ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 29 أغسطس 2019 زيارة: 650

تقسيم التوحيد بين التأصيل الشرعي والحقيقة التاريخية

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: بدع السلفية الوهابية في هدم الشريعة الإسلامية (ص84-88)
تأليف: الدكتور محمد يوسف بلال

إن تقسيم التوحيد بهذا الشكل الثلاثي هل يصلح أو ينهض للدلالة على وحدانية الله تعالى في الظروف والأحوال الفكرية والعقدية؟ .. وإن لم يكن كذلك فما هو المنهج الصحيح إذا؟
لا شك في أن المنهج الذي جاء به القرآن الكريم وحث عليه وأمر به، والمتمثل – على وجه النصوص – في النظر والتدبر – بعين البصيرة في كتاب الله المفتوح .. التكفير والتدبير في الأرض وما أقلت والسماء وما أظلت، وفي كل ما خلق الله تعالى في الأنفس والأفاق، وهذا هو منهج أولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، متفکرين متدبرين في كل ما ذرأ وبرأ .. وهو منهج يقوم على إقناع العقل وإمتاع الوجدان، وإرضاء العامة والخاصة في آن معا.
ويكفينا من هذا المنهج لدلالة على وحدانية الله – تعالى – قوله – سبحانه وتعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الأنبياء: 22].
والقرآن الكريم ملئ من أوله لآخره بمثل هذه الآية في المضمون والمعنى فكان من الواجب عند قول الحق سبحانه: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وقوله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) كان من المفروض أن يقفوا عند منطوق هذه النصوص – وأمثاله – وتنتهي القضية بلا تعقيدات -، فلماذا قسموا التوحيد إلى أنواع وأولوا وفصلوا؟! وعليه:

إذا كان الله واحدا، لا من حديث العدد، فكيف يقسم من لا يتجزأ؟ وهو الواحد الأحد الفرد الصمد.
– إذا كان توحيد الربوبية، وفق هذا الرأي، قاسما مشتركا بين المؤمنين والمشركين، فهل يعقل أن يكون أحد الصحابة المبشرين بالجنة هو وأبو جهل سواء بسواء في توحيد الربوبية؟؟!! انظروا؟ ما لكم كيف تحكمون؟!
– ومع ذلك لننظر نحن في القرآن الكريم متفکرين متدبرين ومن الآيات التي هي محل النظر والاعتبار هنا قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) فرتب العبادة على الربوبية، فإننا إذا لم نعتقد أنه رب ينفع ويضر، فلا معنى لأن تعبده كما سبقت الإشارة إليه ويقول – تعالى: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ).
. ويقول عز وجل: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ). وعندما نذهب إلى السنة النبوية نجد قول أبي سفيان يوم أحد: «أعل هبل» فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: «الله أعلى وأجل» … فانظر إلى هذا القول وقل لي: ماذا ترى في ذلك التوحيد، توحيد الربوبية: هل هم فيه مثل المسلمين سواء بسواء، وإنما افترقوا في توحيد الألوهية فقط؟؟!
وما أروع قول الإمام علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله» البخاري. وهكذا – كما يقول العلامة د. محمد عبد الله دراز، رحمه الله: «نرى أن القطبين اللذين تأسست عليهما الديانة الموحدة التي يدعو القرآن لها، يقومان إما على حقائق سبق الاعتراف بها، أو تبني مبادئ واضحة إن أي برهان نظري لا يتطلب أكثر من هذه القوة في التدليل والإقناع» وما زال التساؤل مشروعا ومستمرا هل هذا التقسيم يتفق مع صريح المعقول؟
ووصف القرآن الكريم الرب بأنه الخالق المدبر، المالك المتصرف، ووصف الله بنفس هذه المعاني .. قال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21، 22].
فقد بدأ النص الكريم بالحديث عن الرب وختم بالحديث عن الله فكان من اللازم علي رأي من قسم التوحيد أن يقول الله (اعبدوا إلهكم) حيث كانوا يعرفون توحيد الربوبية ولا يعرفون توحيد الألوهية.
ومن الآيات التي تدل على وحدة التوحيد، والتنوع في لغة الخطاب قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [الأنعام: 1].
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1].
(إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) [الأعراف:54].
(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ).
(يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ).
وهنا نجد التلازم بين الألوهية والربوبية، فهل يلجأوا إلى التأويل؟!
المثال الثاني في الرزق، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ).
(إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا).
وبجانب هذه الآيات البينات لم يحدث ولم يثبت عن أحد من السلف، فضلا عن تابعي التابعين، فضلا عن الصحابة الكرام – رضوان الله تعالى عليهم أجمعين – أن دعوا أو قالوا:
إن التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن من لم يعرف توحيد الألوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية، لأن هذا يعرفه المشرکون؟!
لم يأت إطلاقا في سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -، والتي هي البيان والتوضيح لكتاب الله، من صحاح وسنن ومسانيد ومعاجم، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقول لأصحابه ويعلمهم: إن التوحيد ينقسم إلى قسمين: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، وأن من لم يعرف توحيد الألوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية، لأن هذا يعرفه المشركون؟!
عن أبي سلمة، عن شديد بن سويد الثقفي، قال: أتيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلت: إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية نوبية، أفيجزئ عني أن أعتقها عنها؟ قال: «ائتيني بها»، فأتيته بها، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «من ربك؟» قالت: الله، قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «فأعتقها فإنها مؤمنة». .
وفي رواية: أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقلت: إن على أمي رقبة، وإن عندي جارية سوداء نوبية، أفتجزئ عنها؟ قال: «ادفع بها»، فقال: «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» فقالت: نعم، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة».
هل ظنوا أنه فات على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يشرح للجارية التوحيد بقسميه واستدركوه هم عليه؟!
وهل عندهم اعتراض أو تحفظ على وصفه – صلى الله عليه وسلم – لها بأنها مؤمنة بمجرد إقرارها بشهادة التوحيد؟!
ألا ما أعظمك سيد يا رسول الله عندما جئتنا بعقيدة التوحيد السهلة السمحة، الواضحة النقية.
إن عقيدة المسلم في الرب هي بعينها عقيدته في الله، فالرب هو المستحق للعبادة، والله تعالى هو الخالق البارئ المصور، وبالعكس، وصدق الله حيث يقول: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 54].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، ولا يقول المملوك: ربي وربتي، وليقل المالك: فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي وسيدتي، فأنتم المملوکون والرب: الله عز وجل».
إذا علم هذا:
نجد أن الربوبية صفة من صفات الله – تعالى – وليست قسما من أقسام التوحيد، لا شك ولا مضمونا، لأن الرب اسم من أسمائه الحسنى أجمعت عليه الأمة، على الرغم من عدم وروده في الرواية المشهورة عن أبي هريرة رضي الله عنه.

 

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد