ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 23 مايو 2019 زيارة: 375

تاريخ التكفير في العصر الحديث

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: فتن التكفيريين (العرب المعاصرين) (ص13-18)
تأليف: الدكتور بسام الصباغ

منذ منتصف القرن الثامن عشر ولأسباب عديدة: منها الفقر والمرض، والجهل والفرقة، والاستعمار والتخلف، والجمود الفكري ظهرت دعوات إصلاحية في الوطن العربي، تطالب بتحرير الشعوب والوقوف بوجه الحكام المستبدين وبوجه الاستعمار، وكانت تتصف بحرارة ملتهبة، وثورة على العادات والتقاليد، وعلى الشعوب والحكام، وتحمل في طيات بعضها رياح التكفير، وظهرت ثلاث حركات كان لها الأثر الواضح على الحركات الإسلامية في العصر الحديث.

1- فالحركة الأولى في الحجاز والتي دعا إليها “محمد بن عبد الوهاب” التميمي النجدي [1703- 1791م)، الذي شغلته مسأله التوحيد، واعتبر العالم الإسلامي يشرك مع الله كثيرا في خلقه، وبدأت قصه الشرك والتنسيق والتبديع والتكفير تتوالى عمليا ونظريا … معتمدا على ظاهر اللفظ والعمل، دون أن يعير اهتماما لضروب اللغة العربية وأساليبها كالمجاز العقلي واستعمالاته، ومدلولات الألفاظ ومعانيها، إلى جانب موضوع النية في العمل، وحارب عبد الوهاب مخالفيه وقاتلهم[1]، (لعقيدته في وجوب تنقية مفهوم التوحيد من الشرك، وتوحيد الأسماء والصفات، والتركيز على مفهوم توحيد العبودية، والقضاء على الشرك والبدع والخرافات، كزيارة القبور، والتوسل) [2]، ويظل هذا التكفير أقرب لأن يكون تكفيرا تجهيليا لا تكفيرا تصادميا وجهاديا يعتمد على نظريات تجاه المسلمين تصل إلى تبديعهم وتقسيمهم وقد تصل إلى إباحة دمائهم عند بعضهم.

2- والحركة الثانية ظهرت في الهند، وكان لها تأثير في الوطن العربي، ظهرت على يد السيد ” أبي الأعلى المودودي” وكانت فرق هدامة باطلة انتشرت في بلاده کالقاديانية وغيرها فتصدى لها، وتصدى للاستعمار، وقد كتب  “المودودي” كتابه “المصطلحات الأربعة في القرآن”، وتحدث فيها عن كلمات أربعة “الإله” و “الرب” و “الدين” و”العبادة”، يشرح فيها بأثر هذه المعاني أصاب فهمها التغيير والتبديل والتحريف بعد عصر النبوة، يقول: “ولكنه في القرون التي تلت ذلك العصر الزاهر عصر النبوة جعلت تتبدل المعاني الأصلية لجميع تلك الكلمات، لتلك المعاني التي كانت شائعة بين القوم عصر نزول القرآن، حتى أخذت تضيق كل كلمة من تلكم الكلمات الأربع عما كانت تتسع له وتحيط به من قبل، وعادت منحصرة في معاني ضيقة محدودة و مخصوصة بمدلولات غامضة مستهجنة… [3]، ونادى بنظرية “الحاكمية “، وهي نظرية قديمة تتعلق بنظرية “الحق الإلهي المباشر”، وقد حصر في كتابه “المصطلحات الأربعة في القرآن” الذي حصر الحاكمية “حاکمية الإله” و”سلطان الرب” و”الدين” و”العبادة” في نطاق “الحكم الإسلامي” و ” إقامة الحكومة الإلهية” فحسب، وملخص نظريته: (أن الحاكمية لله وحده، وبيد جل شأنه التشريع، وليس لأحد وإن كان نبيا أن يأمر وينهى من غير أن يكون له سلطان من الله، لأن النبي لا يتبع إلا ما يوحى إليه، قال تعالى: (… إن أتبع إلا ما يوحى إلى…) [الأنعام: 50]، وما وجب على الناس طاعة النبي إلا لأنه يأتيهم بأحكام إلهية … ويخلص من ذلك إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الحاكم الحقيقي … وأنه ليس لأحد من دون الله شيء من أمر التشريع، لقوله تعالى: (… ومن لم يحكم بما أنزل الله أولئك هم الظلمون) [4]، [المائدة: 45]، واعتبر كل السلف مجتهديه ومقلديه على خطأ، لأنه (قد خفي على الناس معظم القرآن، بل وغابت عنهم روحه السامية وفكرته المركزية، لمجرد ما غشي هذه المصطلحات الأربعة الأساسية من حجب الجهل…) [5]، و(ليست نظرية الحاكمية المودودية نظرية تكفيرية بل نظرية تجهيلية، تطلق آليات التكفير، وتسمح بالقول إن المجتمعات الإسلامية الراهنة هي مجتمعات إسلامية بالاسم وليست بالفعل… إن المودودي بكلام آخر لا يخرج المجتمعات الإسلامية مما يسمى فقهية (دار الإسلام) إلى (دار الحرب) أو (دار الكفر) إلا أنه يراها غارقة في (تقاليد الجاهلية وأعمال الشرك) … لا يكفر “المودودي” لكنه يطلق آليات التكفير إلى أقصاها…) [6]، وتتطور نظرية الحاكمية إلى تكفيرية جهادية على يد “سيد قطب” في كتابه “معالم في الطريق”، الذي كتب فصوله في المعتقل، وكان سببا في إعدامه، واستغلت جماعات أقوال السيد قطب وتطرفوا بها، منهم جماعة التكفير والهجرة، وصار موضوع الحاكمية مقرونا بالتكفير وتغيير المنكر بكل الوسائل، واستخدم موضوع الجهاد المقدس لقلب أنظمة الحكم والأوضاع الاجتماعية.

3- والحركة الثالثة إصلاحية ؛ تهتم بموضوع التخلف الذي أصاب العالم الإسلامي، (وقد اهتم بهذه القضية فعلا عدد من رواد الفكر الإسلامي، فمن هؤلاء بل في مقدمتهم “جمال الدين الأفغاني”، الذي كرس حياته وجهاز تفكيره في معالجة مشكلة المسلمين، ولم يدخر شيئا من إمكانيته لم يصرفه في هذا السبيل، وكانت حياته وفكره كله وقفا على هذه القضية، ففي سبيلها تقلب في طول البلاد وعرضها مشردا منفيا، وقد أودع نظراته في حل مشكلة العالم الإسلامي في كتابه خاطرات) [7]، وتتلمذ على “جمال الدين الأفغاني” [1839- 1897م] “محمد عبده” [1849- 1905م]، ثم جاء “محمد رشيد رضا” [1871- 1918م)، وظهر تأثر “الأفغاني” “بمحمد عبد الوهاب” في موضوع الإصلاح القائم على قيم التوحيد الإسلامية والقرآن، ونادى الأفغاني بتحرير الفكر وتحرير الفرد، ومناهضة الاختراق الغربي.

و”الأفغاني” ثائر ملتهب، أديب بليغ، (فسخر الأدب في خدمة الشعب، يطالب بحقوقه، ويدفع الظلم عنه، ويهاجم من اعتدى عليه كائنا من كان، يبين للناس سوء حالهم وموضع بؤسهم، ويبصرهم بمن كان سبب فقرهم، وحرضهم أن يخرجوا من الظلمات إلى النور، وألا يخشوا بأس الحاكم، فليست قوته إلا بهم، ولا غناه إلا منهم، وأن يلحوا في طلب حقوقهم المغصوبة، وسعادتهم المسلوبة، فخرج على الناس بأدب جديد ينظر للشعب أكثر مما ينظر إلى الحاكم، وينشد الحرية، ويخلع العبودية، ويفيض في حقوق الناس وواجبات الحاكم…) [8].

ولكن مع بلاغة كلماته، وحرارة دعوته، فقد كان حارا حاد المزاج، يقول “عبده” في وصفه: ( إنه طموح إلى مقصده السياسي … إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه، وكثيرا ما كان التعجل علة الحرمان… وهو شجا مقدام، لا يهاب الموت كأنه لا يعرفه، إلا أنه حديد[9] المزاج، وكثيرا ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة) [10]؛ “فالأفغاني” كان يريد أن يحقق ما يرغب لا ما يمكث، بينما “عبده”، كان مذهبه أن يحقق ما يمكن لا ما يرغب.

كانت فيه حدة وتعجل، وعلى كل لم نلحظ “الأفغاني” أنه كفر المسلمين، بل كان يدافع عن الإسلام ويبصر المسلمين بحالهم، ويحذرهم من أعدائهم..

وفي الحقبة ذاتها ظهر “عبد الرحمن الكواكبي” [1848- 1902م) ( الذي اهتم بمشكلة العالم الإسلامي، وأفني حياته في التفكير والكتابة فيها) [11]، فألف کتاب “طبائع الاستبداد” تناول فيه الحكومات الإسلامية بالنقد والتجريح، وحثها على الوقوف في وجه الاستعمار وتحرير الشعوب من الظلم والاستعباد، كما ألف كتابه الآخر “أم القرى”، وأغلبه كان في نقد الشعوب الإسلامية لتصحيح الخطأ والفساد، وقد بحث في طبائع الاستبداد وفي الحكومات وواجباتهم، وقد بحث بحثا مستفيضا في علاقة الاستبداد بالدين والعلم، ورأى أن: ( الحرص على المجير أقوى وأوجب من الحرص على الحياة، فعاب على ابن خلدون رأيه في تقديم الحرص على الحياة عندما نقد ابن خلدون الإمام الحسن بن علي وأمثاله، وقال إنهم يعرضون أنفسهم للموت بخروجهم في فئة قليلة على الخليفة ذي السلطان والعدد والعُدد، يلقون بأنفسهم إلى التهلكة، فقال الكواكبي: إنهم معذورون لأنهم يفضلون الموت کرمأ على حياة الذل التي كان يحياها ابن خلدون، وهم في ذلك ککرام سباع الطير والوحوش التي تأبى التناسل في أقفاص الأسر، وتحاول الانتحار تخلصا من قيود الذلّ … فابن خلدون يتحدث بالعقل، والكواكبي يتحدث بالعاطفة) [12].

ولم ينصب الكواكبي نفسه في كتابيه قاضيا وحاكما بالتكفير والإشراك على أحد من المسلمين، إلا على الحكام الفاسدين والخونة المأجورين.

ثم يأتي “مالك بن نبي” الجزائري [1905- 1973م) فيهتم بمشاكل العالم الإسلامي، ويبحث في (مشکلات الحضارة) في الكتب التي نشرها، متحدثا عن الاستعمار وقابلية الاستعمار من الشعوب، كما أراد أن يوفق بين العلم والدين، وهو يرى أن الإطار الحضاري والإطار الثقافي كفيلان بحل مشاكل العالم الإسلامي، وليس عن طريق استخدام الأساليب السياسية أو العسكرية أو غيرها.

وتظل أفكار “الأفغاني” و”الإمام عبده”، و”رضا” و” الكواكبي ” و “مالك بن نبي ” أفكارا إصلاحية أقرب إلى أن تكون ثقافية، حتى جاءت حركة الإخوان المسلمين التي أسسها “حسن البنا” عام 1928م.

(ورغم النشاط السياسي “للأفغاني” فإن البديل الذي طرحه هو و”الإمام عبده ” و”رشيد رضا” كان بديلا إصلاحيا، ولم يكن يتجه إلى العمل الحركي، وكانت مهمتهم أقرب إلى أن تكون ثقافية، أما حركة الإخوان فبينما كانت حركة إصلاحية اقتحامة، لم تكن رغم ذلك مصرة على اللجوء إلى وسائل العنف لتحقيق أهدافها في مرحلتها الأولى قبل عام 1940م ) [13]، “فحسن البنا” هو امتداد “لمحمد عبده”، وحركة الإخوان المسلمين امتداد لحركة الإصلاح التي قادها “عبده” وتلامذته، ولم تظهر بوادر العنف إلا مع “الجهاز السري” للإخوان، وخاصة بعد اغتيال “البنا” عام 1949م، وخلافة “حسن الهضيبي” لموقع المرشد العام لحركة الإخوان.

والانعطاف الخطير في حركة الإخوان يكمن بعد دخول “سيد قطب” إلى الجماعة، وتبنيه نظرية الحاكمية المودودية وتطويرها إلى تكفيرية جهادية، حيث بدأ فكر التكفير يأخذ شكلا فلسفيا إقناعيا تنفيذيا تصادميا، وهو الذي اجتمع مع بعض جماعة ” المودودي ” عندما كان ” قطب ” في أمريكة وأعجب بفكر “المودودي”، فأخذ عنه فكرة “الحاكمية” لله، ولا “جاهلية” القرن العشرين.

___________________________

[1] . انظر: فتنة الوهابية: دحلان أحمد بن زيني دحلان، إسطنبول، ط1، 1968م.

[2] . انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة: ندوة الرياض، ص273، الدعوة السلفية وما بعدها، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ط 2، 1997م.

[3] . المصطلحات الأربعة في القرآن: أبو الأعلى المودودي. ص89، الدار الكويتية، الكويت، ط4، د. ت.

[4] . راجع: النظم السياسية: د. عبد الغني بسيوني. ص 48 ومابعدها، الدار الجامعية، بيروت، 1984م.

[5] . المصطلحات الأربعة في القرآن: المودودي. ص10.

[6] . الأحزاب والحركات والجماعات الإسلامية: دراج و باروت. 2/ 24. المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، دمشق، د.ت.

[7] . مذهب ابن آدم الأول: جودت سعيد. ص67، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط5، 1993.

[8] . زعماء الإصلاح: أحمد أمين ص67 وما بعدها، دار الكتاب العربي، بيروت، 1979م.

[9] . حديد: فيه حدة، أي شدة واهتياج.

[10] . الأعمال الكاملة: للإمام محمد عبده 2/ 352، تحقيق د. محمد عمارة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 1980م.

[11] . مذهب ابن آدم الأول: جودت سعيد ص67 وما بعدها.

[12] . زعماء الإصلاح: أحمد أمين ص 259.

[13] . تنظيم الجهاد: كتاب الحرية. رقم 18، نعمة الله جنينة. ص 83، نشر دار الحرية، القاهرة، ط1، 1988م.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد