ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 3 نوفمبر 2018 زيارة: 23

تنظيم القاعدة وجذورها

(غير مصنفة)
تأليف: محمد إسماعيل حديد
مقتبس من مجلة: الفكر السياسي العددان 48-49 (ص167-180)
مقدمة:

إنها فلسفة الأشياء وحقائق الأمور وبديهيات المعرفة وأولى الأبجديات. الثمر الطيب لا يرتجى إلا من الشجر الطيب والشجر الخبيث لا يطرح إلا ثمرا خبيثا. هذه نواميس الحياة وقوانينها الطبيعية منذ الأزل وإلى ما شاء الله.

إذا فلا غرو إن قلنا إن هذه القواعد الأزلية تنطبق على ما عرف بتنظيم القاعدة الذي جاء نتاجا لشجرة خبيثة حملت اسم الوهابية استلهمت أفكارها المنكرة من أشد العقائد تطرفا وشغفا بالقتل وإسالة الدماء هي التوراة. لقد وجد هذا الفكر الدموي قبولا وترحابا لدى الغرب الاستعماري لجنوح كليهما للعنف المفرط والدموية الزائدة. فهل جاء ميلاد الوهابية مصادفة أو كان تدبيرا معتمدا وما هي العلاقة بين الوهابية وتنظيم القاعدة وما سر التشابه بين دموية القاعدة وجرائمها البشعة وبين رب الجنود التوراتي الذي يستمع برائحة الدم ؟.

وهل ثمة ما يربط بينهما بعلاقة مستترة يحظر على العامة الاقتراب منها؟. وهل جرائم القاعدة شذوذ عن الفكر الوهابي، أم استمرار له ؟. الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، مسطورة فيما يلي من فقرات.

القسم الأول:
مدخل:

منذ بدء الخليقة والإنسان مبتلى بداء الطمع. وعندما يتعاظم هذا الداء وينتشر، ويصبح ظاهرة متفشية في مجتمع ما، يتحول المجتمع كتلة متضامنة من الطامعين، الذين تتجه أنظارهم إلى ثروات الآخرين وخيراتهم. وانطلاقا من هذه المفاهيم، فقد تحولت الأطماع في بعض الدول، إلى ثقافة جمعية شملت جل أفراد المجتمع وتجسدت عمليا بالسعي لاغتصاب مقدرات الغير عن طريق القوة. وشقت هذه الثقافة العدوانية طريقها وفق توجهين اثنين، الأول اعتمد على سلب السفن في عرض البحر كـ “الفايكينغ” وما شابههم، وسميت هذه الظاهرة بـ «القرصنة البحرية، والثاني سلك طريق الإبحار، والنزول إلى البر، واحتلال أرض الغير، وإخضاع شعبها، وسرقة موارده الخام ومقدراته الأخرى، كدول أوروبا الغربية، ومن كان على شاكلتها، وأطلق على هذه الظاهرة نعت «الاستعمار».

وحتى يرسخ الاستعمار أقدامه في الدول المستعمرة «بفتح الميم»، لجأ لأساليب ارتبطت تاريخيا بوجوده أينما حل وحيثما كان، ومن تلك الأساليب: تكريس الجهل والفقر والمرض، واستثمار اليد العاملة الرخيصة، ونهب الثروات الطبيعية، ومصادرة الحريات، والتسلط على المقدرات، وتجزئة البلاد وخلق الفتن، والتمسك بشعار «فرق تسد»، وسلخ أجزاء من أراضي الدولة، ومنحها لبلد مجاور، لخلق بؤر توتر وصراع ملتهب، يتفجر بعد جلاء المستعمر…

ما يهمنا في هذا البحث محور واحد فقط، هو بروز شجرة خبيثة في أطهر بقاع الأرض اسمها «الوهابية»، التي ولدت في ظل الهيمنة الاستعمارية البريطانية على الجزيرة العربية والخليج، والتي أنتجت فيما بعد ثمرة ملعونة اسمها «القاعدة»، مازال العالم، والعالم الإسلامي على وجه الخصوص، يعاني من آثارها السلبية وجرائمها المدمرة.

ذكرت موسوعة السياسة أن «تأسيس شركة الهند الشرقية كان في العام 1009 هجري – 1600 ميلادي. وكان تأسيس هذه الشركة، مقدمة لتوسع مذهل في نشاط التجار الإنكليز، في البحر الأحمر والخليج العربي. وقد تحالف هؤلاء التجار مع الفرس، فطردوا البرتغاليين من مضيق هرمز عام 1622»[1]، وهذا يعني أن نفوذ البريطانيين في الخليج والجزيرة العربية بدأ من ذلك الحين. وقد عزز هذا النفوذ فيما بعد خروج «نابليون بونابرت» من مصر قاصدا بلاد الشام، لفتح طريق بري إلى الهند، يمر عبر العراق ودول الخليج. وقد أثار هذا التوجه الفرنسي هلع مشايخ الخليج العربي و أمراء نجد والإحساء، ما دفعهم لطلب الحماية من بريطانيا التي كانت جاهزة لتلبية طلب كهذا، لقاء معاهدات أفضت فيما بعد لاستعمار مشيخات الخليج والجزيرة العربية، بما فيها الحجاز واليمن وعمان. «وقد بدأت ملامح تلك العلاقة في الظهور بعد حملة نابليون بونابرت على الشرق كجزء من الصراع الفرنسي البريطاني»[2].

من هو محمد عبد الوهاب:

«ولد محمد بن عبد الوهاب عام 1115 – 1206 هجری / 1703- 1792 ميلادي»[3]، وهو مبتدع الفكر الوهابي السلفي التكفيري، بالتزامن مع وجود البريطانيين في الجزيرة العربية، وتعزيز نفوذهم فيها. أما حقيقة هذا الرجل ومراميه، فحسبما أورده ناصر السعيد في كتابه “تاريخ آل سعود”: «محمد بن عبد الوهاب ينحدر من أسرة يهودية من يهود الدونمة في تركيا، اندست في الإسلام بقصد الإساءة إليه، والهروب من ملاحقة وبطش بعض السلاطين العثمانيين»[4]. أما اسم أبيه الحقيقي فهو شولمان قرقوزي”. وتجدر الإشارة إلى أن كلمة “الدونمة” التركية، تعني بالعربية “الأصولية أو الرجوع”. أما يهود الدونمة، فهم أتباع “سبتاي” اليهودي، مؤسس المذهب، وهو يدعو أتباعه اليهود، للتظاهر باعتناق الإسلام، وحمل أسماء إسلامية، والتردد على المساجد في الظاهر، وإضمار اليهودية ومحاربة الإسلام، وخلق الفتن بين المسلمين في الباطن وتعد تركيا العثمانية مهدا ليهود الدونمة قبل انتشارهم في أرجاء الدول الإسلامية، التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية آنذاك.

من هو محمد ابن سعود:

وحسب نفس المصدر، في عام 851 هجري- 1447 ميلادي، ذهبت قافلة من عشيرة المساليخ قبيلة عنزة إلى العراق، لشراء بعض الحبوب من تاجر يهودي في البصرة، يدعى “مردخاي بن إبراهيم بن موشي”، وعندما علم أنهم من عشيرة المساليخ اندفع يعانقهم فردا فردا، مرحبا بأبناء عمومته (حسب زعمه)، وطلب من غلمانه تحميل الحنطة والتمر والتمن على ظهور الرواحل، رافضا أخذ أثمانها، وادعي ذلك اليهودي أنه من نفس العشيرة والقبيلة، وأن والده جاء إلى البصرة على إثر خلاف وقع مع قبيلة العنزة. وقد انطلت هذه الأكذوبة على رجال القافلة الذين أسعدهم أن يكون لهم ابن عم في العراق يساعدهم على تأمين ما جاؤوا لأجله.

وعندما هموا بالرحيل، أبدى رغبته في مرافقتهم إلى نجد، لأنه – حسب الزعم- اشتاق لأرض الآباء والأجداد، وقد رحبوا به ترحيبا كبيرا، وساعدوه على ترسيخ أقدامه في نجد. إلا أن الشيخ صالح بن سلمان التميمي نفى أن يكون هذا اليهودي من عشيرة المساليخ، وشرع في مضايقته، مما اضطره للرحيل شرقا إلى الإحساء، وتحريف اسمه قليلا ليصبح “مرخان بن إبراهيم بن موسي”، وانتقل لمكان قرب القطيف يعرف بـ “أم الساهك”، وابتنى لنفسه قصرا يطل على الخليج، وأحاطه بدور سكن لعماله وأجرائه وأتباعه، وأطلق على المكان اسم «الدرعية» لافتخاره بقومه اليهود الذين زعموا أنهم اشتروا درع الرسول (صلى الله عليه وسلم) من أحد المشركين، الذي استولى عليه بعد هزيمته في أحد. وما لبثت «الدرعية» أن اتسعت لتصبح مدينة تدين له بالولاء، ولم يتأخر في تنصيب نفسه ملكا عليها، لكن قبائل العرب رفضت قبول هذا الرجل بينهم، وحاولوا قتله لكنه نجا هاربا إلى نجد مرة أخرى، فنهبوا درعيته ودمروها عن آخرها»[5].

أجداد آل سعود:

ويتابع ناصر السعيد سرد سيرة أجداد آل سعود بكثير من التفاصيل، لكن لضيق المجال أوجزنا بقية السيرة: أقدم “مردخاي” هذا على قتل الشيخ سلمان التميمي في أثناء صلاته في مسجد بلدة “الزلفي”، وولى هاربا إلى أرض اسمها ” المليبيد وغصيبة” قرب العارض المعروفة الآن بالرياض، واستجار بصاحب الأرض فأجاره، لكنه بعد شهر من مكوثه مستجيرا، استفرد بصاحب الأرض وقتله، ثم قتل أسرته غدرا، واستولى على الأرض التي أقام عليها «درعية» أخرى، وفتح المضافات وجمع حوله عددا كبيرا من الأتباع والمنتفعين، الذين زوروا له تاريخا يعود لنسل الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وتزوج نساء وجواري كثيرات وأنجب أبناء كثرا، أسماهم جميعا بأسماء عربية إسلامية، لإبعاد الشبهة عن يهوديته.

خلال مغامرات “مردخاي” القادم من البصرة، كان يرافقه أحد أذكى أبنائه ويدعى “ماك رن”. وبعد تحوير اسمه اليهودي أصبح “مقرن” الذي تزوج وأنجب ولدا أسماه محمد، ومن محمد جاء سعود، ومن سعود جاء عدد من الأبناء منهم مشاري و ثنيان ثم محمد. بقي محمد بن سعود في «الدرعية» وهي قرية لا تتجاوز مساحتها الثلاثة كيلو مترات مربعة، وأطلق على نفسه لقب «الإمام محمد بن سعود»[6].

كيف اختلقت الوهابية:

تزامنت هذه الأحداث مع وجود المحتل البريطاني فوق معظم أرجاء الجزيرة العربية. والمعروف عن هذا المستعمر أنه الأبرع في اختلاق وصنع وترويج المذاهب الدينية، التي تفرق بين أبناء الشعب الواحد، لتعزيز استعماره، ودعم سلطانه على الشعوب، وله في هذا المجال باع طويل، يمتد من أواسط آسيا حتى الشمال الأفريقي. لقد التقى الثالوث القذر: الاستعمار البريطاني، و”الإمام” اليهودي محمد بن سعود، جد الأسرة السعودية الحاكمة، مع المبتدع اليهودي محمد بن عبد الوهاب قرقوزي. وأنجب هذا الثالوث ما سمي بـ «الوهابية» زاعمين أنها حركة دينية إصلاحية، جاءت من رحم المذهب الحنبلي، لكن السادة الحنابلة في كافة الديار الإسلامية، نفوا أن يكون للمذهب الحنبلي صلة بهذا المذهب الضلالي، وأنكروه واعتبروه تحريفا للإسلام الحنيف، وخروجا عن مبادئه وتشريعاته السمحة.

منطلقات الفكر الوهابي:

ليس غريبا أن يقوم الفكر الوهابي الذي افترى على الإسلام وشوه مضامينه، لتخريبه من الداخل، على نفس الأسس التي قام عليها الفكر اليهودي التوراتي، الذي كرس الإيمان برب الجنود، الشغوف جدا برائحة الدم، وتنسم شواء القرابين، فيتشابهان في النزعة والميول، ويتفقان في استحلال الدم واستباحة المحرمات، وتحريف الدين حسب المستجدات والنوازع. إن هذا التشابه بين الفكرين لم يأت عفوا ولا مصادفة، لأن وحدة المشرب العقائدي التوراتي لكليهما، هي التي أفضت لهذا التشابه الغريب، المتناقض مع الفكر الإسلامي الحنيف، الذي حرم الدم على لسان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم) حين خطب في حجة الوداع بقوله: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا ..». فكيف عالجت الوهابية هذا التناقض بين منطلقاتها الدموية، والشريعة الإسلامية السمحة ؟. في الحقيقة لم يجد منظروها حلا يقنع البداوة الأعراب في نجد، أرض الوهابية الأولى، إلا تكفير كل من لم يعتنق الوهابية، وبذلك يضحي عامة المسلمين – ما عداهم – كفارا، يتوجب مجاهدتهم وقتلهم شر قتلة .. ولقطع الطريق على من يقول: إن من يشهد بالشهادتين مسلم معصوم الدم لا تجوز مجاهدته، خرج عبد الوهاب بفتوى تنص على أن لفظ الشهادتين لا يكفي، ولا يعفي من كون غير الوهابيين كفارا، تحل دماؤهم وأموالهم وأعراضهم.

من تاريخ الوهابية الإجرامي:

لقد جعل الفكر الوهابي جميع المسلمين من غير الوهابيين كفارا، وهذا ما أعطى معتنقي الوهابية المبرر الشرعي للغزو والسلب والقتل والتوسع. «فظهر محمد بن عبد الوهاب بدعوته الدينية وتحالف مع ابن سعود[7]، وكان أهم بند في التحالف بينهما (الدم الدم، الهدم الهدم)، وأعطاه ابن عبد الوهاب تشريع الاستحلال بعد أن اتهم كل المسلمين الآخرين بالكفر، وجعل ذلك الاتهام مبررا دينيا للغزو والتوسع، وبذلك قامت الدولة السعودية الأولى، ونشرت السلب والنهب وسفك الدماء في الجزيرة العربية وحول الخليج وفي العراق والشام، إلى أن اضطرت الدولة العثمانية للاستعانة بواليها على مصر محمد علي باشا، فقضى على الدولة السعودية، ودمر عاصمتها الدرعية سنة 1818 ميلادية»[8]. لكن لم يمض سوى ثلاث سنوات حتى عاد الوهابيون من جديد، وأقاموا المملكة الوهابية الثانية، وشرعوا في سفك الدماء، والسلب والتوسع مرة أخرى.

في الحقيقة يصعب الإتيان على كل الجرائم التي ارتكبها الوهابيون لكثرتها. لكننا نستحضر منها القليل كأمثلة على نوعية تلك الجرائم. يقول أحمد صبحي منصور[9]: «قامت الدولة السعودية الأولى فيما بين 1157- 1233 هجري /1745 إلى 1818 ميلادي، وقتلت مئات الألوف من السكان المسلمين في الجزيرة العربية والعراق والشام، فقد بدأ السعوديون باحتلال نجد لها، ثم ضموا الإحساء، وتوسعوا في غاراتهم لتصل إلى قطر والبحرين والكويت وعمان، ثم ضموا الحجاز، وحاربوا اليمن، وتطلعوا لاحتلال العراق والشام». ويدرج منصور في كتابه المذكور، شهادة مؤرخ الدولة السعودية الأولى، الذي وصف المذابح التي قام بها الوهابيون في كربلاء وغيرها، حين قال: «في عام 1215 هجري- 1801 ميلادي، وفيها سار سعود[10] بالجيوش المنصورة، والخيل العتاق المشهورة، من جميع حاضر نجد وباديها، وقصد أرض كربلاء .. فحشد عليها المسلمون (يقصد الوهابيين) وتسوروا جدرانها، ودخلوها عنوة، وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت .. وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد، من أنواع الأموال والسلاح واللباس، والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة، وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر[11].

ويتابع نفس المصدر سرد المجازر التي قام بها الوهابيون، فيصف مجزرة “الجهرة” التي نفذت خلال هجومهم على الكويت عام 1338 هجري- 1920 ميلادي، فيصف كيف تم قتل النساء والأطفال والشيوخ، في عملية إبادة جماعية همجية، طمعا في الغنائم، وإشباع الرغبة في القتل والتنكيل. وفي عام 1339 هجري – 1921 ميلادي، تعرضت الطائف لنفس المجزرة على أيدي نفس القتلة من الوهابيين، حتى قيل عنهم: إنهم لا يأسرون، بل يذبحون كل من يقع في أيديهم حيا. وفي عام 1342 هجري- 1924 ميلادي، نفذ الوهابيون مجزرة أخرى في “ثريب” الواقعة شرقي الأردن حين هاجموها، فقتلوا جميع من صادفوه من نساء وأطفال وشيوخ، دون تمييز بين محارب ومسالم. ومجزرة أخرى ارتكبت، حين شنوا غارة على العراق استمر السير فيها عشرة أيام، فقتلوا من أهله ألف إنسان، وعادوا ظافرين بالغنائم والأسلاب .. كان هذا غيضا من فيض، ولو أردنا التوسع لطال الحديث.

الوهابية تلد الإخوان:

يتابع الدكتور أحمد صبحي منصور سرد تاريخ الوهابية الأسود، وكيف تمخض عن هذا المذهب المشبوه، تنظيم إرهابي لا يقل في دمويته وجرائمه عن أصله ونشأته الوهابية، فقال: «بدأ الملك عبد العزيز بكسب ولاء شيخين أزهريين من أصول شامية هما: رشيد رضا ومحيي الدين الخطيب، عن طريق مستشاره حافظ وهبة. والمفارقة أن هذين الشيخين كانا تلميذين للمصلح الإسلامي الشيخ محمد عبده، إلا إنهما انقلبا على تعاليم أستاذهما بعد وفاته عام 1322 هجري – 1905 ميلادي، وارتبطا بالسلطة السعودية لقاء دعمها لهما بالمال. وعن طريقهما تم إدخال العقيدة الوهابية إلى الأزهر بذريعة تنقية الدين من الشوائب والخرافات والتعاليم الصوفية، وإعادة الدين إلى أصوله النقية. وقدم رشيد رضا بدوره المدرس الشاب حسن البنا إلى حافظ وهبة مستشار الملك السعودي. واعترف البنا في مذكراته (الدعوة والداعية) بصلته بحافظ وهبة والدوائر السعودية»[12]. وهناك مؤلفات أخرى أشارت إلى علاقة الشيخ حسن البنا بالملك السعودي، وجاء فيها: «إن حسن البنا كان وثيق الصلة بالسعودية، ويتلقى منها المعونة، وكان يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة. والشيخ البنا هذا كان يتمتع بإمكانيات تنظيمية كبيرة، فبعد أن هيأ شيوخه الأزهريون له القاعدة الأيديولوجية، قام هو بتأسيس حزب الإخوان المسلمين عام 1346 هجري 1928 ميلادي، على شكل تنظيمات شبه عسكرية بواجهة جمعيات خيرية، ولكنها تقوم بتدريب الأعضاء الشباب على السلاح، وتحضيرهم للأعمال المسلحة ضد المعارضين، بدعم مالي من السعودية، مستغلين فقر حال الشباب في مصر»[13].

والمراقب لهذه الأحداث، لن يجد صعوبة في اكتشاف العلاقة الوثيقة بين الإخوان المسلمين والوهابية، حتى في التسمية. إذ كان يطلق اسم (الإخوان) على الوهابيين البدو (الذين فتحوا الحجاز بسيوفهم)، فأعطي نفس الاسم لتنظيم الإسلاميين في مصر، وأصبح يعرف بـ (الإخوان المسلمين). وهذه التسمية ليست مصادفة، بل جاءت بمباركة بريطانية، وجهود الملك الوهابي عبد العزيز آل سعود وتمويله، لتؤكد أن الإخوان المسلمين هم النسخة المصرية للوهابية السعودية، المطعون أصلا بصحة إسلامها.

میلاد القاعدة من رحم الإخوان:

في جانب آخر «كان في بلاد الحجاز رجل ثري يدعى أسامة بن لادن، وكان يعتنق المذهب الوهابي، ويلتقي كبار العلماء القادمين للحج في كل عام، سيرا على عادة أبيه، وقد تأثر ابن لادن باثنين من الحجيج هما: محمد قطب، شقيق سيد قطب (منظر العنف في حركة الإخوان المسلمين)، وعبد الله عزام القيادي في حزب الإخوان المسلمين. وتتلمذ على أيديهما»[14]، وهذا ما دفعه للتوجه إلى أفغانستان عام 1982 ميلادي، مع بعض رفاقه ليستقروا فيها بشكل دائم، كمجاهدين يقاتلون الجنود السوفييت. وقد رحبت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بهذا التوجه الذي يخدم مصالحها، وقام “قلب الدين حكتيار” رجل أمريكا الأول في أفغانستان، ببناء علاقة التابع بالمتبوع بين الأمريكيين وابن لادن، وتطورت العلاقة ليصيح ابن لادن هو رجل أمريكا الأول، بعد إمداده بالسلاح والمال، وحمل ابن لادن اسما رمزيا في جهاز الـ (CIA) هو: “تيم عثمان” (Tim Ossman) [15]. وبعد خروج السوفييت من أفغانستان اعتبر بن لادن أن مهمته قد أنجزت، فعاد إلى السعودية، ثم غادرها إلى السودان. وخلال لقاءاته مع رؤساء الأحزاب الدينية هناك، ساهمت سلسلة لقاءات جمعت بين الشيخ بن لادن وزعيم الجهاد الإسلامي (د. أيمن الظواهري) وقائد الجماعة الإسلامية (رفاعي أحمد طه) في مصر بتعزيز عزمه على الانتقال إلى أقصى درجات العنف. ولابد من الإشارة إلى أن الظواهري ترك أثر بالغ في الشيخ بن لادن»[16].

لقد أججت أفكار الظواهري المتطرفة في نفس بن لادن نزعة التطرف، وصعدت الجنوح للعنف الدموي، المتأصل أساسا في العقيدة الوهابية، فتوجه الاثنان إلى أفغانستان، ليعيدا جمع شتات القاعدة، وتوحيد شراذمها بعد انفلاشها لغياب بن لادن عنها، وليعلنا من جديد عن ولادة التنظيم، الذي أصبح – بفضل أموال السعودية، ودعم وكالة المخابرات المركزية (CIA) التنظيم الإرهابي الأول في العالم، والقوة الضاربة الخفية للمخابرات الأمريكية، تزج به في أي بلد ترغب الولايات المتحدة، خلق العنف والفوضى والعنف الدموي في ربوعه.

القسم الثاني:
توطئة:

لم يستطع مختلقو الفكر الوهابي أن يخفوا تأثرهم بالفكر التوراتي الراسخ في نفوسهم. فقد التقوا مع ما جاء في التوراة اليهودية في كثير من الجوانب، التي لا سبيل لحصرها، لكن الأهم هو التقاء الفكرين على الشغف الزائد بالقتل، والميل الشديد لتنسم رائحة الدم، والتلذذ بإزهاق الأرواح، والتنكيل بأجساد البشر. وللدلالة على ذلك، نستحضر بعضا مما جاء في التوراة اليهودية من فقرات تصف المجازر وأعمال القتل الجماعي والإفرادي، الذي مارسه بنو إسرائيل على بعضهم، وعلى الفلسطينيين في أرض كنعان، ثم نستعرض ما يقوم به تنظیم القاعدة وملحقاته في الساحات المختلفة، من أعمال إجرامية تسيء للإسلام، لاسيما في سورية، وهذه الجرائم تحاكي في بشاعتها ما قام به بنو إسرائيل قبل آلاف السنين.

بعض المشارب التوراتية: لقد امتلأت أسفار التوراة اليهودية بأخبار القتل والتحريم «أي القتل الجماعي الذي لا يستبقي أحدا»، وقد ورد فيها عن قتل الأخ لأخيه، وقتل المرء لابن جلدته، وتنفيذ المجازر الدموية الجماعية، وقتل رجال الدين، واستباحة الأعراض، واستساغة زنا المحارم، ولم تستثن حتى الأنبياء من هذه الفواحش، رغم أن الأنبياء معصومون عن الكبائر. ولو أردنا جمع كل ما قيل في هذا المجال، لاحتجنا الكثير من الصفحات. لذا نكتفي بقليل من الأمثلة:

قتل الأخ لأخيه:

مما قيل بشأن تآمر الأخ لقتل أخيه، نورد ما قاله عيسو «هو الشقيق التوأم للنبي يعقوب عليه السلام» حين قرر قتل أخيه يعقوب، لأنه سرق منه البكورية «حسب التوراة».

وقال عيسو في قلبه: (قربت أيام مناحة أبي، فأقتل يعقوب أخي)[17] … وفي مكان آخر، ذكرت توراة اليهود الحوار الذي دار بين أخوة النبي يوسف (علیه السلام) وهم يتآمرون لقتله:

«هوذا صاحب الأحلام قادم. فالآن هلم نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول: وحشن رديء أكله»[18]. وهناك المزيد، نكتفي بما ذكرنا.

صراع الأقارب:

ورد في التوراة اليهودية الكثير من المقاطع عن صراع بني إسرائيل فيما بينهم، واختلافهم على الملك، منها – على سبيل المثال- قصة النبي داوود (عليه السلام) مع ابنه العاق “أبشالوم” الذي كان ينافس والده على زعامة بني إسرائيل، وانتصار النبي داوود (عليه السلام) وقتله ابنه مع كافة أتباعه. وفي جانب آخر، أتت على ذكر الاقتتال بين ابني النبي سليمان (عليه السلام) “يربعام” و “رحبعام” بعد اختلافهما على حدود مملكتيهما. ومنها أيضا ما جاء في وصف علاقة الملك “شاؤل” «أول ملوك بني إسرائيل» بالنبي داوود (عليه السلام) «ثاني ملوكهم». بعد أن قتل النبي داوود (عليه السلام) القائد الفلسطيني جوليات، وكافأه الملك “شاؤل” بتزويجه من ابنته، أنقلب “شاؤل” على النبي داوود (عليه السلام)، وسعى لقتله لأنه وجد فيه منافسا له على الملك: «وكلم شاول يوناثان ابنه وجميع عبيده أن يقتلوا داود) [19].

المجازر الجماعية

يغص العهد القديم بحديث المجازر الجماعية التي ارتكبها بنو إسرائيل ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين، وفي أثناء غزوهم للأراضي الفلسطينية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فقد جاء فيه: «فضربناه وبنيه وجميع قومه. و أخذنا كل مدنه في ذلك الوقت، وحرمنا من كل مدينة: الرجال والنساء والأطفال لم تبق شاردا»[20].

وجاء في نفس السفر: «فحرمناها كما فعلنا بسيحون ملك حشبون، محترمين كل مدينة: الرجال والنساء والأطفال. لكن كل البهائم وغنيمة المدن تهبناها لأنفسنا»[21].

وجاء أيضا «فضربا تضرب سكان تلك المدينة بحد السيف، وتحرمها بكل ما فيها مع بهائمها بحد السيف تجمع كل أمتعتها إلى وسط ساحتها، وتحرق بالنار المدينة وكل أمتعتها كاملة»[22].

قتل رجال الدين:

ومن ضمن المباحات أيضا ما ورد في التوراة اليهودية، حول قتل رجال الدين، لأنهم لا يقفون مع السلطان أو الملك. وفي هذا المجال قالت: فقال الملك لدواغ: (در أنت وقع بالكهنة). فدار دواغ الأدومي ووقع هو بالكهنة، وقتل في ذلك اليوم خمسة وثمانين رجلا لابسي أفود كتان.

وضرب نوب مدينة الكهنة بحد السيف. الرجال والنساء والأطفال والرضعان والثيران والحمير والغنم بحد السيف»[23].

استباحة الأعراض:

تتكرر العبارات التي تتناول الحديث عن الاعتداءات على الأعراض في بني إسرائيل، وهي لم تعف حتى الأنبياء من هذه الفواحش، التي حاشا أن يقدم على أمثالها الأنبياء المعصومون. فقد جاء في سفر صموئيل الثاني: «وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك، فرأى من على السطح امرة تستحم. وكانت المر جميلة المنظر جدا. فأرسل داود وسأل عن المرأة، فقال واحد: (أليست هذه بتشبع بنت أليعام امرأة أوريا الحثي؟). فأرسل داود رسلا وأخذها، فدخلت إليه، فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها.. وحبلت المرأة. فأرسل داود إلى يوآب يقول: (أرسل إلي أوريا الحثي). فأرسل يوآب أوريا إلى داود .. وفي الصباح كتب داؤد مكتوبا إلى يوآب و أرسله بيد أوريا وكتب في المكتوب يقول: (اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة، وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت) [24].

زنا المحارم:

لم يخجل مدونو التوراة من الإساءة لأنبياء الله، حين نسبوا إلى النبي لوط (عليه السلام) الزنا مع ابنتيه، وقد جاء فيها: «وصعد لوط .. فسكن في المغارة هو وابنتاه. وقالت البكر للصغيرة: (أبونا قد شاخ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كادة كل الأرض. هم نسق أبانا خمرا ونضطجع معه، فتحيي من أبينا نسلا). فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة، ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت الصغيرة: (إني قدر اضطجعت البارحة مع أبي. نستقيه خمرا الليلة أيضا فادخلي اضطجعي معه، فنحيي من أبينا نسلا). فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا، وقامت الصغيرة واضطجعت معه، ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها، فحبلت ابنتا لوط من أبيهما. فولدت البكر ابنا ودعت اسمه (موآب)، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم. والصغيرة أيضا ولدت ابنا ودعت اسمه «بن عمي»، وهو أبو بني عمون إلى اليوم»[25]. والغريب المستهجن أن النبي داوود (عليه السلام) بعد صحوته من السكر حسب التوراة – ومشاهدة ابنتيه وقد حملتا، لم يسألهما عن مصدر هذا الحمل الغامض.

كأن التاريط يعيد نفسه:

وفي وقتنا الراهن، وواقعنا المعاش، كأنما عجلة الزمن رجعت ثلاثة آلاف عام إلى الوراء، لتوقف عند مذابح بني إسرائيل ودمويتهم، فها هو الأخ يقتل أخاه، والقريب يغتال قريبه، والمواطن يقطع رؤوس مواطنيه، ولا أدل على ذلك مما أقدم عليه الوهابيون أنفسهم تجاه بعضهم، قبل أن يطبقوه على غيرهم. فهذا محمد عبد الوهاب، المصلح الديني المزعوم، يأمر باغتيال قائد قواته الوهابية الأمير الأكبر في نجد، أمير العيينة عثمان بن معمر، بتهمة أنه كافر، وقد اغتيل أثناء صلاته في المسجد. كما احتدم الصراع على السلطة بين العائلة الوهابية الحاكمة لسنوات عدة، ما أدى لانهيار المملكة السعودية الثانية، إلى أن قامت المملكة الوهابية الثالثة الحالية، بمساعدة البريطانيين عام 1350 هجري- 1932 ميلادي.

وهذا مثال آخر على صراع الأشقاء وأبنا العمومة والأقارب من الوهابيين الدمويين:

ففي عام 1234 هجري۔ 1818 ميلادي، نصب محمد بن مشاري بن معمر نفسه مسؤولا على الحركة الوهابية، إلا أن الأمير مشاري بن سعود لم يقبل بذلك، وحاول انتزاع السلطة منه ففشل، ما أدى لمقتله. فقام أمير سعودي آخر هو تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود في عام 1236 هجري – 1820 ميلادي، بالانتقام من ابن معمر، وقتل أمير بلدة (ضرما) ناصر السياري، ليفرض هيمنته على الرياض، ويأخذ من أهلها البيعة بالقوة. ولكن ذلك لم يمنع من اغتياله سنة 1249 هجري – 1833 ميلادي، على يد ابن أخته (مشاري بن عبد الرحمن بن مشاري بن سعود) الذي كمن له عند باب المسجد وقتله غدرا، واستولى على السلطة عنوة. ولم تمض شهور حتى استطاع فيصل بن تركي الانتقام لوالده، وقتل ابن عمه مشاري بن عبد الرحمن، والعودة إلى الحكم.

ويستمر مسلسل العنف من ذلك الحين حتى يومنا هذا، حيث لم يكن الإخوان المسلمون الطامعون بالسلطة في أية دولة يستطيعون الوصول إليها، أقل دموية من معلميهم الوهابيين، فقد نفذوا العديد من عمليات الاغتيال ضد معارضيهم في العديد من الدول، لاسيما في مصر. ولعل سورية في الثمانينات قد تحملت من إرهابهم ما فيه الكفاية، حين عانت من تفجيراتهم العمياء، التي استهدفت السوريين بشتى انتماءاتهم السياسية، ومعتقداتهم الدينية. وعندما جاءت القاعدة على يد بن لادن والظواهري، كانت في قمة الوحشية والبربرية والدموية، ليس من صراعها مع الصهيونيين وأنصارهم، بل في حربها ضد المسلمين في كل مكان، بداية من أفغانستان وباكستان، مرورا بالعراق والصومال واليمن، وصولا لسورية عاصمة بلاد الشام.

لقد اختطفوا وعذبوا وقتلوا، واغتالوا وذبحوا ونكلوا، لم يميزوا بين رجل وامرأة، بين طفل وشيخ، عالم وجاهل، الكل في نظرهم سواء. والجميع حسب تطرفهم كفرة، حتى علماء الدين وفقهائه، امتدت أيديهم الملطخة لتنال منهم، بتهمة الكفر والخروج عن الملة، لا لشيء إلا لأنهم ليسوا على دين بن عبد الوهاب. حتى المواطنين الأبرياء لم يسلموا من القتل في الشوارع، بالسيارات المعبأة بأدوات حقدهم، هل كشف هؤلاء القتلة الإرهابيون على قلوب المارة، فتبين لهم الكفر في ضمائرهم؟، وهل أسندوا لأنفسهم مهمة محاسبة البشر نيابة عن الرب الإله؟، ومن أعطاهم هذا التوكيل إن هم زعموا ذلك ؟.

ولعل أكثر ما يدعو للشك في انتماء الوهابية الإسلام، هو إباحة الفواحش والمحرمات، بشكل يخالف ما جاء به الإسلام:

فانتهك هؤلاء الوهابيون الأعراض، وعمموا الرذيلة، وأشاعوا الفاحشة، كل هذا يتم باسم الدين والحرص على تعاليمه. لقد برر لهم مشايخهم الظلاميون كل ما يرتكبون من جرائم، وكل ما يقدمون عليه من حماقات، فأمدوهم بفتاوى ضلالية ما وردت في كتاب ولا سنة، فاجترؤوا على الله حين اختلقوا ظاهرة «الجهاد» و «غنائم الحرب» و «سبي النساء» بين أبناء الملة الواحدة والوطن الواحد، واخترعوا أخيرا ما أسموه «جهاد المناكحة» وهو غرف الشريعة جريمة زنا موصوفة يرفضها الدين والعرف والتقاليد. ولعله أكثر ما يعتصر القلب من الألم، هي تلك الفتاوى العجيبة، التي خرجت من بعض شيوخ الوهابية، فأباحت زنا المحارم إن لم يكن أمام «المجاهد» بدائل. إن هذه المباحات المزعومة، ليست من الإسلام في شيء، وهي مرفوضة حتى من المجتمعات الحيوانية، التي تأبى الإتيان بمثلها.

الخاتمة:

“لورانس رايت” خريج الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والحائز على جائزة “بوليترز”، ألقى محاضرة على مدرج الجامعة الأمريكية، قال فيها: «إن تنظيم القاعدة محكوم عليه بالفشل، لثلاثة أسباب: وجود الكثير من الأعداء، ومعظم ضحاياه من المسلمين، وأنه لا يملك رؤية للمستقبل». وهذا من الأمور الطبيعية للفكر الوهابي، فكما ينظر اليهود لعامة البشر – ما عداهم – على أنهم «غوييم» أي حيوانات، ينظر الوهابيون لعامة الناس باستثنائهم على أنهم «كفرة». أما اختيار ضحاياهم من المسلمين، فهذا أيضا من المسلمات، لأن الوهابية صنعت أساسا لتشويه الإسلام، وإضعاف المسلمين. أخيرا وحول عدم امتلاك القاعدة رؤية للمستقبل، فإن وضع رؤى سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية، أو بمعنى آخر، وضع استراتيجية شاملة للمستقبل السياسي، قد يكشف أهداف التنظيم المشبوهة. وإذا تلاعب المنظرون الوهابيون ووضعوا أهداف نموذجية كاذبة لتنظيمهم، فإن هذه الأهداف ستجبر التنظيم على الالتزام بها، وهذا ما لا يرغب به منظروهم.

أما انتقاء أعضاء تنظيم القاعدة فيتم وفق مقاسات ومفاهيم محددة فهم في مجملهم مجموعة من الشبان الفاشلين اجتماعيا اليائسين من الحياة الذين انطلت عليهم أكذوبة الزواج من الحور العين في الجنة إذا هم ماتوا في القتال وما علموا (أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا)[26]. وهم جاهلون بأن القاتل خالد مخلد في نار جنهم وبئس المصير.

إن القاعدة منظمة إرهابية دموية بامتياز تتغذى باليأس وتتسلح بالوهم تحارب الإسلام وتدمر الحضارات إنها آلة صنع الموت وإنتاج الخوف والألم إنها عدوة الإنسانية وخصم التقدم والحضارة وعنوان التخلف والانغلاق وإن التحاق الفاشلين العاجزين عن التعايش مع مجتمعاتهم بهذا التنظيم ما هو إلا تعويض فاضح عن مركبات النقض والشعور بالدونية الذي يخامر أفراده على الدوام ويصاحبهم في حلهم وترحالهم. فالقاعدة تجعل من هؤلاء الفاشلين المتطرفين أمراء وقضاة وقادة ورؤساء ومفتين ومجاهدين.

إن تنظيم القاعدة تلك الثمرة الملعونة التي جاءت من شجرة خبيثة تمتد جذورها إلى التوراة اليهودية والتي صنعت لتكون الداء المزمن للأمة الإسلامية. إن هذا الداء سيجد طريقه للانحسار والأفول والزوال وهو يسير بقدميه نحو الهلاك والتلاشي والفناء لأنه أضحى مكشوف الأصل والنشأة عاري الأهداف والغايات مفضوح الأدوات والوسائل.

________________________________________

[1]. موسوعة السياسة – الدكتور عبد الوهاب الكيالي المجلد 3، ص180.

[2]. الموسوعة العربية العالمية – النسخة الضوئية – مادة الدولة السعودية الأولى.

[3]. المصدر السابق – مادة محمد عبد الوهاب.

[4]. ناصر السعيد – تاريخ آل سعود – الصفحة 11.

[5]. المصدر السابق – تاريخ آل سعود – الصفحة 8.

[6]. المصدر السابق – الصفحة 11.

[7]. محمد بن سعود: أمير الدرعية حليف محمد عبد الوهاب.

[8]. أحمد صبحي منصور – كتاب جذور الإرهاب في العقيدة الوهابية.

[9]. أحمد صبحي منصور: كاتب مصري أزهري متخصص في التاريخ الإسلامي.

[10]. يقصد سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود.

[11]. عثمان ابن بشر النجدي – كتاب “عنوان المجد في تاريخ نجد”.

[12]. مصدر سابق – جذور الإرهاب في العقيدة الوهابية.

[13]. مذكرات محمد حسين هيكل.

[14]. عبد الباري عطوان – القاعدة التنظيم السري – الصفحة 49.

[15]. جريدة الأخبار المصرية – بتاريخ 29/ 5/ 2011 تحقيق بعنوان “كيف كان ابن لادن على علاقة سرية مع المخابرات الأمريكية”.

[16]. المصدر السابق – الصفحة 58.

[17]. سفر التكوين 27: 41.

[18]. سفر الخروج 17: 19.

[19]. سفر صموئيل الأول 19: 1.

[20]. سفر التثنية 2: 33.

[21]. سفر التثنية 3: 6.

[22]. سفر التثنية 14: 15.

[23]. سفر صموئيل الأول 22: 18.

[24]. سفر صموئيل الثاني 11: 2.

[25]. سفر التكوين 19: 30.

[26]. سورة المائدة – الآية 32.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد