ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 7 سبتمبر 2018 زيارة: 681

الوهابية ونفيها بتقليد أئمة المذاهب

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: الحقائق الإسلامية في الرد على المزاعم الوهابية (ص42-45)
تأليف: الحاج مالك به ابن الشيخ داود

ينتهج الوهابيون المتطرفون في هذه المسألة نهجا خارقا للإجماع ومعارضا لأقوال العلماء وآراء الفقهاء. وذلك أنهم ينكرون أئمة المذاهب وكتبهم الفقهية وينفون التقليد بهم والتقيد بمذاهبهم زاعمين أن لهم الحق في استنباط الأحكام والمسائل من القرآن والحديث مباشرة دون التقيد بمذهب من المذاهب أو التقليد بإمام من أئمة الدين. وهذا – في الواقع – تلبيس عظيم غروا به العوام من الجهال وصغار الطلبة حتى أوقعوهم من حيث لا يخرجون. وقد يكون دافعهم الوحيد إلى هذا التلبيس هو محاولة تعطيل هذه المذاهب الأربعة والقضاء عليها ليفسحوا المجال أمامهم كي يتسنى لهم تحقيق أغراضهم الشخصية المتمثلة في حب الظهور وعدم اعتراف الغير. كما يحاولون من خلال توجيهاتهم السخيفة إلى تضليل العوام عن دور هذه المذاهب وتصريفهم عن تعلم الفقه والاهتمام به كوسيلة لمعرفة شرائع الإسلام وأحكام العبادات بينما لا يمكن تعطيل هذه المذاهب ولا الاستغناء عنها لأنها قد وضعت خصيصا لتفصيل وتبيين ما جاء في القرآن الكريم والحديث النبوي مجملا من أحكام العبادات والمعاملات. بل ولا يصح الإسلام بالنسبة لنا – نحن الخلق – إلا بتقليد أئمة المذاهب رضوان الله عليهم.

وليس بالاجتهاد الفوضوي كما يزعمه بعض الجهلة ولا يخفى أن العلماء متفقون على أن الخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل وربما أداه ذلك إلى الكفر لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر ولأن كثيرا من القرآن والأحاديث ما ظاهره صريح الكفر، (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم … * آل عمران: 7) ولا ينبغي اتهام الأئمة الأربعة في ترك السنة وهم أرباب العلم والورع والكشف والإنصاف وأحرص الناس على اتباع سنة رسول الله وقد بنى الإمام مالك (رضي الله عنه) مذهبه على أربعة أشياء: آية قرآنية، وحديث صحيح، وإجماع أهل المدينة، واتفاق جمهورهم. وقد أجمع أهل السنة على وجوب التقليد على من ليس فيه أهلية الاجتهاد وقد شاع ذلك حتى صار معلوما من الدين بالضرورة. ومعلوم عند كل أحد أن رتبة الاجتهاد قد انقطعت منذ أزمان وأنه ليس في أبناء هذا الزمان أحد من الذين بلغوا درجة الاجتهاد، ومن توهم ذلك فقد غره هواه، ولعب به الشيطان. لذلك كان من حقنا – نحن الخلق – أن نقلد هؤلاء الأئمة بدلا من الاجتهاد الذي لم يصل إليه أفهامنا فالاجتهاد له شروط وبدونها يكون تلاعب وسخرية بشريعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أعاذنا الله من ذلك وقد قال ابن القيم[1] في كتاب إعلام الموقعين لا يجوز لأحد أن يأخذ من الكتاب والسنة ما لم تجتمع فيه شروط الاجتهاد من جميع العلوم. فمن هذه الشروط أن يكون فقيها عالما بكتاب الله حافظا له عارفا باختلاف قراءته، واختلاف قرائه بصيرا بتفسيره خبيرا بمحكمه ومشابهة وناسخه ومنسوخه وقصصه. ومنها أن يكون عالما بسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مميزا بين صحيح أحاديثه وسقيمها. ومنها أن يكون ورعا، دينا، صائنا لنفسه، صدوقا، ثقة يبنى مذهبه على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن فاتته واحدة من هذه الخصال كان ناقصا فلا يجوز له أن يكون مجتهدا يقلد به الناس. وسأل رجل أحمد بن حنبل[2] إذا حفظ الرجل مائة ألف حديث هل يكون فقيها قال لا قال فمائتي ألف حديث قال لا قال فثلاثمائة ألف حديث قال لا قال فأربعمائة ألف حديث قال نعم ويقال إن أحمد بن حنبل أجاب عن ستمائة ألف حديث.

هذا ولا يجهل أحد منا أن العلماء في كل زمان ومكان كالنووي والسيوطي وأحمد بن تيمية وابن القيم والفخر الرازي وطنطاوي والغزالي وابن القاسم وخليل بن إسحاق وغيرهم كانوا جميعا على تقليد بالأئمة مع أن كل واحد منهم له اليد الطولى في كل فن من الفنون ولكن لما علموا أنهم لم يصلوا إلى رتبة الاجتهاد وقفوا عند حدهم وكانوا من جملة المتقلدين. ورحم الله امرءا عرف قدره ولم يتعد طوره.

هذا ومن الغريب جدا أن يكون باب الاجتهاد مفتوحا أمام الجميع يتسارع إليه الفقيه والسفيه ويتزاحم لديه العالم المتبحر والجاهل المتكبر. يتقيد هذا بعلمه ويتخبط ذاك بجهله كلا! إنها محض دعوى أريد بها تضليل العوام وتلبيس الحقائق بالأحلام ليس غير. فالاجتهاد في نظر المحققين رتبة في غاية السمو والارتفاع ومن المستحيل أن تحاول الوصول إليه عصبة من المتخلفين الذين كان الجدال – ولا يزال – هو مبلغهم من العلم ومنتهى حظهم في الفهم وقد سولت لهم أنفسهم أن يجوزوا لأنفسهم ولغيرهم الاستنباط من القرآن والأخذ بظاهر الآيات والأحاديث علما منهم بأن ذلك أقرب وسيلة وأنجح حيلة لصيد عقول الجهال ونيل الشهرة والرياسة لدى الأميين الذين لا يميزون بين السقيم والمستقيم لأنهم يقولون: نحن نقول قال الله أو قال رسول الله وغيرنا يقول قال مالك وقال شيخ فلاني.

ومن هنا أنكروا التقليد بأئمة المذاهب وبالغوا في نقدهم والاعتراض عليهم وتراهم يتساءلون فيما بينهم كيف نترك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ونقلد بالأئمة في اجتهادهم المحتمل للخطأ؟ وكيف نترك قول الله ورسوله ونأخذ بقول مالك أو بقول شافعي أو بقول فلان وفلان؟ وقد أجابهم بعض المحققين في تلك التساؤلات بقوله[3] إن تقليد الأئمة في اجتهادهم ليس تركا للآيات والأحاديث كما يزعمون بل هو عين التمسك والأخذ بهما فإن القرآن الكريم ما وصل إلينا إلا بواسطتهم مع كونهم أعلم منا بناسخه ومنسوخه ومطلقه ومقيده ومجمله ومبينه ومتشابهه ومحكمه وأسباب نزوله ومعانيه وتأويلاته ولغاته وسائر علومه وتلقيهم ذلك عن التابعين المتلقين عن الصحابة الذين تلقوا مباشرة عن الشارع الأمين صلوات الله وسلامه عليه المعصوم من الخطأ والهفوات. وكذلك الأحاديث ما وصلت إلينا إلا بواسطتهم مع كونهم أعلم ممن بعدهم بصحيحها وحسنها وضعيفها ومرفوعها ومرسلها ومتواترها وآحادها ومعضلها وغريبها وتأويلها وتاريخ المتقدم والمتأخر والناسخ والمنسوخ وأسبابها ولغاتها وسائر علومها مع تمام ضبطهم وتحريرهم لها وكمال إدراكهم وقوة ديانتهم واعتنائهم وتفرعهم ونور بصائرهم. وخلاصة القول فإن مدعي الاجتهاد من أبناء هذا العصر، المنكرين لتقليد أئمة المذاهب قد لا يريدون من وراء هذه الدعوى إلا حب الظهور وقصد الشهرة بمقتضى قاعدة: خالف تعرف. أو يريدون بها تفريقا وحدة المسلمين وإثارة الشكوك والخلافات بين صفوفهم سعيا وراء مصالحهم الشخصية. وإلا فهم أعلم بأنفسهم قبل غيرهم بأنهم ليسوا من ذوي المكانة المعتبرة في العلوم، ولا أهلية لهم بالفتوى فضلا عن الاجتهاد الذي يقف دونه أكابر العلماء.

_________________________________

[1]. أبو عبد الله محمد بن أبو بكر تلميذ ابن تيمية المتوفى 751 ه.

[2]. أحمد بن محمد بن أبو عبد الله المتوفى 241.

[3]. وهو العلامة الشيخ محمد أحمد عليش في كتابه فتح العلي المالك صفحة 100.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد