين عادوا الى أوطانهم هم بأعداد قليلة، وإما إنهم سجنوا، أو تخلوا عن القتال، أو اختاروا «استراحة محارب» ريثما تتهيأ ظروف مناسبة لاستئناف العمل «الجهادي» والانضواء في تنظيم قتالي جديد.

بناء على تحقيقات مجموعة سوفان، أحصيت ما بين 27 ـ 31 ألف شخصاً سافروا الى العراق وسوريا للالتحاق بـ «الدولة» ومجموعات عنفية متطرّفة أخرى، من 86 بلداً في العالم. وفي سبتمبر 2015 قدّرت الاستخبارات الأميركية عدد المقاتلين الأجانب في سوريا نحو 30 ألف مقاتل من أكثر من 100 بلد.

وفق تقديرات أخرى من مصادرة متعدّدة، كان هناك أكثر من 40 ألف عنصر أجنبي التحقوا بصفوف تنظيم «الدولة»، ينتمون لأكثر من 110 دولة في أرجاء العالم من قبل وبعد إعلان الخلافة في يونيو 2014.

ومنذ عام 2011 وصولاً الى ذروة انتشاره عام 2016، انضم نحو 15 ألف مقاتل أجنبي إلى تنظيم «الدولة»، وجاء أكثر من نصفهم من تونس والمملكة السعودية والمغرب والأردن وتركيا والنصف الآخر من قارات متعددة آسيوية وأوروبية وأفريقية وأميركية. لقد مثّل هؤلاء البعد الكوني للماكينة الدعائية لـ «الدولة»، وإن مغادرة هؤلاء صفوف التنظيم من شأنها أن تفقده بريقاً إعلامياً كما شكّلوا حصناً للدولة في مواجهة خصومها الخارجيين، الى جانب دور المشاغلة والمشاغبة الضرورية لدرء الأخطار المباشرة التي تتربص بالتنظيم في حواضنه وميادين قتاله. لا شك أن انفصال كتلة بشرية وازنة عن جسد «الدولة» يفقدها زخماً تنظيمياً وشعبياً وإعلامياً، وفي الوقت نفسه سوف يسهل على مهمة المواجهة معها.

إن احتمالية إعادة تأهيل تنظيم «القاعدة» لكي يكون المأوى التقليدي أو البديل للمغادرين من صفوف «الدولة» تبقى واردة، لسهولة الانتقال من المعلوم الى المعلوم. يبقى أن «القاعدة» التي زادت من منسوب تطرّفها العقدي في السنوات الأخيرة بهدف مجاراة «الدولة» أو المحافظة على كوادرها الذين خسرتهم بفعل «تساهلها» في أمور العقيدة، كما يقول خصومها، ولا سيما في مسألة «تكفير من كفّره الله ورسوله»، بما يشمل أصنافاً شتى من البشر، من أهل الإسلام أو من أتباع الديانات الأخرى، فإنها مطالبة بزيادة جرعة «التكفير» كيما تقدر على احتواء المتمرّدين أو المنشقين عن تنظيم «الدولة». ولكن في حال قرر قسم وازن من هؤلاء العائدين البقاء على ولائهم لمشروع «الدولة»، فإن ذلك يعني أن التنظيم سوف يحافظ على تفوّقه الكوني وتبقيه مستوطناً في ميادين الجهاد العالمي لسنوات قادمة.

لناحية العائدين من «الدولة» الى البلدان الغربية، فقد تراوح معدلهم ما بين 20 ـ 30 في المائة، ويشكل ذلك تحديّاً للأمن والأجهزة المعنية بتطبيق القانون.

يذكر التقرير المعنون «ما وراء الخلافة: المقاتلون الأجانب وتهديد العائدين» أن هناك 4317 مواطناً روسيا يقاتلون لحساب داعش حتى الآن، وتحتل السعودية المرتبة الثانية بـ 3224 مواطناً. وتحتل الأردن وتونس المرتبة الثالثة والرابعة (3000 و2926 شخصاً على التوالي)، وفرنسا في المرتبة الخامسة مع انضمام 1910 مواطناً إلى صفوف داعش.

ووفقاً للتقرير، وعلى الرغم من تزايد عدد مقاتلي «داعش» من الأجانب، فإن تدفقهم توقّف عملياً بسبب فقدان «الدولة» السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي في سوريا والعراق، وبسبب التدابير التي تبنتها حكومات عديدة والهادفة على وجه التحديد إلى منع مواطنيها من الانضمام إلى داعش.

بالنسبة للمقاتلين السعوديين في «القاعدة» و»داعش» وبقية تنظيمات السلفية الجهادية، تنزع السلطات السعودية الى التقليل من أعدادهم، لا سيما بعد الأمر الملكي الصادر في 3 مارس 2014 القاضي بتجريم المقاتلين السعوديين المدنيين والعسكريين والذي كان شرطاً أميركياً لزيارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الى الرياض. بحسب المعلومات المعلنة وشبه الرسمية، فإن مجمل موقوفي القاعدة والموجة السابقة من الإرهاب في السعودية بلغوا تقريبا 11 ألف موقوفاً (المتبقي منهم 2337 حتى تاريخ التقرير)، والمنضمين لداعش لم يتجاوزوا 2000 شخص في تقديري، إن المعطيات هذه موجّهة، ولا تعكس الحقيقة كاملة، لتضاربها مع تقارير أخرى، وللميول الأصلية لدى السلطات السعودية لناحية التقليل من مستوى مشاركة مواطنيها في التنظيمات الإرهابية.

بناء على تقرير استخباري، بلغ عدد العائدين بحسب الدول: 400 شخص إلى روسيا و760 إلى السعودية و250 إلى الأردن و800 إلى تونس و271 إلى فرنسا. ويشدّد الخبراء على أن العائدين لا يسهمون عموماً في زيادة التهديد بالإرهاب في جميع أنحاء العالم، في حين أن عدد الهجمات التي يقوم بها الإرهابيون المحلّيون سواء «مستوحاة أو موجّهة من داعش» لا يزال في ازدياد. ويذكر التقرير: «أن جميع العائدين، مهما كان سبب العودة الى ديارهم، سيظل يشكلون قدراً من المخاطرة».

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد ذكر في 23 فبراير 2017 أن نحو 9000 شخصاً من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية السابق كانوا يقاتلون لحساب داعش، وأن 4 آلاف منهم من روسيا وحدها، وفق بيانات صادرة عن أجهزة الأمن والاستخبارات الروسية.

وهذا يتفق الى حد كبير مع التقرير الأمريكي الذي يذكر بأن 8717 شخصاً يقاتلون حالياً لحساب داعش من الجمهوريات السوفياتية السابقة.

في يوليو 2017، أشارت شبكة التوعية بالتطرف (Radicalization Awareness Network) إلى أن حوالي 30٪ من المقاتلين القادمين من الاتحاد الأوروبي والبالغ عددهم نحو 5.000 شخصاً والذين يعتقد بأنهم ذهبوا إلى سوريا والعراق قد عادوا إلى بلدانهم في أوروبا. وفي بعض الحالات، الدنمارك والسويد والمملكة المتحدة كأمثلة، كان عدد العائدين يقترب من النصف.

الرئيس بوتين ذكر في فبراير 2017 بأن 10٪ من 9000 مقاتل أجنبي من روسيا والجمهوريات السابقة من الاتحاد السوفياتي قد عادوا. ولم تشهد بلدان أخرى، على سبيل المثال في جنوب شرق آسيا، تدفق العائدين، بل على العكس فإن عدداً من المقاتلين الأجانب اختاروا الذهاب إلى سوريا والعراق بدلاً من العودة إلى ديارهم، سواء أكان ذلك بناء على نصيحة من قادة «الدولة» أم قرارات نابعة من رغبتهم المستقلة.

والمؤكد أن هناك رغبة لدى قسم وازن من المقاتلين الذين سافروا الى سوريا والتحقوا بتنظيم «الدولة» بالإنضمام الى تشكيل عسكري جديد بدلاً من تدمير تشكيل قديم.

إن أولئك الشباب الذين بهرتهم تجربة «الدولة» ونقلتهم من هامش الحياة الاجتماعية والثقافية في الغرب الى مركز العالم، وتحوّلوا الى خبر رئيسي، بالمعنى الإعلامي والسياسي والأمني والثقافي، لاريب أن العودة الى الهامش مجدداً سوف يكون خيار استسلام بالنسبة لهم، وعليه، فإنهم سوف يتحايلوا على هذا الخيار في الحد الأدنى، وفي أقصاه سوف يشقوا طريقاً يمنع نكوصهم الى الهامش، ويبقي الألق الذي حصلوا عليه حين كانوا كوادر في «الدولة»، أو مصادر تهديد لأمن العالم.

ولذلك، نجد أن وتيرة عودة المقاتلين الأجانب الى أوطانهم كانت بطيئة، بما في ذلك دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، مع أن الالتحاق بالتنظيم لم يكن هو القناة لوحيدة للعضوية، فقد يكون الاشخاص في أوطانهم أعضاء في «الدولة» بمجرد تنفيذ سياساتها، المتمثلة في القيام بهجمات إرهابية، بحسب خطاب للمتحدّث السابق أبو محمد العدناني.

منذ إعلان الخلافة في يونيو 2014 وحتى فبراير 2017م نفّذ تنظيم «الدولة» أو ألهم حوالي 143 هجوماً إرهابياً في 29 بلداً، وأدى الى مقتل أكثر من 2000 شخص وإصابة عدد كبير من الأشخاص. مذّاك، تراجعت وتيرة الهجمات في أوروبا، فيما كان نفوذ أو تورّط المقاتلين الأجانب العائدين في الهجمات تلك محدوداً.

إن العثور على كميات كبيرة من البيانات بعد سقوط مراكز تنظيم «الدولة» مثل الموصل في يوليو 2017، وتلعفر في أغسطس 2017 والرقة في أكتوبر 2017، ساعد على الكشف عن هويات العديد من المقاتلين الأجانب. وكما الحال بالنسبة لتنظيم (القاعدة)، احتفظ تنظيم «الدولة» بسجلات دقيقة عن أعضائه، وقراراته الإدارية، وانتشاره الجغرافي والتي تقترب من نظام التوثيق المعتمد لدى نظام البعث في العراق.

وكان هناك جهد واسع النطاق على مستويات إقليمية ودولية لناحية جمع أكبر قدر من المعلومات عن خارطة «التنظيم» البشرية والعملياتيّة، ولا سيما تفاصيل وأصول المقاتلين. وبحلول شهر سبتمبر 2017، جمعت الشرطة الدولية «الإنتربول» أسماء حوالي تسعة عشر ألف (19000) شخصاً، جرى التأكّد من انضمامهم لتنظيم «الدولة»، إلى جانب تفاصيل دقيقة عن حياتهم.

إن ما يجب التأمّل فيه يتجاوز مجرد عودة المقاتلين، لأن القضية تخترق المجالين العاطفي والعقلي، أي الوجدان والتفكير، فالذين عادوا حملوا معهم خيباتهم وفشل تجربة كانوا جزءاً منها أو ثارات بقيت تعتمل في قلوبهم لبعض الوقت. وهناك من لا يزال ينظر الى تجربة «الخلافة» باعتبارها بارقة أمل انطفأت ويتطلع الى توهجها مجدّداً في تجربة أخرى أشدّ نضجاً، وربما أشدّ تطرّفاً. وفي تقويم التجربة الإجمالية لتنظيم «الدولة» وفشلها، هناك من يحصرها في «الخطأ البشري» أو «العناصر غير المنضبطة» داخل التنظيم، أو يلقون باللائمة على من يصفونهم بـ «الغرباء» الذين دخلوا على خط «الدولة» من خارج سياقها الجغرافي والاثني. صحيح أن العودة المضادة لكثير من كوادر «الدولة» مرتبطة عضوياً بالانكسارات العسكرية، الا أن الخلاف الداخلي على قاعدة «إيديولوجية» لا يمكن إنكار محوريته في التشققات التي أصابت بنية التنظيم. بكلمات أخرى، أن مشروعية «الدولة» خضعت لاختبار رعاياها وتلك كانت محنتها الكبرى.

لا خلاف بين الأعضاء على أن التكفير رؤية وأيديولوجية تعبئة، وتحريض على الكراهية واستخدام العنف وسيلة كانت وسوف تبقى سمات جوهرية قارّة في نشأة «الدولة» وتوسّعها. وعليه، فإن أولئك الباحثين عن مغامرات وجدوا في «الدولة» مرتعاً خصباً لتحقيق تطلعاتهم واطلاق غرائزهم على جناح السلفية الجهادية. ولذلك، فإن العائدين من ميادين القتال تحت مظلّة «الدولة» قد يستأنفون القتال حين يتأهّل ميدان آخر لما يعتقدونه جهاداً وأرض رباط، وقد يلتحقون بجماعات مقاتلة أكثر شراسة تحمل الأهداف، والعقائد الإيمانية، والخصائص القيادية ذاتها.

وكما تمكّنت «داعش» من زعزعة مفاهيم الحدود والسيادة الوطنية الثابتة التي يقوم عليها النظام الدولي أكثر من أي جماعة مسلّحة وانفصالية أخرى سابقة، فإن تيار الحازمي الذي يتبنى عقيدة راديكالية أشدّ غلواً في «عدم العذر بالجهل»، سوف يعتنق الاتجاه ذاته نحو زعزعة تلك المفاهيم وسوف يترسّخ ويأخذ أشكالاً ربما أشد تطرفاً بما يجعل دولاً ومجتمعات عديدة عرضة للاستهداف العنفي والدموي.. وسوف يزداد طرح مسائل الهوية، وعدم الثقة بالمؤسسات الحكومية والنظم السياسية، وحتى أنظمة المعنى والثقافة.

في النتائج، سوف يبقى خطر داعش أولوية لدى كثير من دول العالم. وقد كشفت استطلاعات للرأي شملت نحو 42 ألف شخصاً في 38 بلداً في العالم في الفترة ما بين 16 فبراير ـ 8 مايو 2017 أن تنظيم (داعش) يمثّل التهديد الأكبر في 18 دولة في العالم، ويتركز في أوروبا، الشرق الأوسط، وآسيا، والولايات المتحدة. وفي 13 دولة أخرى في أمريكا اللاتينية وأفريقيا كان التغيّر المناخي هو التهديد الأكبر، ويأتي (داعش) في المرتبة الثانية.

وكان متحدث التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، الكولونيل راين ديلون، قد أعلن في 5 ديسمبر 2017 رداً على سؤال حول عدد مقاتلي التنظيم المتبقين في الميدان، إن «مقاتلي داعش أقل من ثلاثة آلاف شخص..». اللافت، أن المتحدث عاد في 28 ديسمبر الماضي وأعلن بأن عدد المقاتلين في «الدولة» لا يتجاوز الألف.

رئيس الاركان الروسية فاليري غيراسيموف قدّر في 27 ديسمبر الماضي عدد مقاتلي داعش في سوريا وحدها بـ 59 ألف مقاتل، وأن القوات الروسية قضت على 60 ألف من أصل 70 ألف إرهابي في سوريا.

بصرف النظر عن التجاذب الاميركي الروسي حول الارقام الفعلية لعناصر «الدولة» بأغراضها المعلومة، فإنه صراع على الماضي، وإن الطرفين باتا أمام تحديات من نوع آخر، لا سيما بعد أن بدأت تستقبل روسيا وبعض بلدان الشرق الأوسط، لا سيما مصر، ردود فعل عودة المقاتلين.

في المعطيات، يقول Brett McGurk ، المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي ضد «داعش»، أن عشرين في المائة من مقاتلي التنظيم قد عادوا الى مواطنهم الأصلية، مع بعض الاستثناءات مثل بريطانيا التي بلغت نسبة العائدين فيها الى خمسين في المائة. على سبيل المثال، فإن عدد الأشخاص العائدين إلى الدنمارك من سوريا والعراق انخفض منذ منتصف 2014. وبحسب تقييم وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية أن الضغط العسكري على تنظيم «الدولة» يفرض خطراً متعاظماً بأن أولئك الذين يذهبون للانخراط في النزاع سوف يقتلون، أو يجرحون أو يؤسرون. وهذا يؤشر الى أن المزيد من الأفراد سوف يغادرون ميدان القتال والعودة الى الدنمارك أو الى بلدان أخرى.

بحسب تقييم الـ سي آي أيه، فإن الافراد الذين بقوا مع الجماعات الاسلامية المسلّحة مثل تنظيم «الدولة» قد يميلون الى التطرّف والوحشية، والعنف حين يعودون الى بلدانهم. وأيضاً، فإن المقاتلين الأجانب العائدين قد يساهموا في زيادة منسوب التطرف لدى مجموعات وأفراد في الدنمارك، بمن فيهم السجناء الآخرين خلال مدة محكوميتهم.

وبحسب التقييم نفسه فإن العائدين قد يؤسّسوا روابط مع مقاتلين أجانب آخرين في بلدان أخرى ويتحوّلوا الى جزء من شبكات عابرة للأوطان وقادرين على المساهمة في التحضير لهجمات إرهابية يتم تجهيزها في بلد والتنفيذ في بلد آخر قد تكون أكثر صعوبة في الاكتشاف والمنع. وقد يدخل هؤلاء في سبات الى أمد من الزمن بانتظار لحظة مناسبة أو الأوامر.

في فرنسا، يخضع 271 مقاتلاً عائداً من ساحات القتال في العراق وسوريا للتحقيق العام، بحسب وزير الداخلية. ويقدر عدد الفرنسيين الذين قاتلوا في صفوف «الدولة» في العراق وسوريا 700 مقاتل. وتواجه البلدان الأوروبية عموماً مشكلة تدفق «العائدين».

ميدانياً، يتآكل مسرح عمليات «الدولة». وفي المنطق العسكري، إن بقاء المقاتلين بمثابة انتحار جماعي، ولابد من الانسحاب، أو بالأحرى الهرب الى مناطق آمنة. ليس هناك من مركز تخطيط وقيادة وسيطرة يوجه التنظيم منه كوادره ومقاتليه، وحتى الرقّة التي كان ينطلق منها الانتحاريون أو الأوامر بتنفيذ الهجمات في مدن أوروبية فقدت مكانتها بعد تحريرها ولم تعد قادرة على فعل ذلك. وبحسب تقدير الخبراء العسكريين الاميركيين أن عدد الكوادر الفاعلة من مقاتلي داعش انخفض الى 12 ألف مقاتل، محلي وأجنبي.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد