ارسل الى صديق x
وقت الإرسال: 24 مايو 2018 زيارة: 90

ثرثرة لابن تيمية في التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم)

(غير مصنفة)
مقتبس من كتاب: براءة الأشعريين من عقائد المخالفين ج1، ص270-280
تأليف: أبي حامد بن مرزوق

وقد اطلعت على ثرثرة لابن تيمية في التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) أذكرها برمتها ثم أبطلها.

قال في الجزء الأول من فتاواه ص 293 و294 مسألة في التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) هل يجوز أم لا.

الجواب: الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك مما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه فهو مشروع باتفاق المسلمين، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتوسلون به في حياته وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه كما كانوا يتوسلون به، وأما قول القائل: اللهم إني أتوسل إليك به، فللعلماء فيه قولان كما لهم في الحلف به قولان، وجمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة على أنه لا يسوغ الحلف به كما لا يسوغ الحلف بغيره من الأنبياء والملائكة، ولا تنعقد اليمين بذلك باتفاق العلماء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، والرواية الأخرى تنعقد اليمين به خاصة دون غيره، ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتب للمروزي صاحبه أنه يتوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في دعائه، ولكن غير أحمد قال: إن هذا إقسام على الله به ولا يقسم على الله بمخلوق، وأحمد في إحدى الروايتين قد جوز القسم به، فلذلك جوز التوسل به، ولكن الرواية الأخرى هي قول جمهور العلماء إنه لا يقسم به، فلا يقسم على الله به كسائر الملائكة والأنبياء، فإنا لا نعلم أحدا من السلف والأئمة قال: إنه يقسم على الله، كما لم يقولوا إنه يقسم بهم مطلقا، ولهذا أفتى أبو محمد بن عبد السلام أنه لا يقسم على الله بأحد من الملائكة والأنبياء وغيرهم، لكن ذكر له أنه روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) حديث في الإقسام به فقال: إن صح الحديث كان خاصا به، والحديث المذكور لا يدل على الإقسام به، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت)، قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك)، والدعاء عبادة، والعبادة مبناها على التوقيف والاتباع لا على الهوى والابتداع إ ه‍.

أقول: كلامه من أول الجواب إلى قوله وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتوسلون به، باطل بستة أوجه:

الأول: هو السائل لنفسه أو أحد المفتونين به، وعلى كل فالسؤال غير محرر، وتحريره = على رأيه = أن يقول: هل يجوز التوسل بجاهه (صلى الله عليه وسلم) أم لا، لأنه زعم أنه (صلى الله عليه وسلم) لا جاه له فالتوسل بجاهه (صلى الله عليه وسلم) عنده شرك وعبادة للمتوسل به.

والمتوسل بجاهه (صلى الله عليه وسلم) مشرك عابد له عليه الصلاة والسلام، لأنه = في زعمه = التفت إلى جانب تعظيم الرسول وأهمل جانب توحيد الألوهية الذي جهله جميع المسلمين ولم يعرفوا = في زعمه = إلا توحيد الربوبية الذي شاركهم فيه جميع الكفار، ويكون الجواب المطابق لرأيه أن يقول بإيجاز: لا يجوز ذلك فهذره بما هو مشروع باتفاق المسلمين دس وتلبيس.

الثاني: معنى التوسل والوسيلة لغة عام فالتوسل لغة التقرب، والوسيلة كل ما يتوسل به إلى المقصود وعلى هذا المفسرون، فقد حكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره في معناها ثلاثة أقوال: القربة عن سبعة من علماء التابعين، والمسألة عن السدي، والمحبة عن ابن زيد، ومعلوم لكل لبيب أن القربة عامة، ولذلك اقتصر عليها البغوي في تفسيره والنيسابوري في تفسيره قال: ولهذا (أي لأجل عموم الوسيلة لغة) قد تسمى السرقة توسلا، وجعل منها اجتناب النواهي وامتثال الأوامر، والخطيب الشربيني قال في تفسيره: اطلبوا ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي، والزمخشري قال في تفسيره: كل ما يتوسل به أي يتقرب به من قرابة أو صنيعة أو غير ذلك إ ه‍.

فتحقق بهذا عموم معنى التوسل والوسيلة، وعليه فتتناول قول الناس اللهم إني أتوسل إليك بفلان وتتناول أيضا يا فلان ادع الله لي، فإن طلب دعاء الغير وسيلة إلى الله تعالى إذ هو من قبيل الشفاعة.

وتتناول أيضا إحضار من يتوسل به، ودعا الله بحضرته كإحضار الفاروق للعباس ابن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، أو الإتيان به مجردا عن الدعاء رجاء أن ينصرهم الله تعالى بوجوده معهم في الحروب كما أشار الإمام البخاري إلى ذلك في صحيحه، حيث ترجم بما يدل على الاستعانة في الحروب بالضعفاء وأخرج فيه ما يدل على أن الاستعانة لمجرد الحضور.

وتتناول أيضا زيارة الصلحاء لتعود بركتهم على الزائر فجميع هذا يقصد منه التوجه إلى الله تعالى والتقرب إليه بالمتوسل به ولا محذور في ذلك، ولا يعد عبادة للمتوسل به، وقد تقدم في بحث العبادة أن إرادة نفع الجاه المجردة عن التذلل لمن يراد جاهه ليست من العبادة في شيء، لأن التذلل والحالة هذه حقيقة إنما هو الله تعالى، والتوسل إليه تعالى بالمعظم عنده مما يقوي ذلك ويؤكده، فقصره التوسل المشروع على أفعاله (صلى الله عليه وسلم)، وأفعال العباد جهل باللغة أو تحكم فيها لا مبرر له إلا هواه.

الثالث: قوله (المأمور بها في حقه) افتراء على الله تعالى، فإنه تعالى لم يأمر في كتابه العزيز بالتوسل بأفعاله (صلى الله عليه وسلم) وأفعال العباد فقط بل أمر بالوسيلة إليه أمرا مطلقا وقرنها بالجنسية، فهي عامة في الأقوال والأعمال والذوات شاملة لما ذكره، وللتوسل بذاته (صلى الله عليه وسلم)، أي جاهه الذي منعه وكفر به المسلمين المتوسلين بالقياس الفاسد فشاق الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين.

ومن الآيات القرآنية الدالة على التوسل والتشفع بالمقربين لا سيما سيد المرسلين قوله تعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين)، اتفق المفسرون على أنها نزلت في يهود خيبر.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان يهود خيبر يقاتلون غطفان كلما التقوا هزمت غطفان اليهود فعاذت اليهود بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق هذا النبي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فصاروا بعد إذا التقوا دعوا به فيهزمون غطفان، فلما بعث الله تعالى محمدا (صلى الله عليه وسلم) كفروا به فأنزل الله تعالى الآية، فليتدبر العقلاء هذه المكانة التي له (صلى الله عليه وسلم) عند ربه كيف كان يستجيب لمن هو كافر به، ويعلم تعالى أنه يكون من أشد الناس عداوة له وإيذاء، وكان ذلك قبل بروزه (صلى الله عليه وسلم) إلى الوجود، فكيف وقد بعث رحمة للعالمين، فمن منع التوسل به (صلى الله عليه وسلم) فقد أعلم الناس أنه أسوأ حالا من اليهود.

قال ابن القيم في بدائع الفوائد: إن اليهود كانوا يحاربون جيرانهم من العرب في الجاهلية ويستنصرون عليهم بالنبي (صلى الله عليه وسلم) قبل ظهوره فيفتح لهم وينصرون عليهم، فلما ظهر النبي (صلى الله عليه وسلم) كفروا به وجحدوا نبوته فاستفتاحهم به مع جحد نبوته مما لا يجتمعان، فإن كان استفتاحهم به لأنه نبي كان جحد نبوته محالا وإن كان جحد نبوته = كما يزعمون حقا = كان استفتاحهم به باطلا، وهذا مما لا جواب لأعدائه عنه ألبتة إ ه‍.

ومن الآيات القرآنية الدالة على الطلب من المخلوق ولو لما لا يقدر عليه إلا الله إذا كان في مقام الكرامة للأولياء لقوله تعالى عن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام: (يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين .. الآية)، فطلب من الملأ، وهم الجن والإنس وفيهم مردة الشياطين، فأتى به الذي عنده علم من الكتاب ولم يتخلخل.

وقد أجمع أهل العلم إن هذا من نوع الكرامة، والله تعالى ذكره، في كتابه العزيز في مقام الافتخار لذلك الرجل الصالح ولم يعتب على سليمان ولم يقل له لم دعوت غيري وأنا أقرب إليك من حبل الوريد، وعبيدي غير قادرين على هذا الأمر الذي لا يقدر عليه غيري، وذلك لأن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام يعلم أن ذلك من التماس الأسباب، وهو من المشروع الذي أمر الله تعالى به وكذلك الطلب من الرسول (صلى الله عليه وسلم) أو من شهداء وصلحاء أمته إنما هو من نوع الكرامة والتسبب، والفاعل الحقيقي في ذلك هو الله تعالى، وكرامات الأولياء داخلة في معجزات الأنبياء لأنها بواسطتهم تكون للأولياء بسبب متابعتهم للأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

الرابع: قوله أيضا: (المأمور بها في حقه)، افتراء على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فلو استظهر هو وجميع المفتونين به بالثقلين على إثبات إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر بالتوسل بأفعاله وأفعال العباد فقط لم يستطيعوا ذلك.

وحديث الأعمى نص صريح في التوسل بجاهه (صلى الله عليه وسلم)، وكذلك قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، وقد أوله في رده على الأخنائي ص 198 بحذف مضاف قال ومعنى: (كنا نتوسل إليك بنبينا)، أي بدعائه وشفاعته، ولم يرد عمر بقوله: (كنا نتوسل إليك بنبينا)، أي نسألك بحرمته، وثرثر ثم قال: (وكثير من الناس يغلط في معنى قول عمر)، وكلامه هذا فاسد بأربعة أوجه:

الأول: كلام أمير المؤمنين عمر نص في التوسل بجاهه (صلى الله عليه وسلم) لا يقبل التأويل.

الثاني: الحذف على خلاف الأصل.

الثالث: الإرادة محلها القلب ولا علم له بأن عمر لم يرد التوسل بحرمته (صلى الله عليه وسلم) إلا من وحي الشيطان إليه.

الرابع: لو كان فهمه عدم جواز التوسل بحرمته (صلى الله عليه وسلم) من كلام عمر هذا صحيحا، وفهم علماء الإسلام قاطبة الذين عبر عنهم بالكثير، وزعم أنهم غلطوا في معنى قول عمر منه جواز ذلك فاسدا لكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ملبسا موقعا رعيته والمسلمين جميعا في الشرك = برأه الله من ذلك =، ولكان الواجب عليه لرعيته = على مقتضى فهمه = أن يقول: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بدعاء نبيك وشفاعته، تلون وتخبط هذا المفتون في إبطال صريح توسل الفاروق بالنبي (صلى الله عليه وسلم)، فجعله هنا على حذف مضاف، وفي الثرثرة التي أنا بصدد إبطالها جعل توسله بالعباس وعدم توسله بالنبي (صلى الله عليه وسلم) دليلا على عدم جواز التوسل بجاهه (صلى الله عليه وسلم) = كما تلون وتخبط في كتبه في إبطال حديث الأعمى =، = وكما تلون وتخبط في الأسباب والموانع في رسالته الواسطة بين الخلق والحق =، وهي في خمسة أوراق، فقد جزم في أولها بأنه لا واسطة بين الخلق والخالق إلا بالرسالة، وناقض نفسه في وسطها فمشى على نهج أهل الحق فقال: (فالالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع إ ه‍).

الخامس: (اللهم بحق السائلين عليك) الذي طفحت بذكره كتب الحنابلة نص صريح في التوسل بحرمته (صلى الله عليه وسلم)، فإن الحق هو الحرمة والمنزلة والجاه قطعا، أيكون يا عباد الله لكل مؤمن سائل حق وحرمة عند الله ولا يكون ذلك لسيد الوجود؟، إنها لا تعمى الأبصار.

السادس: الصحاح والسنن والمسانيد مملوءة بالتبرك والتسبب بالذوات، فمن ذلك قول عروة بن مسعود الثقفي لقريش يوم الحديبية: لقد رأيت ملوك الروم وفارس وما رأيت قوما يعظمون صاحبهم مثل تعظيم أصحاب محمد لمحمد، أنه ليرمي بالنخامة فما تقع إلا في يد أحدهم فيدلك بها وجهه، ومن ذلك ازدحام الصحابة على وضوئه (صلى الله عليه وسلم) متبركين به، فكان الذي لا يصل إلى لمس أعضائه الشريفة للبلل يأخذ من بلل يد صاحبه، ومن ذلك قسم أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه شعر رأسه الشريف لما حلقه عام حجة الوداع بين الصحابة، وقد أخذ خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه شعرات من شعر ناصيته (صلى الله عليه وسلم) وخاطها في قلنسوة ولبسها قال: فما حضرت زحفا مهما كثر العدو إلا وتبين النصر بين عيني، أيرزق خالد النصر على أعدائه بشعرات من شعره (صلى الله عليه وسلم) ولا يتوسل إلى الله تعالى بجاهه.

ومن ذلك أنه (صلى الله عليه وسلم) مر على قبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، ودعا بعسيب فشقه وجعل على كل قبر نصفا وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا، ولا شك أن الجريد ذات، وليس هذا خاصا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) حتى يقال إن ارتفاع العذاب عنهما بسببه (صلى الله عليه وسلم)، بل أجمع العلماء على العمل به في كل عصر، أيجوز التسبب بجريد النخل وهو ذات ولا يجوز التوسل والتسبب بذات سيد الوجود، فأي عقل لمن يمنع ذلك، ومن ذلك شرب مالك بن سنان رضي الله عنه دمه (صلى الله عليه وسلم) فقال له (صلى الله عليه وسلم): (لن تصيبك النار)، وشرب عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما دم حجامته (صلى الله عليه وسلم) فقال له (صلى الله عليه وسلم): (ويل لك من الناس وويل لهم منك لا تمسك النار إلا تحلة القسم) ولم ينكر فعله.

ومن ذلك شرب أم أيمن بوله (صلى الله عليه وسلم) فقال لها (صلى الله عليه وسلم): (إنك لا تشتكي بطنك بعد يومك هذا)، فيا أمة الإسلام أيكون الدم والبول الخارجان من ذاته (صلى الله عليه وسلم) سببا لدفع النار والوجع عن شاربهما؟ ويمتنع التسبب والتوسل بذاته إلى الله تعالى؟ وهي من نور الله تعالى = كما في حديث جابر وغيره = فهل يعد المانع للتوسل بجاهه (صلى الله عليه وسلم) من الأعداء أو من الأصدقاء.

وقوله: (وكان الصحابة رضي الله عنهم يتوسلون به) دليل على مشروعية التوسل به (صلى الله عليه وسلم) وأنه ليس بعبادة للمتوسل به = كما زعم =.

وقوله: (في حياته) تقييد فاسد ودعوى كاذبة، لأن الأصل في كل مشروع للأمة كتابا أو سنة أن لا يتقيد بحياته (صلى الله عليه وسلم) ولا بزمن مخصوص بل على الإطلاق والتأبيد عند علماء الإسلام قاطبة، ولم يرد في الكتاب ولا في السنة ناسخ ولا مخصص ولا مقيد للتوسل به (صلى الله عليه وسلم) بعد مشروعيته، واتفاق العلماء عليها، وفعل الصحابة رضوان الله عليهم له، حجة دامغة له، وتقييده مشروعيته بأفعاله (صلى الله عليه وسلم) وأفعال العباد، فاسد، لا مبرر له إلا هواه، ولو كان صحيحا لكان (صلى الله عليه وسلم) ملبسا على أمته المرحومة = برأه الله من ذلك وصلى عليه = ولكان الواجب عليه (صلى الله عليه وسلم) لنصح أمته والشفقة عليها أن يقول لهم: (لا تتوسلوا إلا بأفعالي وأفعالكم) ولا يوقعها في اللبس، وتقييده أيضا مشروعيته بحياته (صلى الله عليه وسلم) فاسد لا مبرر له إلا هواه، ولو كان صحيحا للزم منه تلبيسه (صلى الله عليه وسلم) على أمته المرحومة = برأه الله من ذلك وصلى عليه =، ولكان الواجب عليه لها لنصحها والشفقة عليها أن يقول: (لا تتوسلوا بي بعد وفاتي) ولا يوقعها في اللبس، على أنها دعوى كذبتها الأحاديث الثابتة في توسل الصحابة رضي الله عنهم به (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته كحديث عثمان بن حنيف رضي الله تعالى عنه، وقوله: (وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه كان كانوا يتوسلون به)، تمسك على تقييده الفاسد بالعدم وهو جعله توسل الفاروق بالعباس عم النبي (صلى الله عليه وسلم) وتركه التوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) دليلا على منع التوسل به (صلى الله عليه وسلم) بعد وفاته، والترك عدم، والعدم ليس بدليل عند جميع العقلاء، وهذا يدل على جهله بالدليل وبأصول الفقه جهلا مركبا كما هو جاهل باللغة وأصول الدين.

ولما كان هذا النوع من التوسل وهو خروجه (صلى الله عليه وسلم) إلى المصلى وصلاته بهم ركعتين ودعاؤه لهم غير ممكن بعد انتقاله (صلى الله عليه وسلم) إلى الدار الآخرة، خرج أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه إلى المصلى والحق له في الاستسقاء بالناس كما كان (صلى الله عليه وسلم) يفعل، ولكنه تنازل عن حقه لعم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقدمه تعظيما لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتوقيرا ومبالغة منه في التوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما استطاع، وإشادة بفضل أهل بيته (صلى الله عليه وسلم) ورضي عنهم.

والعباس لما دعا توسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث قال: (وقد تقرب القوم بي إليك لمكاني من نبيك)، أي لقرابتي له، (فاحفظ اللهم نبيك في عمه)، يعني اقبل دعائي لأجل نبيك، ومن فهم من توسل الفاروق بالعباس أنه إنما توسل به ولم يتوسل برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لأن العباس حي، والنبي (صلى الله عليه وسلم) ميت، فقد فسد جنانه واستحوذ عليه شيطانه، على أن عمر رضي الله عنه لم يتوسل بالعباس من حيث ذاته وشكله وإنما توسل به من حيث قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

ولا ريب عند كل عاقل أن القرابة معنى من المعاني، فهي الوجاهة والمنزلة.

ولا ريب أيضا عند كل من له مسكة من عقل ودين إن الوجاه صفة ملازمة لصاحبها، لا فرق بين وجوده في الدنيا وبين انتقاله إلى الآخرة، فوجاهته (صلى الله عليه وسلم) عند ربه ملازمة له في الدارين، وهذا مما لا يشك فيه إلا من استحوذ عليه الشيطان، كما أن حياته (صلى الله عليه وسلم) وحياة جميع إخوانه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم، لا يشك فيها مسلم.

وقد استفاضت الأحاديث بذلك، فمن قال إنه (صلى الله عليه وسلم) انقطع جاهه بعد موته فهو مضاه لمن قال: انقطعت رسالته (صلى الله عليه وسلم) بعد موته، ولا خلاف بين علماء الإسلام في كفر من قال بانقطاع رسالته (صلى الله عليه وسلم) بعد موته.

وقوله: (وأما قول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بع فللعلماء فيه قولان): تلبيس وكذب مكشوفان.

افتراؤه على العلماء بأن لهم في التوسل به (صلى الله عليه وسلم) قولين

فالتوسل مشروع معروف لم ينكره أحد من أهل الملل، ولم يقل أحد من علماء الإسلام (فيه قولان): فهو قول واحد لعلماء الإسلام قاطبة، وهو الجواز ضم إليه رأيه الفاسد ولبس به على البسطاء وافترى على العلماء، فلو كان صادقا أمينا على نقل العلم عن العلماء لعزا كل قول منهما إلى قائله من العلماء الذين لبس بلفظهم، ولو كان صادقا محققا لبين القولين، هل هما مثلا بالجواز والمنع أو بالمنع والكراهة؟، ولو كان صادقا محققا ما تركهما من غير توضيح ووثب إلى الثرثرة فيما لم يسأل عنه، وهو الحلف بالنبي (صلى الله عليه وسلم).

وقوله: (كما لهم في الحلف به قولان، إلى قوله ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي) طفرة إلى غير مسؤول عنه قبل توضيحه المسؤول عنه وتلبيس، فإن الأكثرين من أصحاب وأتباع الإمام أحمد على لزوم الكفارة لمن حلف به (صلى الله عليه وسلم) وحنث واحتجوا له بأنه (صلى الله عليه وسلم) شطر الإيمان، فاليمين تنعقد به.

قال ابن قدامة في مغنيه:

(فصل:) ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق كالكعبة والأنبياء وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، هذا ظاهر كلام الخرقي، وهو قول أكثر الفقهاء، وقال أصحابنا: الحلف برسول الله (صلى الله عليه وسلم) يمين موجبة للكفارة، وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلف بحق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فحنث فعليه الكفارة، قال أصحابنا: لأنه أحد شرطي الشهادة، فالحلف به موجب للكفارة كالحلف باسم الله إ ه‍.

 

الأكثرون من أصحاب وأتباع الإمام أحمد على لزوم الكفارة لمن حلف به (صلى الله عليه وسلم) وحنث

وقال ابن مفلح في الفروع ج‍ 3 ص 703: وتلزم الكفارة حالفا بالنبي (صلى الله عليه وسلم) اختاره الأكثرون، والتزم ابن عقيل ذلك في كل نبي إ ه‍.

وقوله: (ولذلك قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي إلى قوله ولكن غير أحمد)، ذكره الحنابلة في كتبهم وأخذوا منه جواز أو استحباب التوسل بالصالحين.

تنصيص الحنابلة في كتبهم على التوسل بالصالحين

قال ابن مفلح في الفروع ج‍ 1 ص 595: ويجوز التوسل بصالح وقيل يستحب، قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي إنه يتوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره إ ه‍.

وقال في كشاف القناع: وقد استسقى عمر بالعباس ومعاوية بيزيد بن الأسود واستسقى به الضحاك مرة أخرى، ذكره الموفق والشارح، وقال السامري وصاحب التلخيص: لا بأس بالتوسل في الاستسقاء بالشيوخ والعلماء المتقين.

وقال في المذهب يجوز أن يستشفع برجل صالح وقيل يستحب.

قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي: إنه يتوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في دعائه، وجزم به في المستوعب وغيره إ ه‍.

التعليقات



أحدث تعليقات الفيسبوك:
  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

  • مشاهير داعش.. من هم ولماذا التحقوا به؟؟

    هذا المقطع یعرض مشاهیر داعش الأجانب و

عن الموقع

بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... أما بعد : عن أبى سعيد قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت ؟ فيقول نعم ، فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتنا من نذير .وما أتانا من أحد ، فيقال يا نوح من يشهد لك فيقول محمد أمته ، قال فذلك قوله( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال الوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم ، ..... اقرأ المزيد