ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 17 فبراير 2019 زيارة: 90

توهم جهة الفوق دون التحت لله تعالى

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: القواعد الكشفية الموضحة لمعاني الصفات الإلهية (ص132-139)
تأليف: الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني
الشبهة:

ومما أجبت به من يتوهم من قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) [طه: 15] ما يسبق إلى أذهان العوام من أنه – تعالى – في جهة الفوق دون جهة التحت.

والجواب:

أن ذلك إنما يقع من جاهل بالله عز وجل، أما العالم به تعالی فلا يقع في مثل ذلك الاعتقاده جزما بأن حقيقته – تعالى – مخالفة لسائر الحقائق، فليس استواؤه تعالى على عرشه کاستواء الخلق؛ لأنه يجب تنزيهه عن صفات المحدثات، فلا يصح أن يكون الخالق کالمخلوق أبدا.

[أقوال المتصوفة في دفع شبهة الجهة في جناب الحق]:

وقد بلغنا عن سيدي أحمد بن الرفاعي (رضي الله عنه) أنه قال: صعدت في الفوقيات إلى سبعمائة ألف عرش، فقيل لي: ارجع: لا وصول لك إلى العرش العظيم الحاوي لجميع العروش، إنما ذلك خاص بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، فرجعت، ثم نزلت في السفليات حتى جاوزت سبعمائة ألف أرض، فقيل لي: ارجع، لو مكثت تجاوز الأراضي عدد رمال الدنيا ما وصلت إلى الأرض الكبرى الحاوية لجميع الأراضي، فرجعت.

وقال أيضا: إن الله تعالى بحرا من رمل يجري بين السماء والأرض من خلق الله تعالى الدنيا إلى يوم القيامة، لله بعدد كل رملة منه مدينة قدر دنياكم هذه، لا به لكل ولي حق له قدم الولاية من دخول هذه المدائن، والإحاطة بأهلها وحیواناتها ومعرفة أسمائهم وأنسابهم وطبائعهم، انتهی. وحيث صح النقل فهو من بعض وسع معلومات الله تعالى التي يطلع عليها من يشاء من عباده، والله واسع عليم.

وسمعت سيدي الشيخ عبد القادر الدشطوطي (رحمه الله) يقول: من تأمل الوجود المعقول للخلق كلهم وجده متناهيا، فهو بالنسبة لمعلومات الله تعالى التي لا تناهی كذرة طائرة في هواء لا سقف له ولا سفل، انتهى. وهذا يؤيد ما سبق عن سيدي أحمد بن الرفاعي، بل لو ضرب سبعمائة ألف عرش، وسبعمائة ألف أرض في مثلها عدد الرمال، وأوراق الشجر، وعدد ما علمه الخلق من المخلوقات، لوقف الأمر على شيء محصور، ولقال لسان حال العقل لصاحبه: ما وراء ذلك أيضا ؟.

وسمعت سيدي عليا الخواص (رحمه الله) يقول: غالب الخلق جاهلون بعظمة الله عز وعلا، ولا يعرف شيئا من عظمته تعالى المصطلح عليها عند القوم إلا من تفذ من الأقطار أجمعها، وتجاوز حد الرفع والخفض، وما دام العبد يشهد فوقه سقفا، وتحته أرضا، يصح الاستقرار عليها، فهو لم يعرف عظمة الله عز وجل، انتهی.

ويؤيده قول سيدي علي بن وفا (رحمه الله):

وقد نفذت من الأقطار أجمعها                   وقد تجاوزت حد الخفض والرفع

فذكر ما أنعم الله به عليه (رضي الله عنه) من باب التحدث بالنعمة، وإظهار عظمة الله عز وجل، كأنه يقول: جلت في الملكوت هذا الجولان العظيم، ومع ذلك، فما أحطت علما بالله عز وجل، وفي حديث رواه الحكيم الترمذي في “نوادر الأصول مرفوعا: “إن الله تعالى احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبوته أنتم”، انتهى. أي: كما تطلبون الحق تعالى في جهة العلويات، كذلك الملا الأعلى يطلبونه في جهة السفليات.

[مذهب الشيخ محيي الدين في آية الاستواء]

وكان الشيخ محيي الدين بن العربي (رحمه الله)  يقول: من أعجب الأمور أن المؤمن يقول: ليس الله تعالى في جهة دون أخرى، ثم بعد ذلك يغلب وهمه على عقله، ولا يتعقله إلا في جهة الفوق حال مخاطبته له تعالى في الدعاء وغيره كحال المراقبة، انتهى. وقد سئل الشيخ محيي الدين بن العربي (رضي الله عنه) مرة عن قوله تعالى:  (الرحمن على العرش استوى)، فأنشد:

العرش والله بالرحمن محمول                  وحاملوه وهذا القول معقول

وأي حول لمخلوق ومقدرة                      لولاه جاء به شرع وتنزيل

جسم وروح وأقوات ومرتبة                      ما ثم غير الذي رتبت تفضيل

وهم ثمانية والله يعلمهم                        واليوم أربعة ما فيه تأويل

محمد رضوان وخازنهم                           وآدم وخليل ثم جبريل

والحق بمیکال إسرائيل ليس هنا             سوى ثمانية غر بها ليل

هذا هو العرش إن حققت صورته              والمستوي باسمه الرحمن مأمول

انتهى، أي أن مجموع هذه الأمور هو حقيقة العرش الذي وقع عليه الاستواء في التصريف لا العرش العظيم الذي وقع عليه الاستواء المطلق، فإذا اجتمعت هذه الأمور، وقام العرش علی ساق، واستوی علیه تصريف خالقه فيه.

وأطال في ذلك، ثم قال: واعلم يا أخي أن الحق تعالى لما كان هو الملك العظيم، ولا بد للملك من حضرة معينة يقصده عبده فيها لحوائجه مع أن ذاته تعالی لا تقبل المكان أصلا، اقتضت المرتبة له تعالى أن يخلق له عرشا ثم ذكر لعباده أنه استوی عليه، أي حضر عنده، فمن سأله فيه أجابه، نظير قوله (صلى الله عليه وسلم): “ينزل ربنا إلى سماء الدنيا كل ليلة، فيقول: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مبتلی فأعانيه؟، الحديث، مع أنه تعالی يسمع دعاء عبده في كل وقت من ليل، أو نهار، ولكن الشرع يجري على العرف كثير من الأحكام تنزلا لعقول العباد، فإذا انقضى حكم ذلك النداء كان بمثابة انقضاء مرکب ملوك الدنيا، وإسدالهم الحجاب بينهم وبين رعيتهم وخدامهم، ولله المثل الأعلى، ولولا ذكره تعالى لعباده ذلك، وتنزله لعقولهم لبقي أحدهم حائرا لا يدري أين يتوجه إلى سؤال ربه في حوائجه، فإن الله تعالی ما خلق الخلق إلا للمراتب في العبادات، كما في قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات: 56] دون الأعيان لغناه عن العالمين، انتهى. وهو كلام عظيم يكتب بنور الأحداق.

وسمعت سيدي عليا الخواص (رحمه الله) يقول: إنما كان المحجوبون عن عظمة الله لا يكاد أحدهم يشهد ربه إلا في جهة الفوق؛ لأن الحق تعالی خلق العبد ذا جهة، فلا يتعقل ربه إلا في جهة، اللهم إلا أن يمن الله تعالى على بعض أصفيائه  بنور الكشف عن عظمة الله عز وجل، فهناك يندرج نور عقله في نور کشفه وإيمانه، فتساوی الجهات الست عنده من غير ترجيح، ويعلم کشفا ويقينا أن الحق تعالى لا يقبل التحيز، ولا تأخذه الجهات، انتهى.

وقال الشيخ محيي الدين في باب الأسرار من الفتوحات: اعلم أن المراد من استواء الحق تعالى على العرش، أو نزوله إلى سماء الدنيا كل ليلة، إنما هو كناية عن إعلامه لعبده بإذنه في مناجاته، ومسامرته بالدعاء، والسؤال في حوائجه، والاستغفار من ذنوبه، فإن استواءه تعالى ونزوله صفتان من صفات ذاته، وصفاته قديمة، والعرش والسماء محدثان بإجماع، فلم يزل موصوفا بالاستواء والنزول قبل خلق العرش والسماء، فما كنت تتعقله من صفة الاستواء والنزول قبل خلق العرش والسماء فهو الذي ينبغي تعقله بعد خلقهما، وأطال في ذلك، ثم قال: وكما أذن لهم في مسامرته، كذلك هو تعالى يسامهم بقوله تعالى: “هل من سائل … إلى آخره”، فهو تعالى يقول لهم، ويقولون له، كأنهم في مجلس واحد، ولله المثل الأعلى، وأنشدوا:

إن الملوك وإن جلت مراتبها           لها مع السوقة الأسرار والسمر

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد