ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 30 أكتوبر 2017 زيارة: 20

تنزيه الله عن المكان والجهة الجزء الأول

(1 تصویت, معدل: 4.00 من 5)
مقتبس من كتاب مقالات وفتاوى الإمام العلامة يوسف الدجوي 183-189
تأليف: الشيخ يوسف الدجوي

إن الله في السماء بمعنى جهة العلو، ويدل لذلك آيات كثيرة وأحاديث عديدة، ثم ساق من الآيات مثل قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) [سورة الملك، الآية 16]، وقوله (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) [سورة طه، الآية 5]، (إليه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [سورة فاطر، الآية 10] ، (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ) [سورة النحل، الآية 50]، (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) [سورة النساء، الآية 158]، إلى غير ذلك.

ومن الأحاديث مثل قوله (صلى الله عليه وسلم): (إنَّ اللهَ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلىَ الَّسمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ الَّليْل الآخرِ فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبُ لَهُ)، إلخ…..

ونحن نقول له: ما كان ينبغي أن تذكر هذه الآيات المتشابهة (مجتمعة) وكذلك أحاديث الصفات، فإن هذا يلبس على الناس ويدع في نفوسهم أثراً سيئاً عند ما تمتلئ من تلك الظواهر التي لم تذكر في الكتاب والسنة إلا في مقامات معدودة، وربما احتف بها من القرائن ما يوجب صرفها عن ظاهرها، كما في قوله (صلى الله عليه وسلم) فيمن ذكر أنهم يكونون على يمين الرحمن، معرفا إيانا أنه يجب تنزيهه عما يعطيه ظاهر لفظ اليمين فقال: (وَ كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ).

ولا يكاد يذكر ذلك في (مقام واحد) على نحو ما تفعلون قصداً للتأثير في الناس والتلبيس عليهم، خصوصاً من لا علم له بما ذكره أهل البيان من الاستعارات والمجازات والكنايات، ولا ارتاض بصناعة المنطق، ولا زاول العلوم العقلية، ولا تعمق في براهين العقائد، ولا عرف ما قاله العلماءُ في ذلك، وقد قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) [سورة آل عمران، الآية 7].

ولا بد أن تكون قد عرفت أن السلف في آيات الصفات وأحاديث الصفات يفوضون بعد التنزيه، وأن الخلف يؤولون خوفاً من التشبيه، فكلهم متفقون على التنزيه، وإنما الفرق بينهما أن علماء الخلف يعينون المعنى المراد فيقولون مثلا في قوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [سورة الفتح، الآية 10]: المراد باليد القدرة، والسلف يفوضون بعد التنزيه فيقولون: إننا ننزهه تعالى عن الجارحة ولا نعين شيئاً خاصاً من المعاني التنزيهية كما يفعل علماء الخلف[1].

أما أولئك المتفيهقون الذين يعينون ويشبهون فهم مجسمون مشبهون يبرأ منهم السلف والخلف جميعاً، فهم الكراميون[2] لا سلفيون ولا خلفيون.

وليت شعري أيثبت هؤلاء الجاهلون كل ما ورد من تلك الظواهر: فيثبتون له تعالى يداً بمقتضى قوله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) [سورة الفتح، الآية 10]، أم يدين بمقتضى قوله (صلى الله عليه وسلم): (كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) أم أيدياً عديدة بمقتضى قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) [سورة يس، الآية 71]، أو عيناً بمقتضى قوله: (وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي) [سورة طه، الآية 39]، أم أعيناً بمقتضى قوله: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا) [سورة القمر، الآية 14]، إلى غير ذلك، وهو كثير جداً ألف فيه ابن الجوزي وغيره، أو يقولون: إن الله في السماء بمقتضى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) [سورة الملك، الآية 16]، أم على العرش بمقتضى قوله: (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) [سورة طه، الآية 5]، أم في الآفاق بمقتضى قوله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [سورة البقرة، الآية 15]، أم في أماكننا وأحيازنا بمقتضى قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) [سورة الحديد، الآية 4]، أم يثبتون له أصابع بمقتضى قوله (صلى الله عليه وسلم): قَلْبُ المُؤمِنِ بَيْنَ إِصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابعِ الرَّحْمَنِ) أم يثبتون له يمينا في الأرض من حجر بمقتضى قوله (صلى الله عليه وسلم): (الَحجَرُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللهِ فِي الأَرضِ) !

وبعد هذا فأي لون يثبتون له وأي طول وأي عرض يصفونه به.. إلخ . إلخ؟!

ويرحم الله الإمام الغزالي حيث يقول من أخذ علمه من العبارات والألفاظ ضل ضلالاً بعيداً، ومن رجع إلى العقل استقام أمره وصلح دينه).

ولست أدري كيف يخوضون في هذا وهم لم يعرفوا حقيقة أرواحهم التي يحيون بها! فكيف يعرضون للكلام فيمن ليس كمثله شيء: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) وقد أقام كل ذرة من ذرات الكون دليلا على وجوده، حتى أصبحت معرفته بآثاره من أجلى الواضحات وأظهر الظاهرات، ولننقل ما قال فيلسوف الإسلام ابن سينا في بعض مؤلفاته:

الحمد لله بقدر الله             لا قدر وسع العبد ذي التناهي

الحمد لله الذي من أنكره    فإنما أنكر ما تصوره

الحمد لله الذي برهانه       أن ليس شأن ليس فيه شأنه

أما معرفة حقيقته والوقوف على كنهه فهو من أول المحالات، فإنه ليس بيننا وبينه مشاكلة ولا مناسبة، فكيف يمكن أن تحيط به العقول، وهي لا تحيط إلا بما شاركها في نوع أو جنس أو فصل مما هو حادث مثلها! فهو بكل شيء محيط، ولا يحيطون به علماً.

وإنما غاية ما نعلم منه وجوده وتنزيهه عن صفات المحدثات، وقد علمنا في أول ما علمنا تلك القضية العقلية مع برهانها الواضح فقلنا: تجب مخالفته تعالى للحوادث، لأنه لو ماثلها لكان حادثا مثلها لكن التالي باطل فبطل المقدم.

والإلهية يجب أن تكون أكبر من أن تخضع لسلطان عقل قاصر هو من صنعتها، وقد عجز عن إدراك نفسه، وعن حقيقة ما يقع تحت حسه، فيكفيه أن تدهشه تلك الآيات الباهرات وما أبدعه في الأرض والسموات، أما ما وراء ذلك فليس من علمه ولا يليق بمرتبته ولا بمرتبة الإلهية.

قال الجاحظ في بعض كتبه: (وإياك وأن تظن أن العلم بوجود الشيء يستلزم العلم بحقيقته، أو الجهل بحقيقته يستلزم الجهل بوجوده، فإنه إذا ضربك أحد في ليل مظلم علمت وجوده لا محالة وإن لم تعرف شخصه).

تاه الأنام بسكرهم             فلذاك صاحى القوم عربد

تالله لا موسى الكليم         ولا المسيح ولا محمد

كلا ولا جبريل وهو              إلى محل القدرس يصعد

علموا ولا النفس البسيطة   لا ولا العقل المجرد

من كنه ذاتك غير أنك          أوحدى الذات سرمد

من أنت يا أرسطو ومن        أفلاط[3] قبلك قد تفرد؟!

ما أنتمو إلا الفراش            رأي السراج وقد توفد

فدنا فأحرق نفسه             ولو اهتدى رشداً لأبعد

وإني لأعجب كل العجب والله ممن يجعله على العرش! فأين كان قبل أن يحدث العرش، وهل العرش غير محتاج إلى من يحمله، أم هو محتاج إلى من يحمله؟! وكذا حامله أيضاً، حتى تصل إلى حامل غير محمول كما يقتضيه البرهان، وهل يقولون: إن الله محتاج إلى العرش، والعرش غير محتاج إليه، أم كلاهما محتاج لصاحبه، أم ماذا يقولون؟! وهل العرش أكبر منه تعالى أم مساو له، أم هو عز وجل يزيد عليه!

وليت شعري بعد ذلك من أي العناصر هو، وكيف تركيبه إلخ إلخ….

ومتى ثبت له بعض لوازم الجسم ثبت له جميعها، وقد بالغ الإمام الرازي في الرد على القائلين بذلك، وله فيه كتاب سماه (أساس التقديس).

________________________

[1]. قال الوزير العالم العادل يخيى بن هبيرة: تفكرت في أخبار الصفات فرأيت الصحابة والتابعين سكتوا عن تفسيرها من قوة علمهم. فنظرت السبب في سكوتهم فإذا هو قوة الهيبة للموصوف، ولأن تفسيرها لا يتأتى إلا بضرب الأمثال لله، وقد قال عز وجل: (ولا تضربوا لله الأمثال). وقال الوزير أيضا تأويل الصفات أقرب إلى الحق من إثباتها على وجه التشبيه، فإن ذلك كفر وهذا بدعة.

[2]. أي منسوبون لمحمد بن كرام، وهو من رؤساء المشبهة.

[3]. هو أرسططاليس واضع المنطق، وأفلاط هو أفلاطون أحد فلاسفة اليونان وهو أستاذ أرسطو، وقد تصرف الشاعر هذا التصرف لأنهما أعجميان، وهم لا يبالون بالأسماء الأعجمية كما قالوا: عجمي فالعب به.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد