ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 27 نوفمبر 2017 زيارة: 16

تنزيه الله عن المكان والجهة الجزء الثاني

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب مقالات وفتاوى الإمام العلامة يوسف الدجوي 194-189
تأليف: الشيخ يوسف الدجوي

ولننقل لك شيئا مما قاله علماء الإسلام في التنزيه، ونبدأ بعبارة الرازي:

كلام العلماء في التنزيه

قال الفخر الرازي في قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) سورة الأعراف، الآية 54 ، في الإستواء عند الخلق تأويلات: أولها أنه كناية عن تمام الملك، كما يقال جلس فلان على عرش المملكة وإن لم يكن هناك عرش ولا جلوس، فيكون مثل قوله حكاية عن اليهود: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) سورة المائدة، الآية 64، كناية عن البخل. ثم قال: إن من ملك بلدا صغيرا لا يحسن لأن يقال فيه: جلس على العرش، وإنما يحسن ذلك فيمن ملك اليلاد الشاسعة.

ومما قاله: إن العرش يطلق على الملك، وعلى السرير الذي يجلس عليه الملك، ووزيره أمامه على الكرسي، فالعرش والكرسي في العادة لا يكونان إلا عند عظمة المملكة، فلما كان ملك السموات والأرض في غاية العظمة عبر بما ينبئ في العرف عن العظمة. ثن قال: ونظير هذا أنك تقول للمقهور المغلوب: ضاقت عليه الأرض. أتظن أنهم يريدون به أنه صار لا مكان له؟ وكيف يتصور الجسم بلا مكان! فكما يقال: الهارب لم يبق له مكان، مع أن المكان واجب له يقال للقادر القاهر: هو متمكن واه عرش، وإن كان التنزه عن المكان واجباً له. ومن التأويل: أن استوى بمعنى استولى، كما هو في كتب اللغة كديوان الأدب وغيره كقوله:

قد استوى بشر على العراق            من غير سيف ودم مهراق

كأنه قال: خلق السموات والأرض ثم ههنا ما هو أعظم منه (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فإنه أعظم من الكرسي، والكرسي وسع السموات والأرض.

إلى أن قال ما محصله: إنه لا يجوز أن نفهم من هذا الكلام إثبات المكان له تعالى، حتى ولو قيل إنه استقر على العرش، فإن فهم التمكن عند استعمال كلمة الاستقرار مشروط بجواز التمكن، حتى إذا قال قائل: استقر زيد على الفلك أو على التخت يفهم منه التمكن وكونه في مكان، وإذا قال قائل: استقر الملك على فلان لا يفهم أن الملك في فلان، فقول القائل: الله استقر على العرش، لا ينبغي أن يفهم كونه في مكان ما لم يعلم أنه مما يجوز عليه أن يكون في مكان، فجواز كونه في مكان إن استفيد من هذه اللفظة يلزم تقدم الشيء على نفسه، وهو محال.

ثم قال: كيف يكون محتاجاً إلى العرش وهو الغني عما سواه! وكل ما هو في مكان فهو في بقائه محتاج إلى مكان، لأن بديهة العقل حاكمة بأن الحيز إن لم يكن لا يكون التحيز باقيا، فالمتحيز ينتفي عند انتفاء الحيز، وكل ما ينتفي عند انتفاء غيره فهو محتاج إليه في استمراره، فالقول باستقراره يوجب احتياجه في استمراره، وهو غني بالنص.

إلى أن قال: اعلم أن كلمة (على) تستعمل لكون حكمه على الغير، كما يقول القائل: لولا فلان على فلان لأشرف على الهلاك، وكذلك يقال: لولا فلان على فلان أو على أرضه ما حصل له شيء، فكيف لا تقول (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) إنه استوى عليه بحكمه، كما نقول هو معنا بعلمه! كيف وهذا الذي يتمسك به القائل يدل على أنه ليس على العرش بمعنى كونه في المكان! وذلك لأن كلمة (ثم) للتراخي، فلو كام عليه بمعنى المكان لكان قد حصل عليه بعد ما لم يكن عليه، فقبله إما أن يكون في مكان أو لا يكون، فإن كان يلزم محالان: أحدهما كون المكان أزليا، والثاني جواز الحركة والانتقال على الله تعالى، وهو يفضي إلى حدوث الباريء، أو يبطل دلائل حدوث الأجسام، وإن لم يكن في مكان كان هناك محل آخر، وهو أن ما حصل في مكان يحيل العقل وجوده بلا مكان، وإذا كان كذلك فيلزمه القول بحدوث الله أو عدم القول بحدوث العالم، لأنه إن سلم أنه قبل المكان لم يكن، فهو القول بحدوث الله تعالى، وإن لم يسلم فيجوز أن يكون الجسم في الأزل لم يكن في مكان ثم حصل في مكان، فلا يتم دليل حدوث العالم، فيلزمه أن لا يقول بحدوثه.

ألا يعلم ذلك الجاهل أنه جعله معدوما حيث أحوجه إلى مكان؟ فإن كل محتاج إذا نظر إلى عدم ما يحتاج إليه معدوم. ولو كتبنا ما فيها لطال الكلام.

وقال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (رضي الله عنه) في حديثالنزول المتقدم: ما أسهل على العالم إرشاد الجاهل! بأن يقول: إن كان المراد من النزول إلى سماء الدنيا أن يسمعنا فما أسمعنا، فلا فائدة في النزول، فلابد أن يكون المراد بالنزول شيئا آخر له محصل: كنزول الرحمة أو نحو ذلك. اهـ ، وقد تكلمنا على التأويل وما قال العلماء فيه في عدد سابق.

وقال إمام الحرمين: إن الله خلق العرش من ذرة، وهو بالنسبة إلى قدرته أقل من ذرة، فكيف يكون مستقره!.

وقال ذو النون المصري (رضي الله عنه) وقد سئل عن التوحيد: التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا مزاج، وصنيعه للأشياء بلا علاج، وعلة كل شيء صنعه، ولا علة لصنعه، وليس في السموات العلا، ولا في الأرضين السفلى، مدبر غير الله تعالى، وكل ما تصور في وهمك فالله تعالى بخلاف ذلك.

وقال أبو الحسين الثوري (رضي الله عنه) وقد سئل عن القرب من الله فقال: أما القرب بالذات فتعالى الملك الحق عنه، وأنه متقدس عن الحدود والأقطار والنهاية والمقدار، ما اتصل به مخلوق، جلت الصمدية عن قبول الوصل والفصل، فهذا قرب محال، وقرب هو في نعته واجب، وهو قرب بالعلم والرؤية، وقرب هو جائز في وصفه يخص به من يشاء من عباده، وهو قرب الرحمة واللطف.

وقال يحيى الرازي (رضي الله عنه) وقد قيل له: أخبرنا عن الله تعالى فقال: إنه واحد، فقيل كيف هو؟ فقال: ملك قادر، فقيل أين هو؟ فقال بالمرصاد. فقال السائل:لم أسألك عن هذا، فقال: ما كان غبر هذا فهو صفة المخلوق، فأما صفته فما أخبرت عنه.

وقال جعفر الصادق (رضي الله عنه): من زعم أن الله سبحانه في شيء، أو من شيء، أو على شيء، فقد أشرك بالله، إذ لو كان على شيء لكان محمولا، ولو كان في شيء لكان محصورا، ولو كان من شيء لكان محدثاً، تعالى الله عن ذلك.

وقال بعض العلماء لتلميذ له يمتحنه: لو قال لك أحد أين معبودك فأي شيء تقول؟ قال كنت أقول: حيث لم يزل، قال فإن قال: فأين كان في الأزل فأي شيء تقول؟ قال: أقول حيث هو الآن ولا مكان فهو الآن على ما عليه كان، قال التلميذ فارتضى الشيخ ذلك.

وقال السهروردي من كلام طويل: جل الله عما يهج سبه الوسواس، وعظم عما تكتنفه الحواس، وكبر عما يحكم به القياس، لا يصوره خيال، ولا يشاكله مثال، ولا يعتريه زوال، ولا يشوبه انتقال، لا يلحقه فكر، ولا يحصره ذكر، ولا تحد أزليته بمتى، ولا تقيد أبديته بحتى، إن قلت أين فقد سبق المكان، وإن قلت متى فقد تقدم الأزمان، وإن قلت كيف فقد جاوز الأشياء والأمثال والأقران، وإن طلبت الدليل فقد غلب الخبر العيان، وإن رمت البيان فذرات الكائنات بيان وبرهان، عرفنا المكان بتعريفه إيانا، ولو شاء كوننا ولم نعرف زمانا ولا مكان، وكوننا في المكان ولو شاء كوننا ولا مكان، فعوالم قدرته غير محصورة، وغرائب مشيئته غير منكورة، وما نحن فيه من العالم بما نحن فيه من العقل والعلم عالم من عوالمه، ولا يستبعد قولي: (ولو شاء كوننا في غير مكان) فقد كون المكان لا فى مكان، إذ لو كان في مكان لتسلسل، فمن يكون المكان والمكون فيه، والزمان والمقدر فيه، عالماً من عوالمه، ويسيرا من مبدعات قدرته، كيف يحصره الزمان والمكان! فما أحقرك وأحقر علمك! فلو فتحت عين بصيرتك، استحييت من قياسك، وفكرك، ووهمك، وخيالك، أيها المحدود المحصور! لا ينتج فكرك إلا محدوداً محصوراً، وأيها المحيط به الجهات! لا يحكم علمك إلا على الجهات!، فالجهات من جملة العالم، وقد علمت نسبته إلى عظمة الله، قتبارك الله رب العالمين

والخلاصة أن أحاديث الصفات ليست على ظاهرها، وأن لها تأويلات تليق بجلال الله تعالى، ولا نقطع بتعيين تأويل منها، بل نكل ذلك إلى الله العليم الخبير، ولكن لابد من التنزيه على كل حال.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد