ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 17 نوفمبر 2018 زيارة: 334

تصرف الألباني في حديث مجهول الحال (المستور)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: التعريف بأوهام من قسم السنن إلى صحيح وضعيف (1/ 299-305)
تأليف: الدكتور محمود سعيد ممدوح

الناظر في كتب الألباني يجده ضعف أسانيد كثيرة بوجود رواة مستورين فيها ولو كانوا من القدماء، ولم يحكم بالضعف ساکتا، بل تناول مقام عدد من حفاظ الحديث بالتشنيع عليهم بالتساهل والتشهير بهم على صفحات كتبه، ثم رأيته في بعض تصرفاته يخالف نفسه، ثم رأيته يصرح بقبول حديث المستور، فاضطرب أو نسي أو تراجع، الله أعلم بحقيقة الأمور، لكن الذي يجب ذكره أن كلامه في هذا النوع من الرواة من مواطن الضعف في كتبه، وهذا بيان ما أجملته.

تصريح الألباني بالرد ثم القبول في مكان واحد !:

قال الألباني في مقدمة تمام المنة (ص 19، 20): «القاعدة الرابعة رد حديث المجهول».

وحاصل ما ذكره فيها:

1- أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم.

2- أن رواية المستور موقوفة إلى استبانة حاله.

3- يمكن أن يتبين حاله بتوثيق معتمد، وإنما قال معتمد لأن هناك بعض المحدثين – في نظره – لا يعتمد عليهم في التوثيق وذكر منهم – في نظره أيضا -: ابن حبان.

4 – ثم تراجع وأقر العمل بحديث الراوي المستور فقال: «نعم يمكن أن تقبل روايته إذا روى عنه جمع من الثقات، ولم يتبين في حديثه ما ینکر عليه، وعلى هذا عمل المتأخرين من الحفاظ كابن کثير والعراقي والعسقلاني وغيرهم. (وانظر بعض الأمثلة فيما يأتي 204 – 207)». كذا قال.

قلت: أولا: أما كون أقل ما ترتفع به الجهالة هو اثنان مشهوران فقد ترجح أنه لا يشترط العدد والعمدة على الشهرة والمعرفة.

والألباني نفسه خالف هذا الشرط.

ثانيا: أما كون رواية المستور يتوقف عن العمل بها فهذا مذهب کثیر من المحدثين، وهم يتوقفون عن العمل بها لحين تطلب القرائن الدالة على القبول أو الرد.

والقرائن كثيرة – وتقدم ذكر بعضها – لا يمكن حصرها في مكان واحد، أو جمعها تحت قاعدة، أو ضابط كلي، فلكل حدیث حالته الخاصة، وهذا معلوم بالممارسة، وأهم القرائن أن لا يأتي الراوي بما ينكر عليه[1].

ثالثا: بيد أن عبارة الألباني: «وإنما يمكن أن يتبين لنا حاله بأن يوثقه إمام معتمد في توثیقه»، يفهم منها الحصر بدلالة قوله «إنما» واستبعاده توثيق ابن حبان يعارض قوله وعمله، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالی.

قبول الألباني لحديث المستور

رابعا: ثم عاد وخالف ما جاء في (ثالثا) حيث كان قد حصر القبول في توثيق معتمد فقط، واستبعد توثيق ابن حبان نظرأ لتساهله – في نظره -.

أقول: عاد وخالف نفسه وصرح باعتماد توثيق ابن حبان بشروط، فإنه قال في (ص 25) من نفس الكتاب: «من وثقه ابن حبان، وقد روی عنه جمع من «الثقات » ولم يأت بما ينكر عليه فهو صدوق يحتج به».

أقول: هذا ذهاب منه إلى قبول حدیث (مجهول الحال) المستور، ولكن برواية جمع، وأن يكون الحديث الذي رواه معروفا.

وبيان ذلك: أن الألباني نص في كتبه عشرات المرات على أن ابن حبان متساهل يوثق المجاهيل فتوثيقه عنده کالعدم.

بل قال في إروائه (8/ 131): «لم يوثقه غير ابن حبان فهو في حكم مجهول الحال».

ومنه يعلم أن قبول الألباني لحديث الراوي الذي وثقه ابن حبان وروی عنه جماعة من الثقات هو قبول لحديث المستور الذي روى عنه جماعة من الثقات ولم يأت بمتن منكر.

فإذا كان ابن حبان يوثق المجاهيل.

فرواية جماعة من الثقات عن هذا المجهول لا تجعله ثقة، ولكن تحسن الظن بحديثه لا سيما وأنه لم يأت بمتن منكر.

وهنا نسأل: هل حصل تحسين الظن بالراوي بسبب رواية الجماعة أم بتوثيق ابن حبان ؟.

إذا كان الألباني يصرح بأن ابن حبان يوثق المجاهيل وتوثیقه مردود، فقد حصل حسن الظن بالراوي «المجهول» يعني «المستور» برواية الجماعة وليس بالتوثيق.

وصرح الألباني بهذا المعنى صراحة فقال في ضعيفته (3/ 246، 247): «لم تثبت عندي عدالته، فإنه لم يوثقه أحد غير ابن حبان، وتساهله في التوثيق معروف، وقد أورده ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل » (3/ 1/ 114) ولم يحك فيه توثيقا، فهو في حكم المستورين.

وقال في صحيحته (1/ 453، 454):

قلت -(القائل الألباني) -: «وهذا سند جيد إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير أبي نهيك واسمه عثمان بن نهيك كما جزم الحافظ تبعا لابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (3/ 1/ 171)، وذكر أنه روى عنه جماعة من الثقات، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن القطان: لا يعرف، وتناقض فيه الحافظ فإنه في الأسماء قال: «مقبول»، وفي «الكنى» قال: «ثقة»، والظاهر أنه وسط حسن الحديث، لأنه تابعي وقد روى عنه الجماعة، فهو في حكم مستوري التابعين الذين يحتج بحديثهم ما لم يظهر خطؤهم فيه».

فانظر إلى تسميته ما وثقه ابن حبان «مستورا»، ثم قبول حديثه.

والحاصل أن الألباني إن كان قد فر من قبول توثيق ابن حبان لتساهله – في نظره – فإنه قد وقع في أمر آخر وهو: قبول حديث المستور الذي لم يأت بمتن منكر، وروى عنه جماعة من الثقات.

زيادة في إيضاح قبول الألباني لحديث الراوي المستور

وتنزلا مع الألباني، وإيضاحا لما تقدم سأورد ما احتج به لقبول توثیق ابن حبان إذا روى عن الراوي جماعة، وأبين أنه خاص بالمستور فقط إن شاء الله تعالی.

قال الألباني في تمام المنة (ص 204، 206):

«قال الذهبي في ترجمة مالك بن الخير الزبادي: «محله الصدق … روى عنه حيوة بن شريح، وابن وهب، وزيد بن الحباب، ورشدين، قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته … يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة … والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأت بما ينكر عليه؛ أن حديثه صحيح.

وأقره على هذه القاعدة في «اللسان»، وبناء على هذه القاعدة – التي منها كان انطلاقنا – (أي الألباني في تصحيح الحديث) – جرى الذهبي والعسقلاني وغيرهما من الحفاظ في توثيق بعض الرواة الذين لم يسبقوا إلى توثيقهم مطلقا، فانظر مثلا ترجمة أحمد بن عبدة الآملي في «الكاشف» للذهبي، و«التهذيب» للعسقلاني».

قلت: أما عن كلمة الذهبي فإنها خاصة بالرواة المستورين الذين لم يوثقوا البتة، فإن الذهبي بصدد الكلام على راو ظن أنه لم يوثق[2]، وروى عنه جماعة، فهو مستور، بدليل قوله «يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة».

وبدليل قوله[3]: «وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم».

وبدليل قول الذهبي أيضا في الميزان (1/ت 2109) في ترجمة حفص ابن بغيل: «ففي الصحيحين من هذا النمط خلق کثیر مستورون ما ضعفهم أحد، وما هم بمجاهيل».

بل والمثال الذي جاء به الألباني وهو أحمد بن عبدة الأملي ينادي بأعلى صوته أنه رجل مستور روی عنه جماعة.

قال عنه الحافظ في التقريب (75): «صدوق»، وكذا قال الذهبي في الكاشف (61).

بل إن قول الألباني المتقدم: «جرى الذهبي والعسقلاني وغيرهما من الحفاظ في توثيق بعض الرواة الذين لم يسبقوا إلى توثيقهم مطلقا» صریح في ذلك، فالكلام إذا على المستور، وهو الذي لم يوثق لا من ابن حبان ولا من غيره.

ومنه يعلم أن الألباني خلط بين نوعين من الرواة:

1- المستور الذي روى عنه ثقات ولم يوثق، فعبارة الذهبي المتقدمة، وموافقة الحافظ له، والمثال الذي جاء به الألباني كلها دلائل صريحة على قبول حديث هذا الصنف من الرواة إذا لم يأت بمتن منکر.

۲ – المستور الذي روى عنه ثقات ووثقه ابن حبان فهو صدوق عند الألباني إذا لم يأت بمتن منكر، وهو في حقيقته قبول لرواية المستور – عند الألباني – باعتبار أن توثيق ابن حبان عدم عنده.

إعادة تأكيد قبول الألباني لرواية المستور

وعود على بدء أقول: إن الألباني سطر أخيرا بيده قبول حدیث مجهول الحال أي المستور، فقال في تمام المنة (ص 20):

نعم يمكن أن تقبل روايته [أي المستور][4] إذا روى عنه جمع من الثقات، ولم يتبين في حديثه ما ينكر عليه، وعلى هذا عمل المتأخرين من الحفاظ كابن كثير والعراقي والعسقلاني وغيرهم».

قلت: وهذا هو مذهب الجمهور كما تقدم، وقد وضع الألباني نفسه في موقف لا يغبط عليه إزاء أحاديث المستورين التي ضعفها، ولكن لا يكفي الاعتراف، فلا بد من إصلاح ما سبق من تصرفاته المثيرة في رد روايات المستورين الذين لم تتبين نكارة في حديثهم، وهذا يحتاج الإخلاص، وجهد، ومعرفة.

وهكذا ترك مشروع الألباني «التصفية والتربية» – الذي يقدم الفقه المصفى في نظر الألباني – التناقض والأوهام والمجازفة، والاستدراك بنفسه على نفسه، واختلال الميزان من بين يديه.

فأين الذين يجهرون بنقل أحكامه على حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صحة وضعفا، ومخالفة لمناهج الأئمة مع اتهامهم بالتساهل، وأعتذر عن بسط مقصود في أمر خطير، والله المستعان.

_______________________

[1]. ويمكن هنا الاستعانة بكلمة السيد أحمد بن الصديق المتقدمة.

[2]. بغض النظر عن أن الراوي موضع الكلام ذكره ابن حبان في الثقات، فالمهم قاعدة قبول رواية المستور الذي لم يأت بما ينكر.

[3]. ولم أعرف السبب الذي دفع الألباني لحذف هذه العبارة من كلام الذهبي !.

[4]. ما بين المعقوفين مني زيادة في الإيضاح.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد