ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 7 مايو 2019 زيارة: 38

تكفير المعين عند السلفية الوهابية

(غير مصنفة)
الكتاب: بدع السلفية الوهابية في هدم الشريعة الإسلامية (ص284-302)
تأليف: الدكتور محمد يوسف بلال
.

.

النموذج الأول: تكفير ابن تيمية لسواد الأمة السادة الأشاعرة [1]:

قد تطرف ابن تيمية في تسويته بين الأشاعرة وبين المشركين في إنكار توحيد الإلهية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك في قوله عن الأشاعرة: وأخرجوا من التوحيد ما هو منه، كتوحيد الإلهية، وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه، وهذا التوحيد كان يقر به المشركون» [2].

أي أن الأزهر وجمهور المسلمين توحيدهم ناقص وهو نفس توحيد المشركين، ولا أدري أين الأمانة في عرض رأي الأشاعرة وأين الإنصاف؟، وبعد ذلك يزعمون عدم تكفير ابن تيمية للأمة، وقد تابع ابن عبد الوهاب ابن تيمية في تقسيم التوحيد وفي التكفير لمن لا يؤمن بهذا التقسيم الثلاثي للتوحيد وفي غيره.

لقد ذهبت المدرسة السلفية إلى تقسيمات للتوحيد لم يرد بها نص قرآني ولا أثر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم، وذهبت كعادتها في نسبة كل ما يعتقدونه إلى خير القرون فقد نسبوا هذا التقسيم هو تقسيم نظري شرعي دليله الاستقراء، وسار عليه السلف والخلف ثم اختلفوا فبعضهم قسم التوحيد قسمين، الأول: توحيد المعرفة والإثبات، والثاني: توحيد القصد والطلب، وأكثرهم قسمه ثلاثة: الأول: توحيد الربوبية، والثاني: توحيد الأسماء والصفات، والثالث: توحيد الألوهية، وكل هذه الأقسام عندهم متلازمة في الشرع لا يكون المرء موحدا حتى يأتي بها جميعا وتتحقق فيه.

وهذا تقسيم غير المعقول لم يرد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لأحد دخل في الإسلام: إن هناك توحيدين، لا يكفي أن تؤمن بأحدهما فقط وهو توحيد الربوبية، بل لا تكون مسلما حتى توحد توحيدا ثانيا هو توحيد الألوهية، ولا أشار إلى ذلك بنص واحد أو بكلمة واحدة، ولا سمع ذلك عن أحد من الصحاب رضوان الله عليهم، ولا عن السلف الذين بنسب إليهم هذا التقسيم، فإن الإله الحق هو الرب الحق هو المعبود بحق، والإله الباطل هو الرب الباطل غير المستحق للعبادة، وقد خص ابن تيمية مصر بعنايته الخاصة، فحكم عليهم بالردة، وإليك بيان ذلك.

النموذج الثاني: تكفير ابن تيمية لأهل مصر

ومن أكبر شواهد المجازفة ابن تيمية في التكفير الحكم على أهل مصر بالردة وفي ذلك يقول: «لأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب» [3].

هكذا تطلق الأحكام التكفيرية، ولا أدل على عدم صدق ابن تيمية في تكفيره أهل مصر في زمن الفاطميين، بتصديهم للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، أحد خلفاء مصر من عقب المهدي، وكان الحاكم بأمر الله يدعى علم الغيب على المنبر، بالجامع المعروف به على القرب من باب الفتوح بالقاهرة، فكتب المصريون له بطاقة، يظهر من خلالها مدى تمسكهم بدينهم وسذاجة اتهامهم بالردة من قبل ابن تيمية، فكتبوا فيها:

بالظلم والجور قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة

إن كنت أوتيت علم غيب … بين لنا كاتب البطاقة [4]

والقارئ العادي عندما يقرأ لابن تيمية تكفيره للأشاعرة، وتكفيره لأهل مصر، لن يعجب عندما يقرأ لابن عبد الوهاب، تكفير ما كفره ابن تيمية مع توسع شديد، فبأدنى تأمل سيجد القارئ عند ابن عبد الوهاب تكفير المتكلمين عامة وخاصة الأشاعرة، وأيضا سيجد تكفير سائر البلاد المسلمين بما فيها مكة والمدينة واليمن والشام والعراق.

النموذج الثالث: حجة الإسلام الإمام الغزالي

ولم يكتف ابن تيمية بالعموم في التكفير، بل ذهب إلى تكفير المعين، ومتناقضا بذلك ما ذكره من ضوابط لتكفير المعين، فقد كفر ابن تيمية المعين من أمثال حجة الإسلام الإمام الغزالي، والقطب الأشعري فخر الدين الرازي، وستجد ابن عبد الوهاب يقلده في ذلك، مع توسع في تكفير المعين وستجد ذلك بالتفصيل عند الحديث في المبحث الثاني من هذا البحث.

ها هو ابن تيمية يتجه إلى تكفير المعين، حين يتهم التصوف الإسلامي السني الإيجابي الذي كان يمثله حجة الإسلام الإمام الغزالي، والذي يهدف لتفريغ القلب من كل ما سوى الله – تعالى – فيعتبر هذه الطريقة بدعة تودي للكفر بأصحابها فيقول: «وأما أبو حامد وأمثاله ممن أمروا بهذه الطريقة فلم يكونوا يظنون أنها تفضي إلى الكفر، لكن ينبغي أن يعرف أن البدع بريد الكفر، ولكن أمروا المريد أن يفرغ قلبه من كل شيء … وهم يعتقدون أنه إذا فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه من المعرفة ما هو المطلوب، بل قد يقولون: أنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء، ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء، وأبو حامد يكثر من مدح هذه الطريقة في الإحياء وغيره كما أنه يبالغ في مدح الزهد، وهذا من بقايا الفلسفة عليه» [5].

ومما سبق يتضح أن ابن تيمية قد اعتبر حجة الإسلام متبعا ومادحا لطريقة صوفية، مهتمة بتفريغ القلب من كل ما سوى الله – ونعم التهمة والله – ليحصل المطلوب، ولا يقول أنهم يطلبون العلم اللدني الذي يخص به الله الأتقياء من عباده، الذين يعملون بما يعلمون بكل إخلاص، ولكن تشويها للصورة يقول بادعائهم السعي للحصول ليس فقط على جنس ما يحصل للأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) بل للحصول على أعلى مما حصل للأنبياء (عليهم السلام).

ولم يكتف بتشويه الصورة، فقد أرجع هذه الصورة المشوهة لتأثر حجة الإسلام الإمام الغزالي بالفلسفة والفلاسفة، ولم يتورع في إتهام الإمام الغزالي بالتصريح بحصوله على جنس ما يحصل للأنبياء، بل بما انفرد به بعضهم في ذلك يقول: «… فلهذا يقولون إنه يحصل لهم مثل ما حصل الموسى وأعظم مما حصل لموسى، وأبو حامد يقول إنه سمع الخطاب كما سمعه موسى (عليه السلام) وإن لم يقصد هو بالخطاب، وهذا كله لنقص إيمانهم بالرسل وأنهم آمنوا ببعض ما جاءت به الرسل وكفروا ببعض» [6].

وهنا أتساءل هل هناك شك في اتهامه حجة الإسلام الغزالي بالكفر حين اتهمه بنقص الإيمان بالرسل، والإيمان ببعض ما جاءوا به والكفر بالبعض الآخر؟

الأمر الذي جعل السيد محمد رشيد رضا يدافع عن الإمام الغزالي ويرد على ابن تيمية قائلا: «ولكنه – الغزالي – لم يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء ولا مثله بل هو يفضل مثل الشافعي على نفسه ويفضل الصحابة على الشافعي بل بين غرور بعض الصوفية وضلالهم في ذلك في كتاب ذم الغرور من الأحياء» [7].

النموذج الرابع: تكفير ابن تيمية للعلامة الإمام فخر الدين الرازي.

وفي حملته المسعورة على المتكلمين وخاصة الأشاعرة، يصب ابن تيمية جام غضبه على العالم العلامة والبحر الفهامة الإمام الرباني والمفسر الأشعري الصوفي الشافعي فخر الدين الرازي فيحكم عليه بالردة.

وفي ذلك يقول عن المتكلمين عامة وعن الرازي خاصة: «كثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة، وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق، وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق، لكن قل أن يسلموا من نوع النفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة … أبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام، كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين، وإن كان قد يكون منه وعاد إلى الإسلام.

وستجد عند الحديث عن موقف ابن عبد الوهاب من الرازي، كيف يستدل على ردته بكلام ابن تيمية، ويؤكد أنه ينقل كلام ابن تيمية بلفظه وحروفه، وكلامه غير صحيح فلم ينقل كلام ابن تيمية فيما حكاه عن توبة الرازي[8].

النموذج الخامس: قتل من يجهر بالنية في الصلاة

سئل بن تيمية عن رجل يصلي يشوش على الصفوف الذي حواليه بالجهر بالنية، وأنكروا عليه مرة ولم يرجع، وقال له إنسان: هذا الذي تفعله ما هو من دين الله، وأنت مخالف فيه السنة، فقال: هذا دين الله الذي بعث برسله، ويجب على كل مسلم أن يفعل هذا فكان جواب ابن تيمية: الحمد لله الجهر بلفظ النية ليس مشروعا عند أحد من علماء المسلمين ولا فعله رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولا فعله أحد من خلفائه وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها ومن ادعى أن ذلك دين الله وأنه واجب فإنه يجب تعريفه الشريعة واستتابته كالوضوء والغسل والصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك محلها القلب باتفاق أئمة المسلمين.

وأزعم أن الرجل المحكوم عليه بالقتل من ابن تيمية قد تلفظ بالنية، ولكن التشويه المتعمد الملموس لدى ابن تيمية ومن يستفتونه، هو الذي جعلهم يتهمون الرجل بالجهر والتشويش على صفوف المصلين، ومعلوم أن التلفظ بالنية موضع خلاف بين الفقهاء، فمنهم من قال: لا بأس به، ومنه من قال خلاف الأولى وقد استحسنه الفقهاء دفعا للوسوسة، ولكن تأمل التشويه وتأمل الحكم بالقتل أي الحكم بالردة وتنفيذ الإعدام على الرجل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [9].

النموذج السادس: السلفية الوهابية تكفر المعين بلا ضوابط ولا شروط ولا بإقامة الحجة[10]

يقول ابن تيمية: «مع أني دائما – ومن جالسني يعلم ذلك مني – أني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العلمية [11].

فيخبرنا الشيخ هنا أنه يتحرج جدا من تكفير المخالف، إلا إذا علم حقا أنه قد قامت عليه الحجة، ولكن تبقى مسألة أنه: كيف نعلم أن الحجة قد قامت على المخالف؟ هل إبانة الحق للمخالف. أو ما نرى نحن أنه هو الحق – كاف لنكون نحن بهذا قد أقمنا الحجة عليه؟

ثم لماذا لا تكون الحجة قد قامت علينا نحن حين يطرح المخالف وجهة نظره ويسوق أدلته لنا؟

وإذن فسيري هو أننا نحن الذين قد قامت علينا الحجة لا هو؟ ثم إن الحجة لا تقوم على من قامت لديه شبهات قوية تقف موقف المعارض مما نراه نحن حججا، وما من سبيل لتكون الحجة قد قامت حقا على المخالف إلا بأن يعلم في قرارة نفسه أن ما نقوله هو الحق، فإذا خالف ذلك انطبق عليه التكفير أو التفسيق ولكن من أين لنا أن نعلم هذه المسألة المستكنة في قلوب العباد؟ والتي لا يعلم خباياها وخفاياها إلا الله تعالى؟ وإذن فأني وكيف نستطيع – عمليا – نسبة المعين إلى الكفر؟

فإن دخوله للإسلام كان بيقين، فلا يجوز إخراجه منه بالظن.

أما ثانيا: فإنا نجد أن ابن تيمية رحمه الله يتحرج هنا من التكفير غاية التحرج، ويخبرنا بأنه من أشد الناس تعظيما لنسبة المعين إلى الكفر، غير أنه – بغض النظر عن تكفير المعين – يكون هناك إشكال حقيقي في تكفير المطلق نفسه من جهتين:

الجهة الأولى:

تكفير طائفة بعينها لها وجود في الخارج، مثل تكفير الجهمية على سبيل المثال، وكذلك تكفير القدرية مثلا أو تكفير المعتزلة أو غير ذلك ألا يعد هذا تكفيرا للأعيان؟ تكفيرا لطائفة معينة موجودة في الخارج بعينها؟ تكفيرا لمجموعة معينة لا لفرد وتكفيرا لجملة لا لشخص؟ فحين أقول مثلا: النصارى كفار فهذا تكفير لأعيانهم ولكن بالجملة، وليس هذا تكفيرا لمطلق كما يظن بعض الناس، ولكني حين أقول: لقد كفر من قال إن الله ثالث ثلاثة، فهذا تكفير مطلق حقا ليس مصروفا إلى طائفة بعينها بل مصروف إلى من يقول هذا القول بشكل مطلق دون تحديد طائفة بعينها، فتأمل!

الجهة الأخرى:

تكفير المطلق من حيث هو مطلق، هل هو دائما صحيح؟ بمعنى أننا لو قلنا بتكفير من ينكر روية الرب يوم القيامة مثلا فهل هناك نص يفيد حقا أن منكر الرؤية الحسية بالعين كافر أو أنه من المعلوم من الدين بالضرورة وإذن فمنكره كافر؟ بمعني أنه هل كان يأتي الأعرابي ليسلم ويعلمه رسول الله الإسلام هل كان يلقنه أنه يجب عليك أن تؤمن بان ذات الله تعالى ترى عيانا يوم القيامة؟ فهذه من أصول الإيمان التي يكفر تاركها؟ وهل كان رسول الله يلقن الأعرابي وجوب الاعتقاد بالمسيح الدجال؟ أو وجوب الاعتقاد بالمهدي المنتظر؟ ووجوب الاعتقاد بالعراج مثلا؟ وأن هذا المعراج كان بالجسد .. إلخ؟

وذلك اعتبار من يؤول النصوص مثلا مكذبا للنصوص، كما قال ابن تيمية في المؤولين لظواهر النصوص، قال: «ولو أقر بلفظة [أي النص مع إعراضه عن معناه الذي بينه الرسول، أو صرفه إلى معان لا يدل عليها مجرى الخطاب بفنون التحريف، بل لم يردها الرسول؛ فهذا ليس بتصديق في الحقيقة، بل هو إلى التكذيب أقرب» [12].

فهل من يؤول النصوص على وفق لغة العرب هو مكذب للنص حقا؟ وهل التأويل في أصله هو تكذيب للنص؟

فهذان إشكالان واقعان في مسألة تكفير المطلق يحتاجان إلى بحث وإلى موازنة.

أما بالنسبة لتكفير المعين فإني وفي كل ما اطلعت عليه من كتب ابن تيمية لم أجد له نصا صريحا في تكفير معين بوجه لا يمكن الجدال فيه، ولكنه في كتابه (بيان تلبيس الجهمية) أطلق على الإمام فخر الدين الرازي بأنه (محاد لله ورسوله) فيقول: «ومن العجيب أن هذا الرجل المحاد لله ولرسوله عمد إلى الأخبار المستفيضة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) التي توارثها عند أئمة الدين وورثة الأنبياء والمرسلين واتفق على صحتها جميع العارفين فقدح فيها قدحا يشبه الزنادقة النافقين ثم يحتج في أصول الدين بنقل أبي معشر أحد المؤمنين بالجبت والطاغوت أئمة الشرك والضلال نعوذ بالله من شرورهم وأقوالهم والله المستعان على ما يصفون»[13].

فهذا الوصف (المحادة لله ورسوله) لم يطلق في القرآن الكريم إلا على المنافقين والكافرين، فهل الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله كان محادا لله ورسوله حقا؟ وهل يجوز وصف عالم متأول من علماء المسلمين بهذه الأوصاف لا سيما إذا كان بمنزلة الإمام الرازي رحمه الله؟ وهل تنسجم هذه الحدة وهذه القسوة مع تأصيل ابن تيمية في التحذير من التكفير أو التفسيق إلا بقيام الحجة والحث على الجماعة والنهي عن الفرقة؟ وهل قامت الحجة حقا على الرازي حتى يوصف بهذا الوصف؟

وإذا كانت قد قامت عليه حقا فمن أين علم شيخ الإسلام هذا وقد مات الرازي قبل ولادة ابن تيمية بستين سنة تقريبا [14].

فهذا الكلام يوحي بتكفير ابن تيمية لهذا الرجل المسؤول عنه بعينه، لم يلتفت شيخ الإسلام فيه إلى افتراض أي مانع من الموانع التي تمنع من إطلاق الكفر عليه كجهل أو تأويل.

النموذج السابع: تكفر ابن عثيمين لتارك الصلاة كسلا

وفي هذا السياق لعل من المناسب أن آتي بأمثلة ابن عثيمين – وقد نقلت عنه آنفا تحذيره الشديد من تكفير المعين – لعلنا نطلع على مدى الانسجام بين التنظير والتطبيق في مسألة تكفير المطلق وتكفير المعين.

من المعلوم أن ابن عثيمين يكفر تارك الصلاة الذي يتركها بالكلية بمعنى أنه لا يصلي البتة، فهذا حكم كلي (مطلق)، ولا يمكن تنزيله على معين إلا بتوافر الشروط وانتفاء الموانع كما هو معلوم، إذا ثبت هذا فهلم نتأمل هذه الفتوى:

سئل عن امرأة تقول: لي زوج لا يصلي في البيت ولا مع الجماعة، وقد نصحته ولم يجد به نصحي شيئا، وقد أخبرت أبي وإخواني بذلك الأمر، ولكنهم لم يبالوا بذلك، وأخبركم أني أمنع نفسي منه، فما حكم ذلك؟ وكيف أتصرف؟ مع العلم أنه ليس بيننا أولاد.

فأجاب بقوله: إذا كان حال الزوج لا يصلي في البيت ولا مع الجماعة فإنه كافر ونكاحه منك منفسخ إلا أن يهديه الله فيصلي.

ويجب على أهلك وأبيك وإخوتك أن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يطالبوا زوجك إما بالعودة إلى الإسلام أو بفسخ النكاح، وامتناعك هذا في محله لا بالجماع ولا فيما دونه، وذلك لأنك حرام عليه حتى يعود إلى الإسلام، والذي أرى لك أن تذهبي إلى أهلك ولا ترجعي، وأن تفتدي منه نفسك بكل ما تملكين حتى تتخلصي منه، ففري منه فرارك من الأسد.

وأنا نصحيتي له: أن يعود إلى الإسلام، ويتقي ربه، ويقيم الصلاة، فإن لم يصل فإنه كافر مخلد في نار جهنم، يحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، وإنه إذا مات على هذه الحال فإنه لا حق له على المسلمين، لا بتغسيل ولا بتكفين، ولا بصلاة، ولا بدعاء.

وإنما يرمي في حفرة لئلا يتأذى الناس برائحته، فعليه أن يخاف الله عز وجل ويرجع إلى دينه، ويقيم الصلاة وبقية أركان الإسلام … إلخ» [15].

فهذا تكفير واضح وحكم بالردة على معين هو زوج تلك المرأة تحديدا، يقوم عليه كل ما يتعلق بأحكام المرتد من إباحة الدم والمال وما يتعلق بأحكام الإرث، بل لو أن أحدا سمع هذه الفتوى فقتل زوج تلك المرأة لكانت هذه الفتوى له مبررا ومسوغا؛ لأن هذا الزوج مهدر الدم، لقد حكم ابن العثيمين بمجرد سماعه من المرأة، لقد حكم حكم مباشرة بردة زوجها، دون أن ينظر لا في توافر شروط ولا في انتفاء موانع، ودون أن يسأل الرجل أو يعلم منه ما أسباب تركه للصلاة فلعل له سببا يخفيه عن زوجته يتحرج منه، فلعله يعاني من مرض نفسي يخفيه عن زوجته مثلا، ولعله يرى أن صلاته غير مقبولة مثلا لسبب من الأسباب، أو هو يعاني من الوسواس في الصلاة فيظن أنها غير واجبة عليه ومن أجل هذا يتركها، ولعله … ولعله، ومن يختلط بالعوام وينظر كيف يفكرون لا يقضي منه العجب مما يرى من تصوراتهم وأفكارهم. وقد تكرر هذا الأمر من ابن العثيمين أكثر من مرة وهذه فتوى أخرى تشابه الأولى في إطلاق الحكم بالكفر والارتداد على معين:

سئل الشيخ: عن امرأة مات زوجها وهو شاب في حادث سيارة، وأنه كان في صغره مستقيما، وحي بعد زواه لكن قبل وفاته بأربع سنوات كان لا يصلي، ولا يصوم، ولا يحج، وكان جوابه إذا نصحته: اللي ما يهديه الله ما يهديه الناس، وتسأل هل مات كافرا ضالا؟ وهل تدعو له بالرحمة والمغفرة؟ وهل تقضي عنه الصلاة والصيام والحج؟ وهل تذبح الذبيح الذبيحة التي حلف أن يذبحها؟ وهل هو شهيد لأنه مات بحادث؟ وما حكم تمني الموت التلحق به؟ وهل تحد عليه؟

فأنت ترى من هذا السؤال مقدار حزن المرأة على زوجها وولهها به، و مقدار حبها لها حتى أنها تسأل عن حكم تمني الموت لتلحق به من شدة وجدها وحزنها عليه، وهو رجل يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وواضح من السؤال أنه كان ينوي أن يذبح شاة قربانا لوجه الله تعالى والتي حلف أن يذبحها، ولعله قبل أن يموت بدقائق أضمر توبة ولعله كان ينوي أن يصلي ولكن الموت عاجله، ثم هو يظن – كما هو واضح من السؤال – أن الهدية من الله مطلقا لا بجهد بشري وأن الله لم يخلق الهداية في قلبه، فهو جاهل متأول، وهذا الفكر يتبناه فضيلة العلامة العثيمين نفسه فهو يفسر عدم موت أبي طالب على الإيمان بأن الله «مقلب القلوب لم يخلق الإيمان في قلبه»[16] فلعل هذا الشاب سمع هذه الكلمة أو نحوها من الشيخ أو غيره ففهم منه ما ذكرته السائلة في سؤالها، ورأى أن الله تعالى قد خلق الهداية في قلبه ثم نزعها منه، ثم هو ينتظر الآن أن يخلق الله الهداية في قلبه مرة أخرى!

لكن بالرغم من كل هذه الموانع يجيب ابن العثيمين المرأة الأرملة المحزونة فيقول لها:

إذا كان زوجك أيتها السائلة قد مات وهو لا يصلي ولا يصوم فقد مات كافرا نعوذ بالله من حاله، لأن تارك الصلاة كفر مخرج عن الملة».

فهذا أول ما صدم به ابن العثيمين المرأة الوالهة المفجوعة بزوجها، ثم يقول – بعد أن سرد الأدلة على كفر تارك الصلاة -:

ولا يجوز لوالديه ولا لغيرهم أن يدعو له بالمغفرة والرحمة لأن من مات كافرا فهو من أصحاب الجحيم بقول الله الذي لا يخلف».

فسؤال الله أن يغفر له اعتداء في الدعاء؛ لأنه سؤال ما لا يمكن إجابته، ولا يجوز العطف والحنو على من مات وهو لا يصلي، ولا أن يغسل أو يكفن أو يصلى عليه أو يدفن في مقابر المسلمين؛ لأنه ليس منهم، ولا يحشر معهم، وإنما يحشر مع أئمة الكفر فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف» ثم يقول: «لا تصلين عنه ولا تصومين ولا تجين لأن الصلاة لا تقضى عن الميت، والصيام والحج لا يقضيان عمن مات كافرا، لأن العمل الصالح لا ينفع من مات على الكفر … » ويضيف: «بل الواجب عليك الإعراض عن التفكير فيه» ويتابع: «من مات على الحال التي ذكرت فلا ينبغي أن يهتم به المؤمن»، ويختم فتواه بقوله: «أما الإحداد فلا أرى أنه يجب عليك وذلك لأن أهل العلم يقولون: إن الزوج إذا ارتد، وقد ذكرت أن لزوجك حوالي أربع سنوات وهو لا يصلي ولا يصوم، وعلى هذا فلست زوجة له شرعا من حين ترك الصلاة فلا يلزمك الإحداد حينئذ» [17].

فهذا تكفير لشخص معين هو زوج تلك المرأة المتوفي بعينه، تقوم عليه كل لوازمه التي ذكرها الشيخ في هذه الفتوى التي حكم بها على زوج هذه الأرملة بالكفر، وبناء على ذلك فقد أفتاها بما يتفق مع ردة زوجها فلا يجوز لذويه أن يدعوا له بالرحمة، ولا يجوز لها أن تهتم به، بل عليها أن تعرض عن التفكير في شريك حياتها، بل ليس عليها إحداد عليه لأنه منذ ترك الصلاة قد أصبح زواجه منها منفسخا شرعا، وإذن فنوم زوجها – أو من يفترض أن يكون زوجها – معها ومعاشرته إياها، ونكاحه إياها ليس نكاحا شرعيا، وإذن كنا سنكفر هذا المعين وذاك المعين دون أن نتحقق من أسباب تركه للصلاة كما فعل ابن العثيمين، ونحم بأن عقده على زوجته منفسخ شرعا وأن عشرته لها لن تكون زواجا شرعيا والعياذ بالله، فالسؤال هوك على كم من الناس في مجتمعنا سنحكم بالارتداد يا تري؟ وعلى كم إنسان ستجري أحكام الارتداد المتعلقة به كانفساخ العقد وكون هذه العشرة ليست نكاحا شرعيا، وعدم التوريث مثلا وغيرها من الأحكام؟

والمقصود هنا أنا نرى أن ابن العثيمين لم يكلف نفسه إحسان الظن أو النظر إلى تلك الاحتمالات التي تعد موانع من تكفير المعين فتجعل – عفا الله عنا وعنه – في الحكم بالردة على هذا المعين وذاك المعين، وهذا مثالان فقط ذكرتهما وإلا فهناك غير هذين المثالين مما يضاف إلى ما سبق [18].

وهكذا يتبين أن السلفية الوهابية هم بحق خوارج العصر الذين يكفرون أهل الإسلام لا فرق في ذلك بين الإمام الرازي وتارك الصلاة كسلا.

بالإضافة إلى مخالفة ابن العثيمين للإجماع في تارك الصلاة كسلا غير جاحد بل تهاونا فإنه لا يكفر بل يوبخ وعلى الإمام أن يأمره بالاشتغال بأدائها، لذلك فإن قول ابن العثيمين بأنه كافر هو الحكم الشاذ المخالف للإجماع والذي تراجع عنه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بعد مراجعة الإمام الشافعي رحمه الله، فلقد نقل أن الأمام أحمد بن حنبل قال: إن تارك صلاة واحدة عمدا يكفر عملا بظاهر الحديث بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة»[19] قال له الإمام الشافعي (رضي الله عنه) إذا ترك أحد صلاة عمدا وكفر كما تقول، فكيف يعمل ليرجع إلى الإسلام، قال: يصلي، قال الشافعي (رضي الله عنه): فكيف تصح الصلاة من كافر؟ فانقطع الإمام أحمد عن الكلام [20] لأن الصلاة لا تصح من كافر، ولابد لمن كفر أن يعود ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتارك الصلاة كسلا يقولها إلا أن تكفير المسلمين هو مذهب الخوارج السلفية الوهابية [21].

النموذج الثامن: تكفير الأنبياء

وإذا كانت الخوارج تكفر من سواهم حتى ولو كان من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فإن الخوارج السلفية قد تجاوزوا فنال تكفيرهم بعض الأنبياء كأبينا وسيدنا آدم (عليه الصلاة والسلام) حيث بلغ بأحدهم أنه كان بعض الأفاضل يناقشه فقال له هذا الفاضل إن الله عز وجل يقول: (وعصى آدم ربه فغوى) [طه: 121] فهل كفر آدم؟ فقال له هذا المجرم نعم لقد كفر آدم [22].

وقد جاء بكتاب التوحيد المقرر على الصف الأول المتوسط بالسعودية في باب التوحيد الذي هو حق الله على العبادات تأليف ابن عبد الوهاب قال تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما أن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين * فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون) [الأعراف: 189 – 191]، قال ابن عبد الوهاب نزلت في سيدنا آدم وأمنا حواء عليهما وعلى نبينا الصلاة السلام، وهذا تكفير لنبي الله آدم [23].

____________________________

[1] . د/ اليماني الفخراني – المتشابهات بين ابن تيمية الحراني والقرضاوي الصفطاوي – مكتبة الجامعة الأزهرية ومكتبة الإيمان 2014، ص61.

[2] . منهاج السنة لابن تيمية 3/ 289، مؤسسة قرطبة ط1 1406 هـ د/ محمد رشاد سالم.

[3] . الفتاوى الكبرى 3/ 495، المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس الناشر: دار المعرفة – بيروت، الطبعة الأولى، 1386 هـ تحقيق: حسنين محمد مخلوف عدد الأجزاء 5.

[4] . تاريخ الإسلام للذهبي 27/ 131، وصبح الأعشى للقلقشندي 13 / 242، الهيئة العامة لقصور الثقافة الذخائر 142.

[5] . مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية تحقيق السيد محمد رشيد رضا 5/ 51 ط المنار.

[6] . مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية تحقيق السيد محمد رشيد رضا 5 / 87 ط المنار.

[7] . رسائل ابن تيمية 5/87 نقلا عن د/ اليماني الفخراني – مرجع سابق ص 65.

[8] . د/ اليماني الفخراني – مرجع سابق ص 66.

[9] . أول صفحة وأول فتوى في الفتاوى الكبرى.

[10] . رائد السمهوري – نقد الخطاب السلفي – ابن تيمية نموذجا – دار طوى ص 63.

[11] . مجموع الفتاوى 3/ 147.

[12] . درء التعارض 3: 110.

[13] . بيان تلبيس الجهمية، بتكميل وتصحيح وتعليق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى (مكتبة ابن تيمية: بدون مكان ناشر، طبعة الحكومة في مكة، 1392 هـ) ج1 ص459.

[14] . رائد السمهوري – نقد الخطاب السلفي – الطبعة الأولى – طوى لنشر والإعلام بلندن ص 65.

[15] . مجموع رسائل و فتاوى ابن عثيمين 12: 57.

[16] . مجموع رسائله وفتاواه 9: 350.

[17] . مجموع رسائل وفتاواه 12: 81.

[18] . رائد السمهوري – نقد الخطاب السلفي – مرجع سابق ص 7.

[19] . رواه الإمام مسلم عن جابر (رضي الله عنه).

[20] . الإمام – فريد الدين العطار – تذكرة الأولياء – دار المكتبي بدمشق – الطبعة الأولى سنة 1430 هـ – 2009 م، ص 272.

[21] . ياسر برهامي – تحقيق مذهب الشيخ ابن تيمية في تارك الصلاة – دار الخلفاء الراشدين بالأسكندرية – الطبعة الثانية 1432، 2011م.

[22] . أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن أبي العينين – إعلان النكير على غلاة التكفير – طبعة مكتبة ابن عباس بالمنصورة – الطبعة الأولى 2004 ص 21.

[23] . المملكة العربية السعودية – وزارة المعارف – مقرر التوحيد للصف الثاني المتوسط. الطبعة الثالثة 1396 هـ- 1976م ص 92.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد